إيران
أقيمت عصر الخميس، الموافق 14 أيار/مايو 2026، مراسم إزاحة الستار عن النسخة العربية من كتاب «روايت آقا» تحت عنوان «حكاية السيد»، وذلك بالقرب من موقع استشهاد قائد الثورة الإسلامية الشهيد، وبحضور نخبة من الشخصيات العلمية والثقافية العربية المقيمة في إيران.
ويتناول كتاب «حكاية السيد» مرحلة بناء وتكوين شخصية القائد الشهيد، مستعرضاً الروابط الأسرية، وأسلوب التربية داخل العائلة، والأجواء الثقافية والمعنوية التي صبغت حياته. ونظراً للمكانة المرموقة التي يتمتع بها شهيد الثورة في العالم، ولا سيما لدى الجمهور العربي، يتطلع الكثيرون بشغف لمعرفة كيف ارتقت هذه الشخصية البارزة في مدارج العلم والمعنوية والحكمة؛ وهو ما مهد له هذا الكتاب سبيلاً واضحاً.
وفي هذه المراسم، صرح الدكتور محمد أخجري، معاون الشؤون الدولية في مكتب حفظ ونشر آثار آية الله العظمى الإمام الخامنئي، قائلاً: «نقف اليوم بكل إجلال وتكريم في مكان تعانقت فيه الذاكرة بالشهادة، أمام ذكرى شخصية تركت بعلمها وإخلاصها أثراً غائراً في القلوب والأرواح. إن اجتماعنا اليوم لإزاحة الستار عن الترجمة العربية لكتاب «روايت آقا» يضفي بعداً ثقافياً وروحياً خاصاً على هذا المكان».
وأضاف: «إن كتاب حكاية السيد ليس مجرد سرد لسيرة عالم عظيم، بل هو نافذة صادقة على شخصية إنسانية كان لها أثر تربوي ومعرفي عميق في تنشئة قائد الثورة الإسلامية. يسعى هذا الكتاب، من خلال ذكريات ابن بار وهو القائد الشهيد سماحة آية الله العظمى الإمام السيد علي الحسيني الخامنئي، إلى تقديم صورة حية وواقعية عن ذلك الرجل العظيم والأب المؤثر، واضعاً أمام القراء كنزاً من القيم الأخلاقية والمعرفية والتربوية».
كما شهدت مراسم الحفل عرض رسالة متلفزة للمرجع الديني البحريني آية الله الشيخ عيسى قاسم.
وأشار سماحته في رسالته إلى أبعاد شخصية إمام الثورة الشهيد، واصفاً معركة اليوم بأنها «صراع بين معسكري الجاهلية والإيمان»، وأكد أن: «الإمام الخامنئي (قدس الله نفسه الزكية) كان وجهاً بارزاً من الوجوه الثورية التي تمتلك الوعي والعزم الراسخ، والقدرة الفائقة على التخطيط».
وأضاف آية الله قاسم: «لقد تشربت كل جوارح الإمام الخامنئي بمبادئ تلك الثورة العظيمة العزيزة والإلهية. وبعد رحيل الإمام الخميني (قده)، كان الإمام الخامنئي خلفاً صالحاً لإمامة وقيادة الحكومة الإسلامية المظفرة، وقد استكمل حقاً مسيرة نجاح تلك الثورة بكل اقتدار».
ووصف المرجع البحريني الإمام الشهيد بأنه «رجل قدير، متمكن، ودؤوب في سبيل إعادة الأمة إلى الإسلام الحقيقي»، منوهاً بأنه: «استطاع الحفاظ على وحدة الأمة الإسلامية في مسارها الصحيح، وفقاً لمنهج الإسلام، والتربية القويمة، والأهداف البناءة، والسياسة الناجحة لهذا الدين الحنيف».
من جانبه، تحدث آية الله الشيخ حسين المعتوق، الأستاذ البارز في الحوزة العلمية والعالم الكويتي المرموق، قائلاً: «نجتمع في هذه اللحظات وفي هذا المكان المبارك لنستذكر ما نقله الإمام الخامنئي عن والده؛ ذلك العالم الرباني، المجاهد، الورع، التقي، المجتهد والفقيه».
وحول خصائص كتاب حكاية السيد، قال: «عبر مطالعة هذا الكتاب، نتعرف أولاً على دور ذلك الأب في بناء بيئة إيمانية طاهرة وصالحة لأبنائه، فقد كان ممن مهدوا لإيجاد الفضاء الذي انبثقت من رحمه الثورة الإسلامية المباركة. ثم نطلع على جانب مهم من شخصية الإمام الخامنئي (رضوان الله عليه) والبيئة التي نشأ فيها هذا العالم الكبير؛ وهي بيئة تحتضن الإسلام، وتفهمه، وتعيشه، وتجسد الارتباط بالله تبارك وتعالى واقعاً معاشاً».
واختتم المعتوق بالحديث عن أبعاد شخصية الإمام الخامنئي مؤكداً: «نحن دوماً أمام شخصية تمثل ترجمة عملية لحديث النبي (ص): «العلماء ورثة الأنبياء»، وهذا النموذج من ورثة الأنبياء ليس من فئة العلماء الذين يعيشون بلا مسؤولية، بل هو العالم الذي عناه رسول الله؛ العالم الذي يدرك مسؤوليته تجاه الإسلام والبشرية ويحملها على عاتقه، ويؤدي دوره بكل عزة وكرامة. والإمام الشهيد السيد علي الخامنئي هو تجسيد لامتداد حركة الأنبياء».
من جانبه، صرح آية الله رضا رمضاني، الأمين العام للمجمع العالمي لأهل البيت، خلال المراسم، بأننا نواجه اليوم ثلاثة أنماط من أساليب الحياة، موضحاً: النمط الأول يقوم على الرؤية العلمانية، حيث لا يؤدي الدين أي دور في متن الاجتماع ويقتصر على الأبعاد الفردية. والنمط الثاني هو الأسلوب الإلحادي، أي سلوك الإنسان القائم على إنكار الذات الإلهية والتوحيد والآخرة، وطبيعياً يعيش مثل هذا الإنسان وفق رؤية مادية. أما الثالث، فهو الرؤية المؤمنة ونمط الحياة القائم على الإيمان.
وأضاف: يجب علينا تقديم نماذج للمجتمع الإنساني المعاصر تثبت إمكانية العيش في عالم اليوم مع الحفاظ على التوحيد، ونشر المحبة في المجتمع البشري، وفي الوقت ذاته الوقوف بوجه قوى الاستكبار والظلم؛ أي أن يكون المرء مظهراً للرحمة ومظهراً للقهر الإلهي في آن واحد، وأن يجسد صفة أولي البأس.
وتابع ممثل مجلس خبراء القيادة قائلاً: إن ما نستشفه من ذكريات هذا الكتاب هو أن والد قائدنا الشهيد كان نموذجاً مؤثراً وقدوة في تهذيب النفس وتربيتها، وفي سلوكه مع عائلته ومع رفاقه على حد سواء. لقد كان أباً ومعلماً ومربياً، وهذا يشير إلى أن كل من يرغب في ترك أثر في الساحة البشرية، يجب عليه أن يجتاز مرحلة التأدب والتهذيب أولاً؛ فمن لم يربِّ نفسه، لن يستطيع تربية الآخرين.
من جانبه، قال حجة الإسلام الشيخ معين الدقيق، ممثل حزب الله في قم، خلال المراسم: نحن في رحاب الطهر والقداسة، ويجدر بنا قبل ورود هذا المكان أن ننفض عن أجسادنا غبار الوهن والعجز، ونرتدي رداء العزة والقوة والشجاعة. فمن هذا المكان كانت تصدر البيانات الباعثة على البصيرة، ومن هنا كانت هداية الأمة، ومن هنا كانت ترسم الخطط وتدار شؤون الأمة الإسلامية، ومن هذا المكان كان قائدنا العظيم يطلب كتاب الله سبحانه وتعالى. أي عشق هذا الذي يدفعني للوقوف والحديث في مكان فقدنا فيه شهيداً عظيماً.
وأكد هذا الأستاذ البارز في حوزة قم العلمية: إن العالم اليوم يمر بظروف مفصلية، ويريد أن يعرف من هو هذا القائد الذي تآمر كل طغاة الأرض لاغتياله؟ ظناً منهم أنهم بشهادته سيقضون على حضارة الإسلام في هذا البلد وينهون محور المقاومة، لكنهم هزموا في مسعاهم هذا.
وأضاف: نحن في هذه الأيام أحوج ما نكون إلى «حكاية السيد»، وإلى ذلك الإسلام المحمدي الأصيل ليصل إلى كل الملل والأمم. فالأعداء يسعون هذه الأيام لقلب القيم والموازين، ويريدون تدجين المجتمعات البشرية بقيم «جزيرة إبستين».
كما شهدت المراسم إلقاء قصائد شعرية للشاعر العربي من أهالي خوزستان السيد مرتضی حیدري آل کثير، رثى فيها الإمام الشهيد.
أجواء الدموع والخواطر في جوار مقتل الإمام الشهيد
أما ما ميّز هذه المراسم عن أي حدث ثقافي اعتيادي، فهو الأجواء العاطفية التي خيمت عليها؛ حيث وزّعت على المشاركين العرب أوراق لكتابة خواطرهم بلغتهم الأم ومخاطبة القائد الشهيد. وكان الرجال والنساء الذين أمسكوا بالأقلام يكتبون بأعين دامعة، وهم يحترقون لوعة على استشهاد مرجعهم الديني أو ينعون الزعيم السياسي للعالم الإسلامي.
وبلغت اللحظات ذروتها حين صدح صوت القائد الشهيد وهو يلقي خطاباته باللغة العربية في أرجاء رواق كشوردوست، وعلى مقربة من موقع استشهاده. لقد شعر الكثير من الضيوف العرب المتأثرين أنهم في جوار رجل تولى قيادة الأمة لسنوات طويلة من نهاية شارع فلسطين في طهران.