عربي ودولي
قال المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان إنه يتابع بقلق بالغ الحملة "الإسرائيلية" الرسمية المنظمة التي بلغت ذروتها بتصريحات وبيانات صادرة عن رئيس الوزراء "الإسرائيلي" بنيامين نتنياهو ووزير الخارجية جدعون ساعر، عقب نشر صحيفة نيويورك تايمز مقالًا للصحفي الحائز على جائزة بوليتزر مرتين نيكولاس كريستوف، بعنوان "الصمت أمام اغتصاب الفلسطينيين"، تناول فيه شهادات 14 رجلًا وامرأة قالوا إنهم تعرضوا للاغتصاب وغيره من أشكال التعذيب والعنف الجنسي داخل مراكز الاحتجاز "الإسرائيلية".
المهاجمة بدل التحقيق
وأكد المرصد الأورومتوسطي في بيان له الجمعة 15 أيار/مايو 2026، أن رد الحكومة "الإسرائيلية" لم يتجه إلى فتح تحقيق مستقل وشفاف في هذه الادعاءات الخطيرة، أو السماح لمحققين دوليين وخبراء طب شرعي ومراقبين أمميين واللجنة الدولية للصليب الأحمر بالوصول إلى مراكز الاحتجاز، بل انصرف إلى مهاجمة الصحفي والصحيفة والمنظمات الحقوقية التي وثقت هذه الانتهاكات أو ساهمت في كشفها، في محاولة واضحة لتحويل النقاش من مضمون الشهادات والأدلة إلى تشويه مصادرها.
هندسة رواية مضللة
وقال المرصد إن أخطر ما في الحملة "الإسرائيلية" أنها لا تكتفي بإنكار الوقائع، بل تحاول هندسة رواية مضللة تختزل ملفًا موثقًا عبر مصادر متعددة في جهة واحدة أو شخص واحد، مستهدفةً مصداقية المرصد الأورومتوسطي ورئيسه والصحفي الذي نشر التحقيق، من دون أن يغيّر ذلك من حقيقة الشهادات والتقارير الأممية والحقوقية التي وثقت أنماطًا متكررة من الاغتصاب، بما في ذلك الاغتصاب بأدوات، والتعذيب الجنسي، والاعتداء على الأعضاء التناسلية، والتهديد بالاغتصاب، والتجريد القسري من الملابس، والتفتيش العاري المهين، والتصوير القسري في أوضاع حاطة بالكرامة، وغير ذلك من أفعال ذات طابع جنسي داخل منظومة الاحتجاز "الإسرائيلية".
مسار مستقل وممتد من الرصد والمقابلات والتحليل
وأكد المرصد أن توثيقه لجرائم التعذيب والعنف الجنسي داخل مراكز الاعتقال والسجون "الإسرائيلية" يستند إلى مسار مستقل وممتد من الرصد والمقابلات والتحليل القانوني، لا إلى روايات منقولة أو غير مفحوصة؛ إذ اعتمد على عشرات الإفادات المباشرة لمعتقلين فلسطينيين مفرج عنهم، جُمعت وفق منهجية حقوقية تراعي مبادئ عدم الإضرار، والسرية، والموافقة المستنيرة، وتقييم المخاطر الواقعة على الضحايا والشهود، ولا سيما في قضايا التعذيب والعنف الجنسي التي تتطلب حساسية مهنية خاصة وتدابير حماية مشددة.
توثيق من مصادر دولية متعددة
وأشار المرصد الأورومتوسطي إلى أن خطورة هذا التوثيق لا تنبع فقط من تعدد المصادر الدولية التي أكدته، بل من كونه يتقاطع أيضًا مع ما نشرته منظمات "إسرائيلية" مستقلة لا يمكن اتهامها بالانحياز للفلسطينيين. فقد أصدرت منظمة “بتسيلم” الإسرائيلية" تقريرها "مرحبًا بكم في الجحيم" في آب/أغسطس 2024، ثم تقريرها "جحيم حي" في كانون الثاني/يناير 2026، ووثقت فيهما شهادات لمفرج عنهم تكشف تحول السجون ومراكز الاحتجاز الإسرائيلية إلى شبكة تعذيب منظمة، شملت الاغتصاب باستخدام أدوات، والاعتداء على الأعضاء التناسلية، والهجمات بالكلاب، وإجبار محتجزين على مشاهدة آخرين يتعرضون لاعتداءات جنسية.
تضليل "إسرائيلي"
وأوضح المرصد الأورومتوسطي أن محاولة الحكومة "الإسرائيلية" تصوير تحقيق نيويورك تايمز بوصفه قائمًا أساسًا على توثيق المرصد، أو امتدادًا له، هي محاولة مضللة تتعارض مع الوقائع المعلنة ومنهجية التحقيق نفسها؛ إذ بيّن الصحفي نيكولاس كريستوف أن ما نشره استند إلى مقابلات مباشرة أجراها مع 14 رجلًا وامرأة أفادوا بتعرضهم لانتهاكات جنسية على أيدي قوات أمن ومحققين "إسرائيليين"، وأن هذه الروايات لم تُنشر بوصفها ادعاءات منفردة، بل خضعت للتدقيق والمقارنة مع مصادر أخرى، شملت شهودًا ومحامين وأقارب، بما يؤكد أن التحقيق الصحفي قام على مسار تحقق مستقل، ولا يمكن اختزاله في مصدر واحد أو استخدام الهجوم على جهة بعينها للطعن في مجمل الوقائع التي عرضها.
السؤال المشروع
وأكد أن السؤال المشروع الآن لا يتعلق بمن نقل الشهادة، بل بإصرار "إسرائيل" على عرقلة أي مسار تحقق مستقل، من خلال حجب السجلات الطبية وملفات الاحتجاز وتسجيلات المراقبة، ومنع اللجنة الدولية للصليب الأحمر من الوصول المنتظم وغير المقيد إلى المعتقلين الفلسطينيين، وإبقاء مرافق الاحتجاز مغلقة أمام المراقبين الدوليين وخبراء الطب الشرعي والصحافة الدولية، بالتوازي مع استهداف الصحفيين والمنظمات الحقوقية والضحايا والشهود وكل جهة تسعى إلى توثيق الوقائع أو التحقق منها أو عرضها أمام الآليات الدولية المختصة.
وأكد المرصد أن اتهام الحكومة "الإسرائيلية" له بأنه يضر بمصلحة "إسرائيل" بسبب توثيق الانتهاكات ورفع الشهادات إلى المقررين الأمميين والجهات القانونية الدولية يكشف أن المشكلة "الإسرائيلية" ليست في دقة التوثيق، بل في أثره؛ فالعمل الحقوقي بطبيعته يهدف إلى كشف الانتهاكات وتمكين الضحايا من الوصول إلى العدالة، بما في ذلك أمام الأمم المتحدة والمحاكم الدولية، ومحاولة تصوير هذا الدور المشروع باعتباره عملًا دعائيًا أو عدائيًا ليست سوى محاولة لنزع الشرعية عن منظومة المساءلة الدولية برمتها.
تاريخ أسود
وقال المرصد الأورومتوسطي إن جرائم العنف الجنسي ضد الفلسطينيين داخل منظومة الاحتجاز "الإسرائيلية" ليست وليدة المرحلة التي أعقبت 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، بل تعود إلى سنوات سابقة جرى خلالها إحاطة هذه الانتهاكات بالإنكار والحجب والإفلات من العقاب؛ مشيرًا إلى واقعة كاشفة تمثلت في توثيق الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال، فرع فلسطين، لاغتصاب طفل فلسطيني يبلغ من العمر 13 عامًا داخل مرفق احتجاز "إسرائيلي"، وإبلاغ الجهات الأميركية المختصة بذلك، ليكون الرد "الإسرائيلي" مداهمة مقر المنظمة ومصادرة أجهزتها الإلكترونية، ثم تصنيفها لاحقًا كيانًا إرهابيًا، قبل أن تضطر مؤخرًا، تحت وطأة هذه الإجراءات وغيرها من القيود، إلى إنهاء عملها في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وطالب المرصد الأورومتوسطي مجلس حقوق الإنسان، والأمم المتحدة، ولجنة التحقيق الدولية المستقلة، والمقررين الخاصين، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، باتخاذ إجراءات عاجلة لضمان تحقيق دولي مستقل وفوري في جرائم التعذيب والعنف الجنسي والجندري داخل مراكز الاحتجاز والسجون "الإسرائيلية"، بما يشمل تمكين آليات التحقيق الدولية وخبراء الطب الشرعي من الوصول غير المقيد إلى أماكن الاحتجاز، ومقابلة الضحايا والشهود والمعتقلين المفرج عنهم بصورة آمنة ومستقلة، وفحص السجلات الطبية وملفات التحقيق وأوامر الاحتجاز والنقل وتسجيلات المراقبة، والكشف عن جميع حالات الوفاة داخل الاحتجاز، وضمان حفظ الأدلة ومنع العبث بها أو إتلافها.
وطالب المرصد أيضًا المجتمع الدولي بعدم التعامل مع الحملة "الإسرائيلية" بوصفها خلافًا إعلاميًا أو سجالًا سياسيًا، بل باعتبارها محاولة رسمية لترهيب الصحافة المستقلة والمنظمات الحقوقية والشهود والضحايا، وقطع الطريق أمام المساءلة الدولية.
وشدد المرصد على أن حملات التشهير والتهديد بالملاحقة لن تمحو شهادات الضحايا، ولن تبطل ما وثقته جهات أممية وحقوقية مستقلة، ولن تحوّل الإنكار إلى حقيقة، أو تعفي إسرائيل من واجب فتح سجونها ومراكز احتجازها أمام التحقيق المستقل.