مقالات مختارة
إبراهيم الأمين - صحيفة الأخبار
يُعلِن رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو أنّ العدوان المتواصل لقواته على لبنان يأتي في إطار التفاهمات التي أبرمتها "إسرائيل" مع الولايات المتحدة ولبنان عند إعلان وقف إطلاق النار. وهو يؤكّد ما قاله الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال استقباله السفيرين اللبناني و"الإسرائيلي" في البيت الأبيض، بأنّ لـ"إسرائيل" الحق في مواصلة تنفيذ «عمليات جراحية ودقيقة» تحت عنوان الدفاع عن النفس. ويتقاطع ذلك مع تصريح لافت لنتنياهو نفسه، اتّهم فيه حزب الله بمحاولة عرقلة المساعي للتوصّل إلى اتفاق سلام بين لبنان وإسرائيل.
هذا الوضوح في الموقفين الأميركي و"الإسرائيلي" يقابله غموض كامل في تعامل السلطة اللبنانية مع هذه الاعتداءات. فلا رئيس الجمهورية جوزيف عون، ولا القصر الجمهوري بإعلامه ومستشاريه، ولا رئيس الحكومة نواف سلام، ولا السراي الحكومي بإعلامه ووزرائه، ولا وزير الخارجية يوسف رجّي وسفراء لبنان في الخارج، يذكرون الخروقات الإسرائيلية أو يشرحون للرأي العام حقيقة الورقة - الخطيئة التي صدرت عن وزارة الخارجية الأميركية عقب اجتماع واشنطن، وكيف وافق لبنان على إعلان يعطي العدو حقّ التصرّف والقتل أينما كان بحجة «الدفاع عن النفس».
وفي موازاة ذلك، فإن السلطة، التي تستميت للذهاب الى مفاوضات مباشرة مع العدو، لا تبدو مهتمة بمخاطبة مواطنيها، ولا تقول لهم إلا كلاماً فارغاً عن السيادة وحصر السلاح وبسط سلطة الدولة، فيما لا تقول شيئاً عمّا تقوم به وما يمكن لها أن تحصل عليه من العدو وراعيه الأميركي لوقف القتل والتدمير.
يتحدّث دونالد ترامب عن وقفٍ لإطلاق النار، من دون أن يسمع من يقول له إنْ لا وجود لأي وقف لإطلاق النار، ولا سيما من الجانب اللبناني الرسمي الذي ينحصر اهتمامه في كيفية تركيب وفد تفاوضي على شاكلة المجالس الملّية التي خرّبت الدولة ومؤسّساتها، ويواصل عون وسلام استرضاء السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى، والحرص على عدم إغضابه، بصفته صديقاً شخصياً لترامب، فيما يتحدّث كل من التقاه عن سخافته وجهله بما يجري، واهتمامه - كل الوقت - بالحديث عن أنه رجل ترامب الأول، فيما يستعيد في نقاشاته السياسية تصوّرات تعود إلى حقبة السبعينيات، مع ميول عنصرية وطائفية مَقيتة. ويزداد القلق مع ما يُنقل عن علاقاته الوثيقة بأركان حكومة العدو، وبنائه شبكة من العلاقات مع قادة الكيان والمسؤولين فيه، إلى جانب سعيه المستمر داخل الولايات المتحدة إلى كسب ودّ اللوبي الصهيوني في أميركا. وفوق ذلك، يبدو هاجسه الأساسي هو الحفاظ على موقعه، ولا سيما بعدما تبيّن خلال الأسابيع الماضية أن وزير الخارجية ماركو روبيو بات يعبّر علناً عن عدم اقتناعه بأهليّته للمنصب.
الحرب لا تزال قائمة ومرشّحة لمزيد من التصعيد، وسترفع المقاومة سقف المواجهة وفق تقديرها لأهدافها وبالتنسيق المنطقي مع إيران
وبما أن روبيو غير قادر على إغضاب رئيسه أو سحب عيسى من لبنان، قرّر نقل إدارة الملف اللبناني إلى وزارة الخارجية، مع بقاء عيسى في الصورة فقط. ولا يعني هذا أن روبيو أقلّ دعماً لـ"إسرائيل"، لكنه بات - بحسب زوار واشنطن – يتحدّث بواقعية أكبر حيال كل ما يجري على جبهتَي إيران ولبنان.
لكن، هل ينتظر أهل السلطة فعلاً تحقيق خرق من خلال المفاوضات؟
كي لا يتحوّل النقاش إلى سجالٍ كيدي، لا بدّ من الإقرار بأن أيّ طرف في لبنان، وعلى رأسهم المقاومة، لن يرفض مساراً يفضي فعلياً إلى إنهاء العدوان والاحتلال، وإطلاق الأسرى، وبدء ورشة إعادة الإعمار. لكنّ السؤال الجوهري يبقى: هل تقودنا الاتصالات الجارية إلى هذه النتيجة فعلاً، أم بات واضحاً لأركان هذه السلطة أن ما يُطلب من لبنان، كشرطٍ مُسبق ودفعة أولى، يكشف بوضوح ما تريده الولايات المتحدة وإسرائيل من هذه السلطة؟ وهل يمكنها فعلاً أن تبادر إلى تنفيذ المطلوب منها بإطلاق عملية عسكرية وسياسية للقضاء على حزب الله والمقاومة؟
عملياً، لا توحي التجارب السابقة ولا المؤشّرات الراهنة بأن الحرب قد وضعت أوزارها. على العكس، يظهر أن العدو غير مستعدّ للتراجع تحت الضغط الدبلوماسي، وأنه حتى تثبيت وقفٍ لإطلاق النار لا يبدو مُتاحاً عبر هذه القنوات. والأخطر أن الإدارة الأميركية نفسها، التي تقول إنها ضغطت على "إسرائيل" لوقف القصف على بيروت الكبرى، وأرغمتها على وقف العمل الأمني – العسكري في إيران، تعلن في الوقت عينه أنها غير قادرة على منع "إسرائيل" من تنفيذ ما تعتبره ضرورياً لأمنها في لبنان. وهو كلام له معنى واحد: لا وجود لشيء اسمه وقف لإطلاق النار.
يعكس الموقف الأميركي والسلوك "الإسرائيلي" أمراً واحداً، وهو ما سبق لقيادة حزب الله أن أعلنت عنه، أنّ الحرب لا تزال قائمة، بغضّ النظر عن مستويات المواجهة وطبيعتها، ومرشّحة لمزيد من التصعيد بأشكال مختلفة، وسترفع المقاومة سقف المواجهة وفق تقديرها لأهدافها ورؤيتها، وبالتنسيق المنطقي والعاقل مع إيران، خصوصاً أن طهران - كما يؤكد الأميركيون من باكستان إلى عُمان وصولاً إلى قنوات مصر والسعودية - لا تزال تصرّ في كل جلسة نقاش على أن وقف الحرب في لبنان وانسحاب العدو شرط أساس لأيّ اتفاق مع الولايات المتحدة. وقد أبلغت إيران الوسيط الباكستاني بوضوح أنها معنية بالنتائج لا بالشكل، ولا تعير أهمية للألاعيب الدبلوماسية الأميركية، وأنها ستعرف أن الأمر تحقّق حين يعلن حزب الله ذلك.
أمّا في ما يتعلّق بمسار التفاوض مع "إسرائيل"، فلن يكون له أي معنى فعلي. فهذه السلطة لا تتمتّع بشرعية حقيقية، والجميع يعرف من أتى بعون وسلام إلى حيث هما اليوم، كما أنّ السلطة لا تملك لا الحقّ ولا الأدوات لتنفيذ أي تعهّد تقدّمه إلى الجانبين الأميركي و"الإسرائيلي"، وهي تخسر مع الوقت كل نفوذها حتى داخل مؤسسات الدولة، ولن يمر وقت طويل، حتى تعرف أنها قادرة فقط على إصدار البيانات. أمّا خلاف ذلك، فهو مجرّد سعي إلى فرض وقائع، تحتاج إلى حرب أهلية لتصبح قابلة للنقاش!