اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

مقالات مختارة

ميشال عيسى: سفير مقيم في الحرب الأهلية
🎧 إستمع للمقال
مقالات مختارة

ميشال عيسى: سفير مقيم في الحرب الأهلية

85

ميسم رزق – صحيفة الأخبار
ليس المطلوب من السفير أن يكون محايدًا فقط، بل أن يكون قادرًا على تمثيل دولته بلغتها ومصالحها وتوازناتها. غير أن ميشال عيسى، السفير الأميركي في بيروت، يقدّم نموذجًا مختلفًا: شخصية هزلية تغلب عليها الانفعالات، وحضور مُثقَل بالذاكرة الشخصية أكثر منه بمتطلّبات الوظيفة، وخطاب يقترب من تصفية الحسابات القديمة بدل إدارة الملفات الراهنة، كما حصل حين توجّه إلى أحد السياسيين اللبنانيين، في أول لقاء بينهما، بالقول: «أنتم قتلتم أقربائي في حرب الجبل»!

هكذا يظهر عيسى، الذي تتقاطع غالبية الطبقة السياسية اللبنانية على توصيف أدائه بأنه دون مستوى الكفاءة الدبلوماسية المطلوبة. فهو لا يتصرّف كسفير، ولا حتى كمفوّض سامٍ لدولة انتداب، بل كشاهد قديم على حرب لم يغادرها، وعاجز عن التعامل مع السياسة بوصفها مساحة إدارة خلافات لا منصة ثأر.

كثيرة هي سقطاته في لقاءاته، لكنها غالباً ما تبقى بعيدة عن التداول العلني، إلى أن قرّر هذه المرة أن يفضح نفسه بنفسه. فتصريحه أمس، عقب لقائه البطريرك بشارة الراعي في بكركي، لا يمكن قراءته إلا خروجاً فجّاً ومُتعمّداً عن كل ما يُفترض أن تمثّله الدبلوماسية من توازن.

ولا يتعلّق الأمر هنا بزلّة لسان كما حصل مع زميله توم برّاك حين وصف أداء الصحافيين من على منبر رئاسة الجمهورية بـ«الحيواني»، بل عن خطاب متكامل يحمل مضموناً إقصائياً، ويستعيد، بشكل شبه حرفي، منطق الجماعات الانعزالية التي لطالما تعاملت مع لبنان كملكية حصرية. فعبارة من نوع «فليبحثوا عن بلد آخر يعيشون فيه» ليست هفوة لغوية، بل تعبيرٌ عن عقيدة سياسية لمن يرى في نفسه وصياً على هوية البلد، ويمنح نفسه حقّ تحديد من يستحقّ البقاء فيه ومن يجب أن يُرحّل إلى خارجه!

الأساس هنا ليس مضمون العبارة، بل الخلفية الفكرية التي تعكسه. هذا النوع من الخطاب لا ينتمي إلى تقاليد العمل الدبلوماسي، بل يتقاطع بوضوح مع أدبيات عُتاة «الجبهة اللبنانية»، من أصدقاء عيسى وبيئته، ممن بنوا سردياتهم على فكرة «لبنان لنا لا لغيرنا». الفارق الوحيد أن هذا الكلام، بدل أن يصدر عن طرف داخلي معروف بهذا التوجه، صدر عن ممثّل دولة يُفترض أنها تدرك حساسية التركيبة اللبنانية.

تتقاطع غالبية الطبقة السياسية على توصيف أدائه بأنه دون مستوى الكفاءة الدبلوماسية المطلوبة


والأخطر في هذا النهج أنه يحوّل الخلاف السياسي إلى معيار للانتماء. فبدل أن يكون الاختلاف جزءاً من الحياة الديمقراطية، يتحوّل إلى سبب للإقصاء المعنوي. وبدل أن تكون الدولة - أي دولة - حريصة على استقرار مجتمع متنوّع، تتحوّل عبر ممثّلها إلى جهة تمنح «صكوك قبول» وتسحبها. وهذه ليست فقط إساءة سياسية، بل مسٌّ مباشر بجوهر فكرة المواطنة.

ثم يأتي التناقض الأوضح: الحديث عن «العيش المشترك» بلغة تنسفه من أساسه. فالعيش المشترك لا يعني الاتفاق القسري، ولا إقصاء المختلف، بل إدارة الاختلاف. أمّا حين يُستخدم كأداة فرز: من يوافقْنا يَبْقَ، ومن يختلف يرحل، فإنه يتحوّل إلى وصفة صريحة للانقسام.
وفي السياق اللبناني تحديداً، تزداد خطورة هذا الخطاب حين يُفهم على أنه موجّه إلى فئة بعينها، بما يحمله ذلك من إيحاءات تتجاوز السياسة إلى حدود التحريض غير المباشر، وترسّخ ذهنية وصاية لا تخطئها العين، وكأنّ المتحدّث ينصّب نفسه مرجعاً يحدّد طبيعة لبنان وهويته، متجاهلاً أن هذا البلد، بكل تناقضاته، لا يُختزل بتعريف واحد ولا يُدار بلغة الفوقية السياسية.

حين يصدر خطاب إقصائي بهذا الوضوح عن موقع دبلوماسي، يتحوّل إلى عنصر إضافي في توتير المناخ الداخلي، ويضفي شرعية على منطق الانقسام، ويمنح غطاءً لغوياً لكل من يريد إعادة إنتاج خطوط الفرز القديمة. ويتحوّل الكلام من موقف إلى أداة تهديد فعلي للسلم الأهلي.
في المحصّلة، ما صدر عن ميشال عيسى لا يندرج في إطار الدبلوماسية، بل أقرب إلى خطاب سياسي حادّ، منحاز، ومُثقَل برواسب شخصية وتصوّرات إقصائية، تعيد إنتاج منطق يرى في لبنان ساحة انقسام لا دولة تعايش.

الكلمات المفتاحية
مشاركة