مقالات مختارة
ريم الهاني - صحيفة الأخبار
تتقلّب أسواق النفط بفعل إغلاق مضيق هرمز، ما يرسّخ أزمة طاقة عالمية متفاقمة. ويأتي هذا في ظلّ تداعيات اقتصادية متصاعدة تطاول الولايات المتحدة خصوصاً، مع ارتفاع الأسعار والتضخّم، وغياب حلول سريعة لبدائل موثوقة.
منح إعلان إيران، الجمعة، فتح مضيق هرمز، الأسواق فرصة التقاط الأنفاس لساعات قليلة، ما أدّى إلى انخفاض في أسعار النفط؛ لكنّ الجمهورية الإسلامية عادت وأعلنت، السبت، إغلاق المضيق مجدّداً، وذلك عقب تعهّد الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، باستكمال حصاره البحري عليها. وانخفضت الأسعار قبل ساعات من الإعلان عن إعادة إغلاق المضيق، وسط توقّعات بأن تعود سريعاً إلى مستوياتها السابقة؛ إذ تراجع خام برنت بنحو 9.5% إلى نحو 89.89 دولاراً للبرميل، فيما هبط خام غرب تكساس الوسيط بأكثر من 10% إلى 84.89 دولاراً، وهي أسعار لا تزال أعلى بكثير من السعر الذي كان قائماً قبل الحرب. بدورها، شهدت سوق الأسهم انتعاشاً مؤقّتاً، فيما من المرجّح أن تعود إلى التراجع عند فتح الأسواق اليوم.
وإذ أثبتت إيران أنها لا تزال قادرة على فرض سيطرتها على «هرمز»، الذي يشكّل مصدراً مهماً للغاية لإمدادات النفط العالمية، تُواصل العديد من الأطراف محاولة إيجاد بدائل محتملة، لتجنّب المزيد من الخسائر في حال طال أمد الحرب، فيما لا تزال الخيارات البديلة غير موثوقة إلى حدّ كبير. وعليه، من المتوقّع أن تستمرّ العوامل التي ساهمت، طوال الفترة الماضية، في انهيار معنويات المستلهكين الأميركيين، في فعل فعلها، في حين أن بعض الأضرار قد تستغرق سنوات حتى تَظهر بالكامل.
داخل الولايات المتحدة، وإذ يؤدّي إغلاق المضيق إلى ارتفاع أسعار النفط، فإن ذلك لا ينعكس على تكلفة التنقّل لملايين الأميركيين فحسب، بل يسهم أيضاً في زيادة التضخم، ليس على مستوى الأسمدة والبلاستيك فقط، بل بالنسبة إلى كلّ شيء «يتمّ نقله» إلى المتاجر، ولا سيما أن أسعار الديزل ارتفعت أكثر من البنزين. كما أدّت الحرب إلى تعطيل إمدادات الهيليوم، وهو عنصر مهمّ في إنتاج أشباه الموصلات، ما قد يتسبّب في نقص أوسع نطاقاً في بعض السلع، بدءاً من السيارات إلى غسالات الأطباق، على غرار ما حدث خلال جائحة «كورونا». وحتى في حال فتح المضيق اليوم، فإن الأوضاع لن تعود إلى سابقاتها قبل أسابيع، وربما أشهر.
«زيادة المجاعة»
أواخر عام 2025، حذّر «اتحاد مكاتب المَزارع الأميركية» من أن «جدوى قطاع الزراعة الأميركي» مُهدَّدة بالضغوط الاقتصادية، بما في ذلك سياسة التجارة والهجرة، والتي أدّت إلى زيادة تكلفة المعدّات الزراعية والعمالة، وارتفاع أسعار الأسمدة التي ظلّت أعلى من مستويات ما قبل وباء «كورونا» - في مقابل انخفاض أسعار السلع الزراعية -. ونتيجة لما تقدّم، أصبح سعر بيع السلع الزراعية أقلّ من تكاليف الإنتاج بالنسبة إلى العديد من المزارعين، في حين تقدّر وزارة الزراعة الأميركية (USDA) أن ما يقرب من 25% من المزارعين لم يشتروا بعد الأسمدة التي يحتاجون إليها لموسم الزراعة الربيعي لعام 2026. بالتوازي، من المُرجّح أن يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة في مختلف أنحاء العالم إلى فرض ضغوط تصاعدية على أسعار المواد الغذائية العالمية، مثلما يرد في تقرير حول التأثيرات المحتملة لاستمرار إغلاق مضيق هرمز على أسعار الأسمدة والطاقة، وعلى الاقتصاد الزراعي الأميركي عموماً، نشره الشهر الجاري «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية».
وفي سيناريو تستمرّ فيه الحرب وتأثيراتها على المضيق إلى ما بعد حزيران 2026، مع بقاء أسعار النفط أعلى من 100 دولار للبرميل خلال تلك الفترة، يقدّر «برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة» (WFP) أن عدد الأشخاص الذين يواجهون الجوع الحادّ يمكن أن يزيد بمقدار 45 مليون شخص. وسيعتمد هذا العدد، في نهاية المطاف، على مدّة إغلاق المضيق ومدى القدرة على تنفيذ السياسات الرامية إلى تخفيف آثار الحرب على المزارعين والمستهلكين. ومن المُرجّح أن يشعر نصف الكرة الشمالي بالتأثيرات المباشرة، وخاصة المزارعين في بلدان من مثل الولايات المتحدة وكندا وأوروبا وروسيا وأوكرانيا والصين والهند.
كما من الممكن أن يعزّز الارتفاع في أسعار الطاقة عملية تحويل الحبوب من غذاء إلى وقود حيوي؛ إذ عندما ترتفع أسعار النفط والغاز، يصبح إنتاج الوقود الحيوي (Biofuels) - وهو وقود مُستخرج من محاصيل زراعية مثل الذرة وقصب السكر - أمراً مربحاً جداً. وعليه، وبدلاً من بيع الحبوب لصناعة الخبز أو لإطعام السكان، يفضّل المزارعون والشركات تحويلها لإنتاج الوقود، ما يقلّل كمية الغذاء المتاحة في السوق، ويؤدي إلى رفع أسعار الحبوب. وإذ تُعدّ الأخيرة مصدراً رئيساً للأعلاف الحيوانية، فإن ارتفاع أسعارها يؤثّر في النهاية على أسعار الألبان واللحوم، إلى جانب أسعار المواد الغذائية الأساسية.
في حال استمرّ إغلاق المضيق قد يرتفع عدد الأشخاص الذين يواجهون الجوع الحادّ بمقدار 45 مليون شخص
وفي حين يستمرّ سعر البنزين والديزل في الارتفاع في الولايات المتحدة، بعدما تجاوز متوسط سعر الغاز على المستوى الوطني 4 دولارات للغالون بحلول نهاية آذار، توقّعت «خدمة البحوث الاقتصادية» التابعة لوزارة الزراعة الأميركية أن ترتفع أسعار جميع المواد الغذائية بنسبة 3.6% طوال عام 2026. وحالياً، وفيما يضخّ الأميركيون البنزين في سياراتهم، فهم يشعرون بصورة متزايدة بالآثار القاسية المترتّبة على جيوبهم، والتي لا يبدو أنها ستخفّ قريباً؛ إذ يرجّح اقتصاديون أن يؤدّي ارتفاع أسعار النفط إلى رفع تكلفة مجموعة من السلع المنزلية، بما في ذلك أيّ شيء يتطلّب الشحن. أيضاً، من المُرجّح أن تشهد الأسر ارتفاعاً في فواتير التدفئة والكهرباء، وسط ارتفاع تكاليف الطاقة؛ وبالفعل، بدأت بعض البلدان في جميع أنحاء العالم، تنفيذ تدابير تهدف إلى إعطاء الأولوية لاحتياجات الطاقة المنزلية والحدّ من استخدام الكهرباء.
وتشير بعض المصادر إلى أن التأثيرات الاقتصادية الفورية الناجمة عن حرب إيران، ويمكن الشعور بها بشكل مباشر في الحياة اليومية للمستهلكين؛ إذ ارتفعت الأسعار في المضخات بنسبة 35%، بحلول الشهر الجاري، فيما من المؤكد أن ارتفاع تكلفة برميل النفط من شأنه أن يحفّز التضخّم على نطاق أوسع. واللافت، أن عشرات المليارات من الدولارات التي تنفقها إدارة ترامب على الذخائر والأفراد والخدمات اللوجستية يمكن أن تموّل بسهولة استثمارات كبيرة في أشياء من مثل الرعاية الصحية ورعاية الأطفال والتعليم، تفيد الشعب الأميركي بالفعل.
ونتيجة لذلك، وبعد ما يقرب من سبعة أسابيع على الحملة العسكرية الأميركية ضدّ إيران، وجد استطلاع جديد أجراه «مركز بيو للأبحاث» أن ارتفاع أسعار الغاز هو أكثر ما يقلق المستهلكين الأميركيين (7 من بين كلّ 10 أميركيين عبّروا عن هذا الرأي)، متجاوزاً حتى تبعات مفترضة أخرى للحرب، من مثل إرسال قوات برية إلى إيران وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا الأميركيين نتيجة ذلك، جنباً إلى جنب «الهجمات الإرهابية» على الأراضي الأميركية، وانتشار الحرب خارج الشرق الأوسط.
لا حلول قريبة
في خضمّ التأثيرات المُشار إليها، يعكف البعض على محاولة إيجاد بدائل عن مضيق هرمز، الذي بات يشكل إحدى أهمّ «أوراق القوة» في يد إيران. على أن خيارات تجاوز المضيق لا تزال محدودة، فيما يتمثّل البديلان الرئيسان بخطوط الأنابيب التي تديرها السعودية والإمارات.
وفي هذا السياق، يشير كينيث ميدلوك، أستاذ الاقتصاد وخبير الطاقة العالمية في «معهد بيكر» في «جامعة رايس»، في حديث إلى شبكة «سي بي سي» الأميركية، إلى أن «الطاقة الإجمالية لهذين البديلين تبلغ حوالي 8.5 ملايين برميل يومياً، 7 في السعودية و1.5 في الإمارات»، معتبراً أن ذلك يعكس ضرورة وجود «المزيد من القدرات البديلة».
وفي حين أن زيادة الضغط على خطوط الأنابيب المتوفّرة حالياً هي «الحلّ الأبسط»، إلا أنه يبقى محدوداً بـ«الهندسة والفيزياء». أمّا بناء «ممرات جديدة»، فيُعدّ الخيار «الأكثر تكلفة»، فيما تُراوِح مدّة تنفيذه ما بين عامين وسبعة أعوام - وهو ما ينطبق على الخيارات الأخرى أيضاً -.
من جهتها، تؤكد «وكالة الطاقة الدولية» أنه على الرغم من احتمال وجود قدرة إضافية في خطوط الأنابيب الرئيسة لتجاوز دور المضيق، إلا أن «السلاسل اللوجستية وسلاسل التوريد اللازمة لإعادة توجيه وتصدير تدفقات كبيرة لم يتمّ اختبارها بقوة». كذلك، لا تزال خطوط أنابيب التصدير البديلة لنفط الخليج مُعرَّضة لخطر الاستهداف والإغلاق واضطرابات الضخّ، خاصة تلك التي تَعبر أكثر من حدود دولة واحدة، علماً أنّه تمّ إغلاق كلّ خطّ في المنطقة مرّة واحدة على الأقلّ، ولا يزال معظمها مُغلقاً حتى الوقت الحاضر.