لبنان
الشيخ الخطيب: الحرب العدوانية الأميركية الصهيونية على إيران ولبنان فشلت
الخطيب في عيد الأضحى: مقاومتكم باع رجالها جماجمهم للرحمن دفاعًا عن هذه الكرامة وهي تنزل بالعدو ضربات موجعة
أدى نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى العلامة الشيخ على الخطيب صلاة عيد الأضحى؛ وأمّ المصلين في مقر المجلس في الحازمية ، حيث ألقى خطبتي العيد، فشدد على ثوابت الموقف حيال العدوان "الإسرائيلي"، لجهة الانسحاب الكامل وعودة الأهالي وبدء مسيرة الإعمار والإفراج عن الأسرى والحوار في الاستراتيجية الدفاعية.
استهل العلامة الخطيب الخطبة بالحديث عن معاني التضحية والحج، فقال: "تحجون إلى الله بقلوبكم وإيمانكم وإخلاصكم بمناسبة يوم عيد الأضحى، وهو يوم العاشر من ذي الحجة الحرام من كل عام، وقد جعله الله يومًا لاحتفاء المسلمين بيوم التضحية، تعبيرًا عن أهمية ما يرمز إليه، وتذكيرًا بواقعة إقدام أبينا إبراهيم (ع) على تلبية أمر الله تعالى في التضحية بولده إسماعيل تنفيذًا لأمر الله تعالى، واستجابة إسماعيل وتسليمه لأمر الله. لقد أرّخ الله لإبراهيم وإسماعيل هذا الحدث في كتابه الكريم تكريمًا لهما ومدحًا لامتثالهما وإخلاصهما في عبوديتهما وتوحيدهما وإيمانهما الخالص لله تعالى. هذا أولًا، وثانيًا ليكونا النموذج والعبرة والدرس للناس في إخلاص العبودية لله تعالى، تقتفي البشرية آثارهما في الاستعداد لتضحية الآباء بالأبناء، حين يأتيهم نداء الواجب في الدفاع عن الشرف والكرامة والدين، فيلبي الأبناء دعوة الآباء تقربًا لله سبحانه لكسب رضوانه وحبًا بلقائه. وثالثًا لأهمية التضحية خيارًا إيمانيًا وفعل استجابة للنداء الإلهي في الدفاع عن القيم الإلهية والإنسانية في مواجهة أعداء الحياة من الأشرار العابثين الذين لا يقيمون وزنًا لقيم السماء وشرائعها، ولا للإنسانية وحرماتها، من حيث تأخذ الحياة جوهر معناها بالقيم التي تحكم وجودها. كما يفسرها لنا أمير الحكمة والبيان في جملة من حكمه وتعابيره : "حياتكم في موتكم قاهرين وموتكم في حياتكم مقهورين"، في ما يتعلق بقيم العزة والذل، إذ يأبى الله لنا حياة الذل ويريد لنا حياة العزة والكرامة، فلا حياة مع الذل. كما قال سيد الشهداء الإمام الحسين: "ألا وإنّ الدّعيّ بن الدعيّ قد ركز بين اثنتَين؛ بين السّلة والذلّة وهيهات منّا الذلّة، يأبي الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون، وحجور طابت وطهرت وأنوف حميّة ونفوس أبيّة من أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام". وقول الله تعالى: إنما العزة لله ولرسوله والمؤمنين يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ ۚ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (8).
وقال الشيخ الخطيب :"إن احتفالنا بيوم التضحية، أعطي أيها الأخوة بعدًا عباديًا إلهيًا حينما أمرنا بإحيائه بالصلاة والدعاء وتقديم الأضحية سنّة إلهية عامة لمن باشر أعمال الحج، ولمن لم يباشرها. لمن حضر مِنى ولمن غاب عنها، وللأمة كافة ممن بلغ الحلم. يعني أن التضحية ليست عملًا مخصوصًا بمكان محدد، بل له هذه الرمزية والبعد الشامل لمعنى الجهاد في الإسلام بمعناه الصحيح. إذا كان الحجاج يقفون في منى فهم يقومون بفعل التضحية رمزيًا، بينما أهلنا وكرامنا ، وكلهم كرام، يؤدون واجب التضحية الحقيقية تحقيقًا لما دعتهم إليه التلبية الرمزية، فأنتم والحجيج المبارك تؤدون معًا عملًا متكاملًا مباركًا تمامًا كما فعل إبراهيم وإسماعيل. وما فداء الله لإسماعيل بالكبش إلا بشرى للمؤمنين على مدى هذا التاريخ. إن هذه التضحيات ستكون عاقبتها فداء الله القادم بالنصر والعزة والكرامة. لهذا؛ فإن هذا اليوم هو يوم احتفال واحتفاء بوعد الله تعالى الذي لن ولن ولن ألف مرة، لن يخلفكم الذي لا يتخلف وعده وعده.. لقد فزتم والله إذ وفيتم بما عاهدتم عليه الله فسيصدقككم وعده. إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111)".
وتابع الشيخ الخطيب: "إن الله كرمكم اليوم؛ فالعيد عيد لمن اتقى الله وضحى بأعز ما لديه دفاعًا عن دينه ووطنه وقيمه التي أراد العدو انتهاكها معتمدًا على القوة الغاشمة التي يظن أنها هي التي تحسم المعركة، حيث يقف المجتمع الدولي بين متفرج على ما يقوم به العدو أو داعم لجرائمه ماديًا ومعنويًا، كما تفعل الولايات المتحدة الأميركية الشيطان الأكبر التي لم تكتف بمده بأشد الأسلحة فتكًا وتدميرًا، فأضافت إليه الحصار المالي والاقتصادي وتشويه الحقائق وإعطائه الحق بارتكاب جرائم القتل والتدمير، فيما يتفرج إخواننا العرب والمسلمون على ما يجري، ويتآمر بعض الداخل الذين انقلبوا على عهودهم وعلى ما أقسموا عليه أمام اللبنانيين والعالم مع العدو، ما شجعه على المضي بعيدًا في إجرامه سعيًا لإخضاعكم واستسلامكم، ولكنكم مضيتم على نهج إبراهيم (ع) في اختيار طريق التضحية بإسماعيلكم ورجم الشيطان بصواريخكم ومحلقاتكم دفاعًا عن شرفكم وأعراضكم، فيما تقف الجمهورية الإسلامية وحيدة بعد الله إلى جانبكم، فأبشروا ببيعكم الذي بايعتم به، وذلك هو الفوز العظيم فبورك لكم عيدكم وتضحياتكم وبورك شهداؤكم وبورك جرحاكم يا أهل الشهامة والحمية والقيم".
أضاف: "يجمعنا اليوم عيد الأضحى المبارك، هذا العيد الذي تختزن أيامه معاني الفداء والتضحية والثبات أمام المحن، فيما تعيش منطقتنا واحدة من أكثر مراحلها حساسية وخطورة منذ عقود، في ظل تصاعد الحروب والضغوط الدولية واستمرار العدوان الأميركي والإسرائيلي الهادف إلى فرض وقائع سياسية وأمنية جديدة على شعوب المنطقة بالقوة والإرهاب والتهديد. كنا نتمنى أن نمضي هذا العيد في كل مدننا وبلداتنا وبيوتنا ومساجدنا، ولكن شاءت الأقدار أن نعيش هذا الإمتحان ،نتيجة العدوان الإسرائيلي المتواصل الذي يستهدف البشر والحجر. وهي ليست المرة الأولى التي يختبر فيها الباري- عز وجل - صبرنا وجلدنا على الضيم والعدوان، وقد صبرتم وتصبرون وتضحّون بالغالي والنفيس انتصارًا لكرامتكم وعزتكم التي تأبى العيش بالذل والهوان. هذه مقاومتكم قد باع رجالها جماجمهم للرحمن دفاعًا عن هذه الكرامة، وهي تنزل بالعدو ضربات موجعة تدفعه إلى التهديد والوعيد ،على الرغم من إختلال موازين القوى المادي كما يعيّرنا البعض. وهو ليس في حساباتنا المعنوية والإلهية. فالحسين في كربلاء لم يحسب حسابًا للجيش الأموي الجرار، وكان شعاره الأسمى:" والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا أقر لكم إقرار العبيد"..ونحن على دين سيد الشهداء وجده رسول الله ،لا يمكن أن نكون أذلاء أو عبيدًا لهذه الطغمة المتوحشة التي تمارس أبشع صنوف القتل والتدمير والإبادة والتشريد".
أردف سماحته: "لقد صار واضحًا للجميع أن الحرب العدوانية الأميركية الصهيونية على الجمهورية الإسلامية الإيرانية وعلى لبنان، قد فشلت في تحقيق أهدافها التي رمت إلى إسقاط النظام الإيراني والقضاء على المقاومة في لبنان. وها هي الإدارة الأميركية تماطل في التسوية كي تخرج بصورة المنتصر أمام شعبها وخصومها السياسيين في الولايات المتحدة، فيما يتغطرس العدو الإسرائيلي طمعًا أيضًا في صورة نصر يواجه بها رئيس وزراء العدو خصومه السياسيين . لكن الصورة الحقيقية لهذه الحرب، في تقديرنا، تتخطى هذه المفاهيم المادية الموسمية، وتستحضر صورة الحروب التاريخية الماضية بما تتضمنه من ثقافة استعمارية وعقائدية نخشى أن تستمر لمراحل طويلة من الزمن، على الرغم من المحاولات الجارية لوقف هذه الحرب في المرحلة الراهنة. في هذا المجال؛ يبدو أن الملف اللبناني هو أحد العناوين الكبرى التي تعرقل التسوية المنشودة، حيث يصر العدو الإسرائيلي على إبقاء هذا الملف مفتوحًا، فيما ترفض الجمهورية الإسلامية إلا أن يكون بندًا رئيسيًا في الاتفاق المحكي عنه. وهو ما يحملنا على توجيه الشكر لإيران على هذا الموقف المبدئي، والذي كنا نتمنى أن تنسجم معه السلطة اللبنانية بدل الذهاب من دون أي ورقة قوة إلى مفاوضات نعتقد أنها ستمضي في إطار المراوحة والمماطلة غير المنتجة".
ورأى سماحته: أنّ التصعيد "الإسرائيلي" الذي نشهده خلال الأيام الماضية يعبر تعبيرًا واضحًا عن الغضب الذي ينتاب قادة العدو تجاه أي محاولة لوقف الحرب في المنطقة، وقد بات واضحًا أن الفريق الحاكم في الكيان الصهيوني يريد استمرار هذه الحرب للخلاص من مأزقه الداخلي مع اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية. وما يدعو إلى السخرية أن العدو يطالب بوقف النار من جانب واحد، أي من جانب المقاومة، على غرار ما حصل خلال الخمسة عشر شهرًا الغابرة، وهذا في تقديرنا لن يحدث، فإما أن يكون وقف النار شاملًا أو لا يكون، لأن قتلنا وتدمير بيوتنا ليس حلالًا، بينما الحرام هو الرد على جيش العدو. وفي كل الأحوال وفي هذا العيد المبارك، نعود فنؤكد على ثوابتنا التي لا تحتمل المساومة أو التنازل وهي:
أولًا: الانسحاب الكامل والشامل من الأراضي اللبنانية.
ثانيًا: عودة الأهالي إلى بلداتهم وبيوتهم.
ثالثًا : إعادة إعمار ما تهدم
رابعًا : الإفراج عن الأسرى جميعه من السجون الإسرائيلية.
خامسًا : الدعوة إلى حوار وطني لرسم استراتيجية دفاعية بناء على خطاب القسم والبيان الوزاري.
وختم الشيخ الخطيب: "إننا أيها الأخوة، في هذه الأيام المباركة، ندعو الجميع إلى استلهام قيم الحج والأضحى المبارك، في الصبر والتواضع والتضحية والتعاون والتجرد من مظاهر الدنيا. وندعو في هذه المناسبة إلى المزيد من الالتفاف والتعاون والمساعدة لأخوتنا النازحين في المناطق جميعها، بعد أن طالت الأزمة وتزايدت متطلباتها في جميع المجالات. نسأل المولى- عز وجل- أن يعيده على اللبنانيين عامة والمسلمين خاصة بالأمن والنصر والاستقرار والخير والبركات".