عين على العدو
في مشهد يعكس حجم القلق والانهيار النفسي الذي يخيّم على مستوطنات الشمال، تلقّت المدارس في عدد من المستوطنات تعليمات استثنائية وغير مسبوقة تقضي بالسماح للتلامذة بمتابعة الدراسة، لكن دون الخروج إلى ساحات المدارس خلال فترات الاستراحة، بسبب المخاوف الأمنية المستمرة.
الكاتب "الإسرائيلي" نير كيبنيس رأى في هذا القرار صورة مكثفة لحالة الشلل التي تعيشها "تل أبيب"، ودعا "الإسرائيليين" إلى تخيّل طفل يحمل كرة وينظر بحزن من نافذة الصف إلى ساحة فارغة لا يستطيع الوصول إليها، أو معلمة أنهكتها الحصص الدراسية وتنتظر لحظة هدوء مع كوب شاي في غرفة المعلمين، قبل أن تكتشف أن حتى الاستراحة باتت خاضعة لحسابات الحرب والصواريخ.
ويقول الكاتب، إن هذا الواقع يكشف إلى أي حد تُرك "سكان" الشمال لمواجهة مصيرهم وحدهم، في ظل ظروف يصفها بالمستحيلة، موضحًا أن المأساة لا تتوقف عند الجانب الأمني فقط، بل تمتد إلى الاقتصاد والحياة الاجتماعية، لأن كثيرًا من سكان المنطقة يعتمدون على السياحة والمشاريع الصغيرة وغرف الضيافة والرحلات الترفيهية، وهي قطاعات انهارت بالكامل تحت وطأة التهديدات اليومية.
ويشير المقال إلى أن الجيش "الإسرائيلي" يسارع إلى تحميل المستوى السياسي المسؤولية عن هذا الوضع، باعتبار أن تقييد العمليات العسكرية ضد لبنان وإيران هو قرار سياسي بالدرجة الأولى، إذ لا يستطيع رئيس الأركان توسيع الحرب دون موافقة رئيس الحكومة ووزير الأمن.
الكاتب رفض في الوقت نفسه إعفاء الجيش من المسؤولية، مذكّرًا بأن المؤسسة العسكرية نفسها هي التي دعت "السكان" سابقًا إلى العودة إلى الشمال، وقدّمت وعودًا بأن المنطقة ستعيش هدوءًا غير مسبوق منذ عقود.
وبرأيه، فإن المشكلة لم تعد في تحديد ما إذا كانت المسؤولية تقع بنسبة أكبر على الحكومة أو الجيش، بل في حقيقة أخطر تتمثل في أن القرار الفعلي لم يعد موجودًا أصلًا داخل "إسرائيل".
ويرى الكاتب أن مفتاح الحرب والتهدئة بات موجودًا في طهران، وربما تحديدًا بيد [قائد الثورة الإسلامية الإمام السيد] مجتبى الخامنئي الذي تحوّل اسمه إلى محور أساس في النقاشات "الإسرائيلية" بعد تضارب المعلومات حول استهدافه ووضعه الصحي.
ويصف الكاتب المشهد الحالي بأنه غير مسبوق في تاريخ "إسرائيل"؛ لأن السياسة الأمنية "الإسرائيلية" على جبهات إيران ولبنان وغزة أصبحت مرتبطة بالكامل بالموقف الإيراني، فيما يعلّق الإسرائيليون آمالهم على احتمال أن يؤدي التشدد الإيراني إلى دفع الرئيس الأميركي دونالد ترامب نحو استئناف الحرب.
ومع ذلك، يؤكد الكاتب أن حتى العودة إلى المواجهة العسكرية لا تضمن لـ"إسرائيل" أي إنجاز حاسم، بل قد تؤدي فقط إلى مزيد من الصواريخ على المستوطنات والبنى التحتية، وإلى شلل اقتصادي واسع، وتعطيل ما تبقى من العام الدراسي، وإرباك كامل للحياة اليومية.
ويتوقف الكاتب عند أهداف الحرب السابقة، والتي شملت إسقاط النظام الإيراني أو إضعافه، ووقف المشروع النووي الإيراني، وتدمير القدرات الصاروخية البالستية، وإنهاء دور حلفاء إيران الإقليميين مثل حزب الله وحماس، ليؤكد أن أيًا من هذه الأهداف لم يتحقق بصورة فعلية.
كما يحذر من أن إيران ما زالت تمتلك أوراق قوة كبيرة، إذ تستطيع في أيّة لحظة العودة إلى طاولة المفاوضات مع الولايات المتحدة، ومنح ترامب إنجازًا سياسيًا عبر خطوات رمزية مثل نقل جزء من اليورانيوم المخصب أو تقديم تسهيلات مرتبطة بمضيق هرمز، مقابل تخفيف الضغوط والعقوبات الاقتصادية عنها.
ويرى الكاتب أن إسرائيل قد تجد نفسها أمام اتفاق أميركي–إيراني تعده سيئًا وخطرًا، لأنه ربما يؤخر المشروع النووي الإيراني لبعض الوقت، لكنه لن يوقف تطوير الصواريخ البالستية ولن يمنع استمرار الدعم الإيراني لحلفائها في المنطقة، في وقت تُرفع فيه العقوبات التي تخنق الاقتصاد الإيراني.
ويلفت إلى أن هذا السيناريو يُعد بالنسبة لـ"الإسرائيليين" الخيار الأفضل مقارنةً ببدائل أكثر خطورة، لأن أي تصعيد جديد قد يعيد الحرب إلى عمق لبنان ويُدخل إسرائيل مجددًا في دوامة استنزاف مفتوحة.
وفي نهاية المقال، يخلص الكاتب إلى خلاصة قاسية مفادها أن "إسرائيل" وصلت إلى مرحلة بات فيها القرار الأكثر تأثيرًا في أمنها ومستقبلها ليس بيد رئيس حكومتها أو قيادة جيشها، بل بيد القيادة الإيرانية وما يصدر عنها من قرارات ومواقف.