إيران
اهتمت الصحف الإيرانية الصادرة اليوم السبت (16 أيار/ مايو 2026)، بثلاثة قضايا أساسية دارت عليها محور التحليلات: الأولى هي قضية زيارة ترامب إلى الصين ونتائج هذه الزيارة، والثانية هي قضية بيان الإمام الخامنئي في يوم اللغة الفارسية وما تضمنه هذا البيان من تأصيل حضاري للجمهورية الإسلامية الإيرانية، والثالثة هي قضية دعوة مسؤولي البلاد لترشيد الاستهلاك بشكل فعلي لمواجهة الحرب الاقتصادية التي يشنّها العدو الأميركي "الإسرائيلي" على إيران.
ذهول ترامب أمام استعراض القوة الصينية
بداية، كتبت صحيفة إيران: "تتمحور النقطة الأولى لهذه الزيارة حول تأجيلها بسبب العدوان المشترك بين الولايات المتحدة و"إسرائيل" على إيران، وردود طهران الانتقامية، والإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، مما يُشير إلى تزايد أهمية منطقة غرب آسيا في حسابات واشنطن وبكين. هنا، حدث تحوّلٌ هامٌ في الاستراتيجية يرتبط ارتباطًا مباشرًا بالمصالح الوطنية الإيرانية. فبينما كان من المفترض، استنادًا إلى وثائق وتوقعات "الأمن القومي" الأمريكي، أن يكون جنوب وشرق آسيا محور اهتمام شي وترامب اليوم، فقد خُصص جزءٌ كبيرٌ من المناقشات غير الثنائية بين القوتين العالميتين لغرب آسيا وتطوراتها. في الوقت نفسه ، يتعين على الصين، بصفتها أكبر مستورد للنفط الإيراني، والتي تستحوذ على أكثر من 80% من صادرات طهران النفطية، وتعتمد أكثر من أي وقت مضى على استقرار الخليج لتأمين إمداداتها من الطاقة، أن تُنسق مواقفها مع القوة التي تُهاجم هذه المنطقة، والتي تُعتبر أيضًا، بالمصادفة، أول تهديد أمني لها.
في غضون ذلك، ورداً على العدوان غير القانوني من جانب الولايات المتحدة و"إسرائيل"، والذي تعتبره دول عديدة حول العالم، بما فيها الصين، انتهاكاً صارخاً لسيادة إيران الوطنية وميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي، اتخذت الجمهورية الإسلامية الإيرانية إجراءات دفاعية، شملت فرض قيود على حركة الملاحة في مضيق هرمز، وأكدت أنّ المضيق مفتوح أمام السفن التجارية غير التابعة للمعتدين، وأنّ الحصار والوجود العسكري الأمريكي يشكلان العائق الرئيسي أمام التدفق الحر للطاقة. وقد منح هذا الموقف إيران نفوذاً جيوسياسياً في مواجهة العدوان غير القانوني للولايات المتحدة والنظام "الإسرائيلي"، وأصبح قضية محورية خلال مشاورات ترامب في بكين، والتي تم التطرق إليها أيضاً بشكل مباشر في تصريحاته بشأن منطقة "تشونغنانهاي" المحمية في بكين.
ووفق الصحيفة "من بين النقاط المهمة المتعلقة بالتطورات في غرب آسيا ومضيق هرمز التي جرت خلال زيارة ترامب إلى بكين، الاتفاقات الأولية بين الطرفين لزيادة فرص وصول الشركات الأمريكية واستثماراتها المتبادلة مع الصين. في هذا السياق، أعربت بكين لترامب عن رغبتها في شراء المزيد من الطاقة من مصادر متنوعة (بما فيها الولايات المتحدة)، وذلك بهدف تحقيق توازن في ميزان القوى الفاعلة في هذا المجال، ما يُمكّنها من اتخاذ خطوة عملية نحو تقليل اعتمادها على الطاقة من الشرق الأوسط".
وتابعت الصحيفة "وفي المفاوضات مع ترامب، ورغم تأكيد شي جين بينغ على قضية تايوان باعتبارها القضية الأولى في العلاقات الصينية الأمريكية، إلا أنه لا يُمكن إنكار أن أزمة مضيق هرمز، التي سبق أن طرحت الصين مقترحات لحلها، والتي تُعدّ أيضاً مصدر قلق بالغ للولايات المتحدة، كانت من بين أهم المواضيع التي نوقشت بين الصين والولايات المتحدة في الآونة الأخيرة".
وبحسب الصحيفة فإنّه "من منظور جيوسياسي، حوّل العدوان الأمريكي و"الإسرائيلي" على إيران مضيق هرمز إلى ساحة معركة إقليمية وعالمية رئيسية، وأدت الاضطرابات المستمرة في الملاحة بطبيعة الحال إلى ارتفاع أسعار الطاقة وزيادة الضغوط العالمية على جميع الأطراف. والآن، لا يمكن للصين، التي استثمرت مليارات الدولارات في مبادرة الحزام والطريق، أن تسمح باستمرار هذه الأزمة، ولذلك سعت إلى تطبيق شكل من أشكال الوساطة يمكن وصفه بالمخاطرة المحسوبة مع الاستمرار في شراء الطاقة من إيران".
في غضون ذلك، وبينما تحدثت بعض المصادر عن إمكانية وجود مقايضة بين الصين والولايات المتحدة بشأن إيران مقابل تنازلات في تايوان أو في مجال التكنولوجيا، مما قد يحوّل طهران وقضاياها إلى ورقة رابحة في مساومة القوى، يبدو أنّ طهران قد أخذت هذه المسألة بعين الاعتبار ودققت فيها، وشُجّع وزير الخارجية عباس عراقجي، بصفته رئيسًا للدبلوماسية في الجمهورية الإسلامية، على لقاء وانغ يي شخصيًا قبل زيارة ترامب إلى بكين، ثم السفر إلى الهند ولقاء مسؤولين هنود وروس في نيودلهي، في محاولة جادة لصياغة دبلوماسية متعددة الأوجه من شأنها تحييد هذه المشكلة".
ورأت الصحيفة أنّه "ثمة جانب آخر، وهو أن هذه الرحلة، في خضم أزمة هرمز وأزمة غرب آسيا، يمكن تفسيرها على أنها خطوة من بكين وواشنطن لخلق توازن قوى في الخليج العربي لصالح مصدري الطاقة في هذه المنطقة. بطبيعة الحال، فإن إتاحة الفرصة لدول المنطقة للاستفادة من التنافس بين الولايات المتحدة والصين سيخلق أيضاً فضاءً لتعددية الأقطاب الإقليمية، مما يجعل من الضروري لإيران تعزيز وتوسيع علاقاتها مع مجموعة البريكس وشنغهاي وجيرانها في هذا المجال".
وأضافت الصحيفة أنّ "الحاجة إلى الواقعية الاستراتيجية في إعادة تنظيم العلاقات الإقليمية والدولية أمرٌ بالغ الأهمية. فعلى الرغم من ضرورة التريث لتوضيح أبعاد زيارة ترامب إلى الصين، إلا أن هذا الحدث المهم يُعد مثالاً على إدارة التنافس في النظام متعدد الأقطاب الناشئ، والذي، إلى جانب توفيره فرصاً لنهج طهران الذكي المحتمل، يحمل في طياته أيضاً تحذيرات".
وختمت الصحيفة أنّه "لا ينبغي إغفال أنه على الرغم من عمق جذور العلاقات الإيرانية الصينية، إلا أن المصالح المستدامة في ظل الجغرافيا السياسية الراهنة للنظام الدولي تطغى على مصالح الإنتاج وسلاسل القيمة. بات بإمكان طهران الآن، من خلال فهم دقيق للتطورات الراهنة في العلاقات بين بكين وواشنطن، والتي يمكن ملاحظة آثارها في الفترة الفاصلة بين مفاوضات شي جين بينغ وترامب، أن ترسخ مكانتها كلاعب إقليمي مؤثر، لا مجرد بيدق في صفقات القوى العظمى. وتُذكّر زيارة ترامب إلى بكين ولقاءه مع شي جين بينغ المراقبين بالتطورات الحالية، بأن الدبلوماسية الذكية والهادفة وطويلة الأمد، حين تُقترن بأدوات حقيقية كالمضيق الآسيوي، قد تكون مفتاح البقاء في القرن الآسيوي".
كابوس صنعته أمريكا بنفسها
من جهتها، كتبت صحيفة وطن أمروز: "يشهد العالم اليوم أكبر صدمة في إمدادات النفط في التاريخ الحديث. فالحرب التي بدأت بالهجوم العسكري الأمريكي "الإسرائيلي" على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، تحولت إلى أزمة واسعة النطاق غيّرت جذرياً معادلات الطاقة العالمية. ورداً على هذا العدوان، أوفت إيران بوعدها القديم بإغلاق مضيق هرمز، وفي خطوة استراتيجية، قطعت شرياناً حيوياً يمثل 20% من إمدادات النفط والغاز العالمية. والآن، في منتصف الشهر الثالث من هذه الأزمة، تجاوز السؤال الرئيسي أسعار النفط، وارتبط بمصير نظام الطاقة في عالم ما بعد مضيق هرمز. إن أبعاد هذه الصدمة غير مسبوقة. فبحسب وكالة الطاقة الدولية، انخفضت إمدادات النفط العالمية بمقدار 10.1 مليون برميل يومياً الشهر الماضي، وهو رقم يُعتبر أكبر اضطراب مُسجل في تاريخ صناعة النفط. كما انخفض إنتاج دول أوبك+ بمقدار 9.4 مليون برميل يومياً. تجاوز إجمالي الخسائر التراكمية في الإمدادات 360 مليون برميل الشهر الماضي، ومن المتوقع أن يصل إلى 440 مليون برميل هذا الشهر".
ولفتت الصحيفة إلى أنّ "معهد كيبلر، أحد أبرز الجهات الرقابية الموثوقة في سوق النفط، أكد توقف صادرات النفط والمكثفات من على الرغم من ذلك، فإن سعر خام برنت، الذي قفز إلى 120 دولارًا للبرميل في الأيام الأولى للأزمة، بل ووصل إلى ما يقارب 150 دولارًا للبرميل في السوق الفورية، يتذبذب الآن حول 105 دولارات. هذه الفجوة بين الواقع الكارثي للإمدادات والسعر المستقر نسبيًا تبدو محيرة. ثلاثة عوامل تفسر هذا التناقض الظاهر:
أولًا، سدت الولايات المتحدة جزءًا من فجوة العرض عن طريق سحب احتياطياتها الاستراتيجية بمعدل غير مسبوق.
[...] ثانيًا، خفضت الصين وارداتها النفطية بشكل حاد، معتمدةً على احتياطياتها الضخمة التي تتراوح بين 1.2 و1.4 مليار برميل.
[...] ثالثًا: حافظت دول الخليج على جزء محدود من صادراتها باستخدام خطوط أنابيب بديلة. فقد فعّلت السعودية خط أنابيبها الشرقي الغربي بسعة قصوى تبلغ 7 ملايين برميل يوميًا، وتستخدم الإمارات العربية المتحدة خط أنابيب حبشان-الفجيرة لتجاوز مضيق هرمز.
ورأت الصحيفة أنّ "الصين لعبت أذكى استراتيجية في هذه الأزمة. فقد خفضت بكين، أكبر مشترٍ للنفط في الشرق الأوسط والمستهلك الوحيد لـ 37.7% من الشحنات المارة عبر مضيق هرمز، وارداتها بشكل حاد، معتمدةً على احتياطياتها الاستراتيجية التي تتراوح بين 1.2 و1.4 مليار برميل".
ووفق الصحيفة "تكمن نقطة ضعف سوق النفط العالمي في مخزونات المنتجات النفطية. وتشير التحليلات إلى أن أول أزمة خطيرة ستحدث في أسواق البنزين والديزل ووقود الطائرات. ووفقًا لوكالة الطاقة الدولية، فقد وصل سعر المشتقات النفطية المتوسطة في سنغافورة إلى مستوى قياسي تجاوز 290 دولارًا للبرميل. والسبب واضح: مخزونات المنتجات النفطية تُستنزف بوتيرة أسرع بكثير من النفط الخام.
وفي هذا السياق، حذرت صحيفة "فايننشال تايمز" من أنه إذا لم يُعاد فتح مضيق هرمز خلال الشهر المقبل، فسيواجه العالم موجة أوسع من النقص وارتفاع الأسعار مع استنزاف الاحتياطيات الاستراتيجية.
هذا؛ وقد أقرّ المحللون الغربيون بأن إعادة فتح مضيق هرمز هو العامل الأهم لتخفيف الضغط على إمدادات الطاقة وأسعارها والاقتصاد العالمي. لكن هذا العامل بات الآن في يد إيران. فمن خلال توطيد سيطرتها على المضيق، لا تملك إيران ورقة رابحة فحسب، بل تعيد أيضاً تعريف قواعد اللعبة في الخليج ؛ من حق المرور كمصدر للدخل إلى المراقبة العسكرية لحركة السفن. وهذا ما تصفه واشنطن بالكابوس الاستراتيجي.
وأشارت الصحيفة إلى أنّ "الولايات المتحدة، التي أشعلت فتيل الأزمة بنفسها، عالقة الآن في مأزق لا مخرج منه إلا بإرادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية. والأمر المؤكد هو أن العودة إلى الوضع ما قبل الأزمة لم تعد ممكنة. وسيواجه العالم ما بعد مزاد هرمز نظاماً جديداً للطاقة، حيث لم يعد أمن الإمدادات مفترضاً بل امتيازاً يُنال. وفي هذه المعادلة الجديدة، ترسخ موقع الجمهورية الإسلامية الإيرانية لا كلاعب إقليمي، بل كحارس شريان الطاقة العالمي".
اختبار الادخار الوطني
بدورها، كتبت صحيفة جام جم: "سعت الولايات المتحدة والكيان الصهيوني إلى تحقيق أهدافٍ كالإطاحة بالنظام السياسي الإيراني وتقسيم بلادنا، لكنهما فشلا. وبعد أيامٍ قليلة من الصراع العسكري، شرعا فجأةً في مهاجمة البنية التحتية، وردّت القوات المسلحة بقوة على كل هجومٍ منهما. وبعد أن فشل عدو إيران الخائن في أن يصبح خصماً للقوات المسلحة والشعب الإيراني في المجال العسكري، لجأ إلى العقوبات الاقتصادية والحصار البحري. واليوم، لا تواجه إيران وحدها، بل جميع دول العالم، مشكلة التضخم وقيود الطاقة".
وتابعت الصحيفة "نتيجةً للهجمات التي شنّها الأعداء على البنية التحتية لإيران، تضررت بلادنا في بعض قطاعات الطاقة، وردًّا على ذلك، أغلقت إيران مضيق هرمز، وتعرضت الدول الغربية لضغوطٍ شديدة. حتى أن العديد من الدول التي لم تشارك في الحرب تضررت جراء سياسات الولايات المتحدة والكيان الصهيوني العدائية، ما دفعها إلى ترشيد الاستهلاك، بل وتقنين بعض المنتجات. وتشير الدراسات إلى أنّه على الرغم من الأضرار التي خلّفتها الحرب الأخيرة، فإن تصحيح نمط الاستهلاك سيُمكّن البلاد من تأمين مواردها دون مواجهة مشكلةٍ خطيرة. وقد صرّح الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، قبل فترة، في معرض حديثه عن الحرب الاقتصادية المُشنّة ضد البلاد، أنّه وبعد فشل العدو في الحرب العسكرية، يحاول الآن نقل الحرب إلى الساحة الاقتصادية، وعلى الشعب أن يؤدي دوره في دعمهم وإحباط هذه المؤامرة".