اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي الشيخ عيسى قاسم: نحذّر من "الملكية المتسلطة" وندعو للتمسك بالرسالة الإلهية

خاص العهد

خاص العهد

متوسطة سحمر الرسمية الأولى.. صرحٌ تربوي تحت الركام و1400 تلميذ ضحايا إرهاب متنقل

79

مراسل العهد/ البقاع الغربي 

في قلب البقاع الغربي، تقف متوسطة سحمر الرسمية الأولى شاهدةً على حجم الخراب الذي خلّفه العدوان، لا بوصفها مبنىً تضرّر فحسب، بل باعتبارها مساحةً للعلم تحوّلت إلى ركام. هنا، لم تتكسّر الحجارة فقط، بل انكسرت معها تفاصيل يومٍ دراسيٍّ كان من المفترض أن يبدأ على وقع أصوات الطلاب والتلاميذ الذين يزيد عددهم فيها عن الـ 1400، لا على وقع الدمار.

منذ اللحظة الأولى لدخول باحة المدرسة، يتبدّى المشهد قاسيًا إلى حدّ يصعب توصيفه: زجاج النوافذ كلّه تحطّم، الأسقف سقطت فوق المقاعد، القاعات التعليمية دُمّرت بشكل شبه كامل، والجدران تآكلت بفعل الانفجارات، فيما تناثر القرميد في كل زاوية، كأنّ المكان تعرّض لعاصفة اقتلعت كل ما فيه. أما المختبر الذي كان يومًا مساحة لاكتشاف العلوم، فقد بات أثرًا بعد عين، بعدما طالته الأضرار بشكل كامل.

مدرسة منكوبة… وخطر على المسار التعليمي

لا يمكن توصيف ما جرى إلا بكونه نكبة تربوية حقيقية. فالمؤسسة التي احتضنت أجيالًا من الطلاب، تحوّلت اليوم إلى بيئة غير صالحة للاستخدام، ما يهدّد بشكل مباشر استمرارية العام الدراسي، خصوصًا في حال استقرت الأوضاع وصدر قرار بإعادة فتح المدارس.

في هذا السياق، رفع المعنيون بالشأن التربوي في المدرسة، إلى جانب مجلس الأهل، الصوت عاليًا مطالبين الجهات الدولية والقانونية والحكومية والوزارية بضرورة الحضور الميداني العاجل، لمعاينة حجم الدمار عن كثب، واتخاذ الإجراءات اللازمة لإعادة تأهيل المدرسة وتأمين بيئة تعليمية آمنة للطلاب. فالمسألة لم تعد تحتمل التأجيل، في ظل الخشية من ضياع عام دراسي كامل، وما يحمله ذلك من تداعيات نفسية وتربوية على الطلاب.

بين الركام… أصوات تطالب بالعدالة

ليست القضية محصورة بإعادة إعمار جدران مهدّمة، بل تتجاوز ذلك إلى مساءلة قانونية وأخلاقية عن استهداف منشأة تربوية يفترض أن تكون محمية بموجب القوانين الدولية. فالقانون الدولي الإنساني، وعلى رأسه اتفاقيات جنيف لعام 1949 والبروتوكولات الإضافية الملحقة بها، يضع حماية المدنيين والأعيان المدنية في صلب أولوياته، ويُصنّف المدارس ضمن هذه الأعيان التي يُحظر استهدافها ما لم تُستخدم لأغراض عسكرية.

كما تنص اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989 بشكل واضح على حق الأطفال في التعليم، وضرورة اتخاذ الدول كافة التدابير اللازمة لضمان استمرار هذا الحق حتى في حالات النزاعات المسلحة. ويُعدّ تعطيل العملية التعليمية أو تدمير منشآتها انتهاكًا مباشرًا لهذا الحق، واعتداءً على مستقبل جيلٍ كامل.

إلى جانب ذلك، برزت خلال السنوات الأخيرة مبادرات دولية مثل إعلان المدارس الآمنة الذي يهدف إلى حماية التعليم في أثناء النزاعات، ويدعو إلى تجنيب استخدام المدارس من أي نتائج لأعمال حربية، ومنع استهدافها، وضمان استمرارية التعليم في أصعب الظروف. ورغم أن هذا الإعلان غير ملزم قانونيًا، فإنه يشكّل إطارًا أخلاقيًا وسياسيًا واسعًا للتوافق بين الدول والمنظمات الدولية، وطبعًا نقول كلمة أخلاقيًا، ليس كحالة يتصف بها العدو "الإسرائيلي"، بل كتعبير قد يحرك بعضًا من إنسانية العالم والدول الغربية بشكل عام.

مسؤولية دولية وواجب إنساني

إن ما تعرّضت له متوسطة سحمر الرسمية الأولى يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته، لا سيما في ظل تكرار استهداف المرافق المدنية، وفي مقدّمها المؤسسات التربوية. فالصمت أو الاكتفاء بالإدانة اللفظية لم يعد كافيًا، في وقتٍ تتكرّس انتهاكات خطيرة للقانون الدولي دون محاسبة فعلية.

كما تتحمّل الجهات الرسمية المعنية مسؤولية التحرّك السريع، سواء عبر توثيق الأضرار ورفع التقارير إلى الهيئات الدولية المختصة، أو عبر إطلاق خطط طوارئ لإعادة تأهيل المدرسة، وتأمين بدائل تعليمية مؤقتة تضمن عدم انقطاع الطلاب عن الدراسة.

التعليم في مواجهة الدمار

ورغم قسوة المشهد، يبقى الأمل قائمًا بإرادة الأهالي والكوادر التربوية الذين يرفضون أن يتحوّل هذا الدمار إلى نهاية لمسيرة تعليمية امتدت لسنوات. فالتعليم في هذه البلدة لم يكن يوماً ترفًا، بل كان دائمًا خيارًا للمقاومة والصمود، ووسيلة لبناء المستقبل رغم كل التحديات.

اليوم، تقف متوسطة سحمر الرسمية الأولى على مفترق طرق: إما أن تُترك لمصيرها تحت الركام، أو أن تتحوّل إلى قضية رأي عام، تستدعي تحرّكًا عاجلًا يعيد إليها الحياة. 

في نهاية المشهد، لا يبدو الدمار في متوسطة سحمر الرسمية الأولى مجرد نتيجة عابرة لعدوان، بل اختبار حقيقي لجدّية التعاطي مع قيمة التعليم في زمن الأزمات. فإعادة بناء الجدران مسألة ممكنة، لكن استعادة الثقة بأن المدرسة ستبقى مكاناً آمناً تتطلّب قراراً واضحاً ومسؤولية لا تحتمل التأجيل.

ما تحتاج إليه سحمر اليوم ليس فقط ورشة ترميم، بل موقفٌ حازم يعيد وضع التعليم في سلّم الأولويات، ويترجم القوانين والمواثيق الدولية إلى خطوات فعلية على الأرض. وبين الركام، تبقى الفرصة قائمة: إما أن يتحوّل هذا الخراب إلى بداية استجابة جدّية تُنقذ العام الدراسي، أو أن يُترك ليكرّس واقعًا أخطر، عنوانه خسارة جيلٍ كامل لحقّه الطبيعي في التعلّم.

الكلمات المفتاحية
مشاركة