اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي قاليباف يسخر من تهديدات ترامب: بعد ثلاثة أيام.. لم ينفجر أي بئر

مقالات مختارة

مفاوضات واشنطن في الدستور: لا شرعية لما يُوقَّع.. ولا لمن يوقِّع
🎧 إستمع للمقال
مقالات مختارة

مفاوضات واشنطن في الدستور: لا شرعية لما يُوقَّع.. ولا لمن يوقِّع

47

مجتبى الحسيني - صحيفة الأخبار

في كل نظام قانوني موقعٌ يعلو على إرادة من بأيديهم الأمر. هذا الموقع، في الأنظمة الديمقراطية الراسخة، يُسمى الدستور. ليس لأنه نص مقدّس بالمعنى الديني، بل لأن شعباً، في لحظة تأسيسية من تاريخه، ارتضى به ضابطاً لكل سلطة ستأتي. ومن يتولى الحكم يستمد شرعيته من احترام هذا الضابط، لا من خرقه. وحين يخرقه، فإنه لا يكسر قانوناً عادياً، بل ينزع عن نفسه الأرضية التي يستند إليها في فرض ما يوقّع من معاهدات ويصدر من قرارات.

ما يجري في غرف التفاوض في واشنطن، وما يُهيَّأ له في بيروت بصمت متواطئ، يستوجب طرح السؤال الأبسط والأخطر: على أي أرض تقف السلطة حين تتفاوض على ما تتفاوض عليه؟ وهل تملك أصلاً تلك الأرض؟ الإجابة، حين يُذعَن للنصوص لا للضغوط، واحدة: الأرض التي تقف عليها محظورة، وما يُبنى عليها يسقط بسقوطها.

مقدمة الدستور
في تشرين الأول 1989، جلس المختلفون اللبنانيون في الطائف، وألحقوا بالدستور مقدمة تلخص ما اتفقوا عليه من ثوابت. أُقرّت تلك المقدمة بالقانون الدستوري رقم 18 الصادر في 21 أيلول 1990، وأُلحقت بالدستور بمرسوم النشر في 27 من الشهر نفسه. ثم جاء الجدل الفقهي: هل لهذه المقدمة قوة ملزمة أم هي ديباجة معنوية تُلهم ولا تفرض؟

حسم المجلس الدستوري الجدل على مراحل. اعترف بالقيمة الدستورية للمقدمة ضمناً عام 1995، وكرّسها في قراره الصادر في 12 أيلول 1997 حين قال إن «المبادئ الواردة في مقدمة الدستور تُعتبر جزءاً لا يتجزأ منه وتتمتع بقيمة دستورية شأنها في ذلك شأن أحكام الدستور نفسها». وجاء قراره رقم 2 الصادر في 24 تشرين الثاني 1999 ليقطع الطريق على كل تأويل: «مقدمة الدستور تُعتبر جزءاً لا يتجزأ من الدستور ولها قيمة دستورية موازية لأحكام الدستور».

بعدها، تجاوز المجلس المقدمة إلى ما تحيل إليه. ففي قراره الصادر في 10 أيار 2001، أشار إلى أن «المواثيق الدولية المعطوف عليها صراحة في مقدمة الدستور تؤلّف مع هذه المقدمة والدستور جزءاً لا يتجزأ، وتتمتع معاً بالقوة الدستورية». وأخيراً، في قراره رقم 7 الصادر في 7 نيسان 2026 - في اللحظة التي كانت السلطة تتأهب للذهاب إلى واشنطن - أعاد التذكير بقاعدة يُفترض ألا تخفى على من أقسم اليمين الدستورية، حين أكد أن «هذه المعاهدات تُعتبر مع المقدمة جزءاً لا يتجزأ منه وفقاً لما استقرّ عليه اجتهاد هذا المجلس».

وعبارة «ما استقرّ عليه اجتهاد هذا المجلس» ليست توكيداً بلاغياً. هي إعلان قضائي بأن المسألة خرجت من دائرة الجدل الفقهي ودخلت في دائرة القاعدة الملزمة. ومن يدّعي اليوم جهلاً بها يدّعي ما لا يستقيم مع شَغله للموقع الذي يشغله.

ماذا في الفقرة «ب»؟
تنص الفقرة «ب» من مقدمة الدستور على أن لبنان «عربي الهوية والانتماء، وهو عضو مؤسس وعامل في جامعة الدول العربية ومُلتزم مواثيقها، كما هو عضو مؤسس وعامل في منظمة الأمم المتحدة ومُلتزم مواثيقها والإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وتُجسّد الدولة هذه المبادئ في جميع الحقول والمجالات دون استثناء». وعبارة «في جميع الحقول والمجالات دون استثناء»، ليست إنشائية، بل تكليفاً ملزماً.

في طليعة المواثيق التي تحيل إليها هذه الفقرة، الميثاق العربي لحقوق الإنسان الذي بدأ العمل عليه في جامعة الدول العربية منذ عام 1978، واستغرق إنجازه 26 سنة، وأسهم في إنضاج مواده فقهاء عرب من مدارس القانون الدستوري والدولي، وكان الفقه اللبناني حاضراً بقوة، عبر محاضرات وأوراق وتعليقات للعلامة الدكتور محمد المجذوب وسواه من رجال القانون. أُقرّ الميثاق في القمة العربية السادسة عشرة في تونس في 23 أيار 2004، ووقّع عليه لبنان في 25 أيلول 2006، وصدّقه مجلس النواب بالقانون رقم 1 الصادر في 5 أيلول 2008. ومنذ صدوره في الجريدة الرسمية، دخل الميثاق إلى البنية التشريعية الداخلية. وبمفعول الفقرة «ب»، مقروءة مع الاجتهاد الدستوري المستقر، انتقل من موقع التشريع العادي إلى موقع الكتلة الدستورية.

ماذا يقول هذا الميثاق؟
تقول ديباجته إن الدول الأطراف تُعلن «رفضاً لأشكال العنصرية والصهيونية كافة التي تُشكل انتهاكاً لحقوق الإنسان وتهديداً للسلم والأمن العالميَّيْن». وتقول الفقرة الثالثة من المادة الثانية إن «أشكال العنصرية والصهيونية والاحتلال والسيطرة الأجنبية كافة هي تحدٍّ للكرامة الإنسانية وعائق أساسي يحول دون الحقوق الأساسية للشعوب، ومن الواجب إدانة جميع ممارساتها والعمل على إزالتها». وتنص الفقرة الرابعة من المادة نفسها على أن «للشعوب كافة الحق في مقاومة الاحتلال الأجنبي».

وتذكر المادة 44 أن الدول الأطراف «تتعهد بأن تتخذ، طبقاً لإجراءاتها الدستورية ولأحكام هذا الميثاق، ما يكون ضرورياً لإعمال الحقوق المنصوص عليها من تدابير تشريعية أو غير تشريعية». أي أن الالتزام ليس مجرد امتناع عن الإخلال، بل واجب إيجابي بالفعل، بالتشريع، بالتنفيذ، بكل ما يلزم لإعمال هذه الحقوق. وتنص المادة 43 على أنه «لا يجوز تفسير هذا الميثاق أو تأويله على نحو ينتقص من الحقوق والحريات التي تحميها القوانين الداخلية للدول الأطراف أو القوانين المنصوص عليها في المواثيق الدولية والإقليمية لحقوق الإنسان التي صدّقت عليها أو أقرّتها».

لماذا لا تدور العجلة إلى الخلف؟
ما تؤسسه المادة الـ 43 مفهوم يعرفه فقهاء القانون العام بمصطلح فرنسي هو الـ»Cliquet»، وترجمته بالعربية «السقّاطة» أو «الوقّافة». الفكرة بسيطة في تصورها: عجلة تدور في اتجاه واحد فلا تستطيع الرجوع. كل ضمانة لحق من حقوق الإنسان مكفولة بنص ذي قيمة دستورية، يمتنع على المشرّع، ومن باب أولى على السلطة التنفيذية، أن ينزعها أو ينقص منها أو يتنازل عنها بتشريع أو مرسوم أو قرار أو اتفاق لاحق.

وحين تتلاقى ثلاث قواعد - حق مقاومة الاحتلال المكفول بالمادة الثانية - الفقرة الرابعة، وواجب مكافحة الصهيونية وإزالتها المكفول بالمادة الثانية - الفقرة الثالثة وبالديباجة، والتزام الإعمال بتدابير تشريعية وغير تشريعية المكفول بالمادة الرابعة والأربعين - مع قاعدة منع الانتقاص المكفولة بالمادة الثالثة والأربعين، فإن كل قرار حكومي أو اتفاق يجرّم المقاومة أو يمنع تصدّيها للعدوان والغزو والاحتلال أو يكرّس عبارة «البلدَين ليسا في حالة حرب» أو ينزع الصفة العدائية عن الكيان المحتل، يفعل أمراً واحداً: يحاول إدارة عجلة السقّاطة إلى الخلف. والنتيجة الحتمية، قانونياً، أن السقّاطة تكسر من يحاول قسرها، لا أنها تدور قسراً.

ومن نتائج هذا التأصيل أن قانون مقاطعة إسرائيل الصادر في 23 حزيران 1955، الذي تعامل معه البعض سنوات بوصفه قانوناً عادياً يمكن تجميده أو الالتفاف عليه، صار اليوم في موقع مختلف. لم يعد قانوناً يستمد قوته من ذاته فقط. صار، بفعل المادة 44 من الميثاق العربي، أداة تنفيذية لنص ذي قيمة دستورية. والقانون الذي يُعمِل نصاً دستورياً يكتسب من سقفه. أي نص يُلغيه، أو يجمّده، أو يُفرغه من مضمونه، يخرق الدستور لا القانون فحسب.

الفقرة «ي»
لا يكتمل البناء الدستوري في هذه المسألة من دون الإشارة إلى الفقرة «ي» من المقدمة، التي تنص على أن «لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك». الفقرة كثيراً ما تُحبس في تفسير ضيق يختزلها في التوازن الطائفي. والصواب أنها أعمق من ذلك. هي قاعدة تأسيسية تجعل من الالتفاف على جوهر التعاقد الوطني سبباً لانتفاء الشرعية. وحين تدخل سلطة في التزامات تستهدف وجود مكوّن من مكونات الوطن، أو تُسكت صوته في القرار المصيري، أو تتفاوض على مصيره من دون تفويضه، فإن الفقرة «ي» تتقدم لتعلن أن هذه السلطة، بهذا الفعل بالذات، تنزع عن نفسها شرعيتها. وهذه ليست خلاصة سياسية، بل قاعدة دستورية لها قوة النفاذ المباشر.
والمسألة، إذن، تقع في طبقتين متلازمتين. الفقرة «ب» تنفي شرعية ما يُوقَّع. الفقرة «ي» تنفي شرعية من يوقّع. وحين تجتمع القاعدتان، يسقط الفعل ويسقط فاعله قانونياً في وقت واحد.

شاهد ينتظر استدعاءه
يستحق القرار رقم 7 الصادر عن المجلس الدستوري في 7 نيسان 2026 وقفة خاصة. في ظاهره، قرار يتعلق بالطعن في تمديد ولاية مجلس النواب. في جوهره، إعادة تأكيد لقاعدة بنيوية في النظام الدستوري اللبناني. حين أورد المجلس عبارة «هذه المعاهدات تُعتبر مع المقدمة جزءاً لا يتجزأ منه وفقاً لما استقرّ عليه اجتهاد هذا المجلس»، لم يكن يستطرد. كان يفتح ذاكرة الاجتهاد كلها، ويذكّر السلطات الثلاث بأن ما بنته على مدى ثلاثين سنة لا يجوز هدمه بقرار سياسي ولا تجاوزه بمذكرة تفاهم.

والملفت أن القرار صدر بإجماع أعضاء المجلس الحاضرين، وفي ظرف سياسي بالغ الحساسية، في الأسبوع الذي كان يُعدّ فيه لزيارة واشنطن. وكأن المجلس، وهو يُمسك بقلمه، كان يعرف أن ما سيكتبه يتجاوز موضوع الطعن المطروح أمامه.

ماذا عن صلاحية المجلس الدستوري؟
ثمة من يتعلل بأن المجلس الدستوري في لبنان لا يملك صلاحية الرقابة المُسبقة على المعاهدات. هذا صحيح في حدوده الإجرائية. لكنه لا ينفي البطلان المُسبق لما يخالف الدستور. القاعدة في القانون أن ما بُني على باطل في أصله لا يُكتسب له حصانة بمرور الزمن، ولا يستقر بالاعتياد.

ويكفي أن يُعرض الأمر على قاضٍ مختص، أو أن تقوم سلطة نيابية تستردّ توازنها، حتى يُعلن البطلان بنصوص الدستور ذاته. وما لا يقوى المجلس الدستوري على إعلانه ابتداءً، يستطيع غيره من القضاة إعلانه من جوانب أخرى: محكمة التمييز في موضوعات ذات صلة، مجلس شورى الدولة في الطعون الإدارية، المحاكم الجنائية في تطبيق قانون مقاطعة إسرائيل والمواد المتصلة من قانون العقوبات. النظام القانوني اللبناني ليس بوابة واحدة. هو شبكة من البوابات، يكفي أن يُفتح بعضها لكي تنهار البنية كلها.

خاتمة
ما يجري الآن في واشنطن خروج مركّب على الدستور بكل طبقاته. خروج على الفقرة «ب» من المقدمة. خروج على الميثاق العربي الذي ارتقى بمفعول الاجتهاد إلى مرتبة «الكتلة الدستورية». خروج على قاعدة السقّاطة التي لا تدور إلى الخلف. خروج على قانون مقاطعة إسرائيل المُحصَّن بسقف دستوري. خروج على الفقرة «ي» التي تنزع الشرعية عمّن يخرقها. خروج على قرار المجلس الدستوري رقم 7 الصادر قبل أيام من بدء المفاوضات. خروج، فوق ذلك كله، على اتفاق الطائف والعقد الاجتماعي.

لا يستطيع من أقدم على هذا الخروج أن يدّعي حسن النية، ولا الجهل بالنصوص، ولا الاجتهاد الذي يحتمل الصواب والخطأ. النصوص والاجتهاد الدستوري والإرث الفقهي بين يديه. ومع ذلك، يمضي. والمضي في خرق المعلوم لا يُسمى اجتهاداً. يُسمى عند الفقه القانوني الجاد بأسماء أخرى، تدخل في باب المساءلة الدستورية والجزائية على السواء.

ولأن الدستور لا يموت بانتهاكه - والقاعدة هذه تفترضها كل منظومة قانونية سويّة - فإن ما يُوقّع باطل في أصل تكوينه، وما يُسكَت عنه ينفتح بابه من جديد متى نهضت السلطة التي تستحق تطبيقه. ليس انتقاماً ولا تشفّياً، بل إعمالاً للنص الذي أهملته سلطة اليوم. وهنا يكمن جوهر المعنى: المنتهكون يزولون، والدستور يبقى، ومعه الحق الذي يحميه. هذا ما علّمنا إياه فقهاؤنا قبل أن تولد الأزمات الراهنة، وهذا ما سيؤكده غيرهم حين تنقشع. والكتلة الدستورية ليست ديكوراً يُعلَّق على الجدار يوم الاحتفال ويُنزَع يوم الاضطرار. هي السقف الذي إن سقط سقط البيت كله. ومن يحاول إسقاطه، يُسقط نفسه قبل أن يُسقطه.

الكلمات المفتاحية
مشاركة