اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي تصعيد استيطاني جديد: خطة بملايين الدولارات لتوسيع المستوطنات في الضفة

مقالات

جنوب لبنان بين حرب الاستنزاف وإعادة رسم قواعد الاشتباك
🎧 إستمع للمقال
مقالات

جنوب لبنان بين حرب الاستنزاف وإعادة رسم قواعد الاشتباك

94

Former Lebanese government coordinator to UNIFIL .Former Director General of Administration . Former President of the Permanent Military Court

عميد متقاعد في الجيش اللبناني/ منسق الحكومة اللبنانية السابق لدى قوات الطوارئ الدولية 
ورئيس المحكمة العسكرية السابق  

لم يعد الجنوب اللبناني ساحة اشتباك تقليدية تُقاس بنتائج معارك فاصلة، بل تحوّل إلى ميدان مفتوح لـ(حرب استنزاف ذكية) تتداخل فيها النيران مع الرسائل السياسية، والتكتيك مع الحرب النفسية. هنا، لا يُقاس التقدم بعدد الكيلومترات، بل بقدرة كل طرف على فرض إيقاعه، وإجبار خصمه على التكيّف مع قواعد اشتباك تُعاد صياغتها تدريجيًا تحت الضغط. 

خلال الأشهر الأخيرة، شهد الشريط الحدودي تصعيدًا منتظمًا اتسم بكثافة نارية مرتفعة. تشير التقديرات الميدانية إلى أنّ ما بين 80 و100 ألف مدني نزحوا من القرى الحدودية، في ظل استهداف متكرر طال مناطق سكنية بشكل مباشر. كما سُجّل تضرر أكثر من 8,000 وحدة سكنية بين دمار كلي وجزئي، بينها مئات المنازل التي سُوّيت بالأرض بالكامل في قرى الخط الأمامي. 

أما على مستوى القرى، فتُظهر المعطيات أنّ عشرات القرى الحدودية تعرّضت لدمار واسع، مع تسجيل حالات لقرى أو بلدات صغيرة تجاوزت فيها نسبة الدمار 60% إلى 80% من البنية العمرانية، خصوصًا في المناطق الأكثر احتكاكًا. كما تضررت آلاف الهكتارات الزراعية، نتيجة القصف المباشر والحرائق المتكررة، ما أدى إلى خسائر كبيرة في مواسم الزيتون والتبغ. 

هذا النمط من الاستهداف لا يمكن فصله عن استراتيجية أوسع تقوم على التدمير الممنهج للبنية الحياتية وللتهجير الديموغرافي. فالقصف طال شبكات الكهرباء والمياه، والطرقات، وحتى مرافق مدنية، ما خلق بيئة طاردة للسكان، في محاولة لفرض واقع جغرافي جديد عبر الضغط الاقتصادي والإنساني. 

في المقابل، اعتمدت المقاومة تكتيك الاستنزاف المضاد عبر عمليات دقيقة وموزعة، استهدفت مواقع عسكرية وآليات ونقاط مراقبة. ووفق تقديرات ميدانية، تم تنفيذ مئات العمليات التي أدت إلى: 

  1. إصابة عشرات الآليات العسكرية بين دبابات وناقلات جند
  2. تضرر مواقع مراقبة وتحصينات حدودية
  3. وقوع خسائر بشرية في صفوف الجيش "الإسرائيلي" تُقدّر بالعشرات بين قتيل وجريح، رغم التعتيم الإعلامي. 

هذا النمط أجبر الجيش "الإسرائيلي" على إعادة الانتشار بشكل متكرر، وفرض عليه قيودًا عملياتية واضحة على طول الجبهة. 

أحد أبرز التحولات في هذه المواجهة هو دخول مسيّرات FPV المرتبطة بالألياف البصرية (Fiber Optic). هذا السلاح النوعي يتمتع بخصائص قلبت جزءًا من المعادلة: 

  • عدم تأثره بالتشويش الإلكتروني
  • دقة إصابة عالية جدًا
  • قدرة على استهداف نقاط ضعف في الآليات المدرعة.

وقد أدى استخدام هذا النوع من المسيّرات إلى زيادة كلفة تحرك القوات البرية، وإجبارها على اعتماد تكتيكات أكثر تحفظًا، ما حدّ من فعاليتها الهجومية. 

بالتوازي، شهد الإعلام الحربي للمقاومة نقلة نوعية، إذ لم يعد يكتفي بنقل الحدث، بل بات يوثّقه بدقة عبر مسيّرات تصوير تُرافق العمليات. وتم تسجيل مشاهد تُظهر: 

  • لحظة استهداف الأهداف العسكرية
  • تتبّع الطائرات الانقضاضية
  • توثيق الأضرار بشكل مباشر.

هذا الأسلوب عزّز التأثير النفسي، حيث تحوّلت كل ضربة إلى مادة موثقة، ما يرفع المعنويات داخليًا، ويضع ضغطًا إضافيًا على الجندي "الإسرائيلي" الذي بات يدرك أنّ تحركاته مكشوفة، خاصة بعد استهداف طوافة حطّت لنقل قتلى وجرحى، بحيث إنّ عقيدة (الساعة الذهبية) التي يتبعها الجيش "الإسرائيلي" في عمليات الإخلاء الصحي كُسرت وتم الإعلان عن تقليص مدة الإقلاع والهبوط لهذه الطوافات، ما سيؤثر على معنويات العسكريين أيضًا. 

البعد الإقليمي: الجنوب كجبهة مرتبطة بمسار المواجهة مع إيران. 

لا يمكن فصل ما يجري في الجنوب عن الصراع الأوسع بين "إسرائيل" وإيران. فالجبهة اللبنانية تشكّل إحدى ساحات الضغط غير المباشر، حيث تسعى "إسرائيل" إلى تقليص المخاطر المستقبلية عبر استنزاف هذه الجبهة، فيما يُنظر إليها كجزء من توازن ردع إقليمي أوسع. 

هذا الترابط يفسّر الطابع المحسوب للعمليات: تصعيد مضبوط ضمن سقف معيّن، دون الانزلاق إلى حرب شاملة، مع إبقاء الجبهة في حالة جهوزية دائمة لأي تطور إقليمي أكبر. 

رغم حجم الدمار، يبقى العامل الحاسم هو صمود السكان. فالقرى التي تتعرض للقصف تعود إليها الحياة تدريجيًا، والمزارعون يتمسكون بأراضيهم، في مشهد يعكس إرادة البقاء رغم الكلفة العالية.
 
في الخلاصة، الجنوب اليوم يعيش حالة حرب بلا إعلان، واستنزاف بلا نهاية واضحة. وبين التدمير الممنهج ومحاولات فرض واقع جديد، وقدرة الطرف المقابل على التكيّف والمواجهة، تتشكل قواعد اشتباك مختلفة. والسؤال الذي يبقى مفتوحًا: هل يبقى هذا الاستنزاف مضبوطًا، أم يتحول إلى شرارة مواجهة أوسع في المنطقة؟

الكلمات المفتاحية
مشاركة