اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي المُسيَّرات تُلاحق الجنود إلى المستوطنات: توزانٌ ناري بين العدو والمقاومة

مقالات مختارة

استراتيجيةُ مقاومةٍ ثلاثية المستويات: كيف تواجه إيران الحصار البحري؟
🎧 إستمع للمقال
مقالات مختارة

استراتيجيةُ مقاومةٍ ثلاثية المستويات: كيف تواجه إيران الحصار البحري؟

47

حسن حيدر- صحيفة "الأخبار"

في مواجهة الحصار البحري الأميركي، تتحرّك إيران لإعادة تشكيل شبكاتها اللوجستية والتجارية، عبر بدائل بحرية وبرية ومالية، بهدف تقليص أثر الضغوط ومنع تحويل مضيق هرمز إلى أداة خنق استراتيجية.

بعدما استنفدت الأهداف التي حدّدتها لحملتها العسكرية على إيران، انتقلت الولايات المتحدة إلى الحصار البحري، الذي وجدت فيه أداة مناسبة للضغط على الجمهورية الإسلامية، نظراً إلى الارتباط البنيوي للاقتصاد الإيراني بالممرّات البحرية الجنوبية - حيث تمرّ النسبة الأكبر من التجارة الخارجية وصادرات الطاقة عبر نطاق الخليج ومضيق هرمز -. وفي مقابل محاولة تطويق الحركة البحرية الإيرانية، بدأت إيران العمل على تفكيك هذا الطوق، عبر إعادة هيكلة منظومتها اللوجستية والإقليمية بشكل شبكي متعدّد المستويات، تفادياً لإرساء معادلة الحصار في المضيق. ففي البعدَين الأمني والعسكري، لا تزال إيران تتعامل مع «هرمز» باعتباره نقطة اختناق استراتيجية ذات وظيفة مزدوجة؛ فهو، من جهة، شريان حيوي للتجارة العالمية، ومن جهة أخرى، مجال ردع متقدّم يمكن استخدامه لإدارة التوازنات الإقليمية - من دون العودة إلى مستوى الحرب المفتوحة -. ومن هنا، تعتمد طهران استراتيجية «الإغلاق الذكي»، أي التحكّم بدرجة المرور ونمطه، بما يرفع كلفة أيّ وجود عسكري معادٍ بالقرب من السواحل الإيرانية، ويبقي القطع الحربية الأميركية على بُعد مئات الكيلومترات من المياه الإقليمية لإيران، ويسمح بالتالي بتقليل فرص الاحتكاك المباشر. كما يمتدّ هذا التفكير إلى ما بعد المضيق، حيث يتمّ توزيع النشاط البحري الإيراني على مساحات أوسع في خليج عمان وبحر العرب، على نحو يحدّ من قابلية الاحتواء الجغرافي.

وعلى المستوى السياسي، تعكس التحرّكات الإيرانية محاولة واضحة لمنع تحوّل الضغط البحري إلى عزلة إقليمية شاملة. فالتفاعل مع سلطنة عمان وباكستان ودول الجوار يستهدف، في جوهره، بناء شبكة مصالح متداخلة تخفّض من احتمالات الاصطفاف الإقليمي ضدّ إيران - خصوصاً أن فعالية أيّ حصار بحري تعتمد في جانب منها على درجة تعاون أو حياد الدول المحيطة بالممرّات البحرية -. أمّا على الصعيد اللوجستي، وهو الأهمّ، باعتباره الخطة التنفيذية لإفشال أهداف الحصار، فتجري عملية إعادة توزيع للجغرافيا الاقتصادية الإيرانية من نموذج مركزي، إلى نموذج شبكي متعدّد المراحل؛ أي أنه بدلاً من الاعتماد شبه الحصري على الموانئ الجنوبية، يجري تعزيز دور الموانئ الشمالية على بحر قزوين (أنزلي، أمير آباد، نوشهر)، باعتبارها نقاط دخول بديلة للسلع الأساسية بعيدة عن نطاق التوترات الخليجية. وفي المقابل، لا تزال الموانئ الجنوبية (بندر عباس، تشابهار، وجاسك) تحتفظ بدور استراتيجي، ولكن ضمن إعادة توزيع للوظائف بدلاً من التركيز الكامل.

ويترافق هذا التحوّل اللوجستي مع توسّع كبير في استخدام الممرّات البرية وسكك الحديد؛ إذ تمّ إلى الآن تفعيل ستة مسارات تجارية رئيسة بين إيران وباكستان، أسهمت في نقل ما يقارب 3 آلاف حاوية كانت عالقة في ميناء كراتشي نحو الداخل الإيراني - عبر معبرَي ريمدان وميرجاوه جنوب شرقي إيران -. كما برز ميناء جوادر الباكستاني كعنصر إضافي في منظومة الترانزيت الإقليمي، بالاستفادة من موقعه في بحر العرب. وفي الاتجاه الغربي والشمالي، يجري تفعيل ممرّات عبر تركيا باستخدام موانئ من مثل مرسين، وربطها بالداخل الإيراني عبر شبكة السكك الحديدية، وهو ما يتيح الوصول غير المباشر إلى الأسواق الأوروبية وبالعكس. كذلك، يشكّل معبر سرخس نقطة اتصال مركزية مع تركمانستان وكازاخستان وروسيا ضمن ممرّات أوراسيا والبحر الأسود، إضافة إلى مسارات من العراق وإليه.

وإذ يحتلّ ملف الصادرات النفطية موقعاً مركزياً في معادلة الضغط البحري، فقد طوّرت إيران منظومة تشغيلية معقّدة نسبياً للالتفاف على القيود المرتبطة به، مستفيدةً من خبرات راكمتها لعشرات السنوات في هذا المجال، ومفعّلةً منظومة تقوم على تعدّد مستويات النقل وإعادة التوجيه. وتشمل هذه المنظومة عمليات نقل النفط من سفينة إلى أخرى في عرض البحر، خصوصاً في مناطق بعيدة عن الرقابة المباشرة في المحيط الهندي وبحر العرب، إلى جانب إيقاف أنظمة التتبّع الملاحي، واستخدام ناقلات قديمة ضمن شبكات ملكية غير شفافة، وتغيير بيانات الشحن وإعادة تسجيلها تحت أعلام متعدّدة. كما يعتمد جزء من هذه الاستراتيجية على تفتيت الشحنات النفطية إلى كميات أصغر تُنقل عبر مسارات مختلفة، في ما يقلّل من قابلية الرصد ويحدّ من أثر أيّ عملية اعتراض محتملة. ويبرز في هذا السياق، الدور الاستراتيجي لميناء جاسك، الذي يتيح تصدير النفط خارج نطاق مضيق هرمز، ويخفّف الاعتماد على نقطة الاختناق الرئيسة في المضيق، في وقت تُستخدم فيه موانئ وسيطة وأساليب نقل ساحلية ضمن نطاقات قريبة من المياه الإقليمية، بهدف تقليل المخاطر التشغيلية والرصد والتتبّع. وتتكامل هذه المنظومة مع آليات مالية تهدف إلى تخفيف الاعتماد على البنية المالية للدولار؛ إذ يتمّ استخدام العملات المحلية أو اليوان الصيني في جزء من التعاملات مع الصين، إضافة إلى ترتيبات المقايضة في بعض الحالات، وهو ما يسمح بتجاوز القيود المصرفية المرتبطة بالعقوبات؛ كما ويعزّز قدرة الشبكة التجارية على الاستمرار حتى في ظلّ تشديد الحصار، ويحدّ من حساسية التدفّقات التجارية تجاه النظام المالي العالمي.

كلّ ما تقدّم لا ينفي تأثير الحصار البحري الأميركي على إيران، إلا أنه يُظهر أن فاعليته ستكون محدودة في ظلّ تعدّد البدائل، وتداخل المصالح الإقليمية والدولية.

الكلمات المفتاحية
مشاركة