اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي أبو حمدان: المسار الأمني مع العدو إعلان حرب في الداخل

مقالات

المقاومة لا تستعيد ذاكرة 2000… بل تستكمل منطقها
🎧 إستمع للمقال
مقالات

المقاومة لا تستعيد ذاكرة 2000… بل تستكمل منطقها

203

في لحظة إقليمية تتكثف فيها الضغوط الأميركية والإسرائيلية، وتتسع فيها محاولات إعادة تشكيل البيئة السياسية والأمنية في لبنان والمنطقة، تبرز أهمية العودة إلى تجربة المقاومة بوصفها تجربة تتجاوز بعدها العسكري المباشر إلى بعدها الإدراكي والإستراتيجي والتاريخي. فإحياء ذكرى تحرير عام 2000 لا يكتسب راهنيته فقط من كونه محطة وطنية مفصلية، بل لأنه يعيد التذكير بحقيقة أساسية غالبًا ما تُحجب تحت ضجيج الحملات النفسية والسياسية: أن الكثير مما يُطرح اليوم باعتباره “وقائع نهائية” أو “معادلات غير قابلة للكسر”، سبق أن طُرح في مراحل سابقة، ثم سقط أمام فعل الصمود وتراكم الاستنزاف وفشل الاحتلال في فرض شروطه السياسية والأمنية.

ففي تسعينيات القرن الماضي، لم يكن الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان يُقدَّم بوصفه احتمالًا واقعيًا لا داخل إسرائيل ولا في البيئة الدولية والإقليمية المحيطة بها. بل إن المنطق الإسرائيلي كان يقوم على اعتبار الشريط المحتل جزءًا من أمن إسرائيل ومستقبلها الإستراتيجي، وأن بقاء الاحتلال مسألة بنيوية لا ظرفية. وفي تلك المرحلة أيضًا، جرى الترويج لفكرة أن المقاومة لا تملك توازن القوة، وأن التفوق العسكري والتكنولوجي الإسرائيلي كفيل بحسم أي مواجهة، وأن استمرار العمليات لن يؤدي إلا إلى مزيد من التدمير والضغط على لبنان. بل إن بنيامين نتنياهو نفسه، خلال ولايته الأولى (1996-1999)، اشترط تفكيك سلاح المقاومة بوصفه مدخلًا لأي تسوية أو انسحاب. ومع ذلك، فإن ما حسم المسار في نهاية المطاف تراكم الخسائر في صفوف الجيش واستمرار تدهور الوضع الأمني في المستوطنات، وانعكاس ذلك على مستوى الرأي العام وتشكل تيار سياسي يدعو الى الانسحاب الاحادي، إن لم يكن باتفاق. كل ذلك بفضل استمرار العمليات التي جعلت الاحتلال عبئًا إستراتيجيًا متصاعد الكلفة وغير قابل للاستقرار.

ومن هنا تكتسب المواجهة الأخيرة أهميتها التحليلية، إذ أسقطت مجددًا الرهان الإسرائيلي على انهيار حزب الله بنيويًا ومعنويًا بفعل الضربات والضغوط. فما ظهر عمليًا كان عكس ذلك: مقاومة لم تفقد تماسكها أو إرادتها، بل بقيت قادرة على إدارة المواجهة، وإعادة تنظيم أدائها، والاستمرار تحت الضغط. وهذه النقطة شديدة الأهمية، لأن الصراع مع إسرائيل ليس صراع نار فقط، بل صراع صورة وإدراك ومعنى سياسي. من يبدو ثابتًا؟ من يبدو قادرًا على الاستمرار؟ ومن يفرض نفسه طرفًا فاعلًا لا يمكن تجاوزه رغم كل محاولات العزل والاستنزاف؟ وفي هذا المستوى تحديدًا، نجحت المقاومة في منع “الهزيمة” فضلًا عن تكريسها كحقيقة نهائية، وأعادت تثبيت نفسها قوةً ما تزال حاضرة في المعادلة اللبنانية والإقليمية.

كذلك، فإن أحد أهم الإنجازات التي كشفتها المواجهة تمثل في إثبات أن بنية المقاومة ما تزال تمتلك قابلية عالية للتكيّف وإعادة الترميم. فالهزيمة الإستراتيجية لا تُقاس فقط بحجم الخسائر، بل بانكسار الإرادة وفقدان القدرة على التعافي والتعلم. وما ظهر خلال الأشهر الماضية أن الحزب تعامل مع الحرب بوصفها عملية تراكم خبرات وتكيّف مستمر، لا بوصفها لحظة استنزاف نهائية. وهذا بحد ذاته يمثل إخفاقًا لأحد الأهداف الإسرائيلية المركزية، المتمثل في دفع الخصم إلى حالة إنهاك دائم وشلل غير قابل للاستعادة. لكن الوقائع أظهرت أن المقاومة ما تزال تملك بنية تنظيمية وعقائدية وعسكرية قادرة على امتصاص الضربات وإعادة إنتاج الفاعلية.

وفي السياق نفسه، أعادت المواجهة تثبيت المقاومة كعامل دفاع حقيقي في الحسابات الإسرائيلية والإقليمية. فإسرائيل، رغم تفوقها العسكري والتكنولوجي الهائل، ما تزال مضطرة للتعامل مع حزب الله بوصفه تهديدًا فعليًا لا يمكن شطبه أو تجاوزه بسهولة. وهذه المسألة تتجاوز بعدها العسكري المباشر، لأنها تعني أن الحرب لم تنجح في تحويل الحزب إلى عبء منزوع التأثير كما كان يُراد لها. بل إن استمرار قدرته على الفعل، وعلى فرض حضوره في الحسابات الإسرائيلية، أعاد تثبيت حقيقة أن الجبهة اللبنانية ما تزال محكومة بمنطق الردع المتبادل، لا بمنطق الهيمنة الإسرائيلية المطلقة.

ومن الإنجازات المهمة أيضًا، أن المقاومة نجحت في إدارة الزمن بوصفه جزءًا من أدوات القوة نفسها. فقد جرى لفترات طويلة تفسير امتناع الحزب عن ردود مباشرة أو واسعة باعتباره دليل ضعف أو تراجع. لكن ما ظهر لاحقًا أعاد تفكيك هذا التفسير، وأوحى بأن إدارة التوقيت كانت جزءًا من حسابات أوسع تتصل بالإيقاع السياسي والعسكري والإقليمي. وهذه نقطة مركزية في فهم طبيعة الصراع، لأن القوة لا تُقاس فقط بسرعة الرد، بل بالقدرة على اختيار اللحظة المناسبة، والتحكم بوتيرة التصعيد، ومنع الخصم من فرض توقيته ومعادلته النفسية.

أما الإنجاز الأعمق، فتمثل في إسقاط الرهان الإسرائيلي التاريخي على إمكانية إنتاج احتلال مستقر وآمن أو بيئة قادرة على التكيّف مع الاستنزاف طويل الأمد. فكما بددت مقاومة التسعينيات فكرة أن الاحتلال يمكن أن يتحول إلى واقع دائم مقبول، فإن المواجهة الحالية أعادت التأكيد أن الضغوط العسكرية والأمنية، مهما بلغت، لا تؤدي تلقائيًا إلى إخضاع البيئة الحاضنة أو كسر الإرادة السياسية والتنظيمية للمقاومة. بل إن التجربة أظهرت مجددًا أن تراكم الكلفة مع الزمن يبقى عاملًا حاسمًا في إعادة تشكيل الحسابات الإسرائيلية، تمامًا كما حدث قبل اندحار عام 2000.

وفي العمق، فإن ما تحقق حتى الآن لا يعني أن المعركة انتهت أو أن الطريق بات خاليًا من التحديات، بل يعني أن المقاومة نجحت في منع الحرب من تحقيق أهدافها السياسية والإدراكية الكاملة، وأعادت تثبيت نفسها طرفًا فاعلًا لا يمكن تجاوزه أو شطبه من المعادلة. وهذا بحد ذاته يشكل تحولًا إستراتيجيًا مهمًا، لأن إسرائيل كانت تسعى إلى إنتاج لحظة انهيار نفسي وسياسي تؤسس لمرحلة جديدة في لبنان والمنطقة، لكن ما حدث فعليًا كان إعادة إنتاج معادلة أكثر تعقيدًا تقوم على استمرار القدرة على الفعل والتكيّف والردع.

ومن هنا، تبدو آفاق المرحلة المقبلة مرتبطة إلى حد كبير بعاملَين متداخلين: الأول هو استمرار تراكم الكلفة على إسرائيل في أي مسار استنزافي، سواء أمنيًا أو اقتصاديًا أو نفسيًا أو على مستوى الاستقرار الداخلي؛ ومن أهم المستجدات التي أرستها المقاومة في هذا الاتجاه، أن ما كانت تحتاج الى سنوات من أجل تحقيقه على المستوى التأثير السياسي والشعبي والامني لعمليات المقاومة في الجيش والرأي العام والقيادة السياسية بلغته المقاومة في أقل من ثلاثة أشهر.

والثاني هو استمرار الدعم الإيراني بمفاعيله العسكرية والسياسية واللوجستية والإقليمية، الامر الذي يشكل عامل ضغط إقليمي غير مسبوق يسهم في تقليص المدة الزمنية للاحتلال عبر ربطه بأي اتفاق أميركي إيراني. وبما يمنح المقاومة قدرة إضافية على إعادة الترميم وتعزيز عناصر القوة. وفي ضوء ذلك، فإن احتمالات نجاح المقاومة في الحفاظ على موقعها وتحقيق جزء أساس من أهدافها تبدو مرجحة، ليس لأن ميزان القوى أصبح متكافئًا بصورة مطلقة، بل لأن التجربة التاريخية للصراع أظهرت أن القدرة على الصمود والتكيّف ومنع الخصم من تحقيق أهدافه الكاملة قد تكون، في حروب الاستنزاف الطويلة، أكثر حسماً من التفوق العسكري المجرد نفسه.

الكلمات المفتاحية
مشاركة