عين على العدو
نشرت صحيفة "معاريف" تحقيقًا موسّعًا لمراسلتها في شمال "إسرائيل"، باتيا غلعادي، حول "انهيار المصالح التجارية في "الشمال" الانهيار بعد مرور ثلاثة أشهر على "حرب وقف إطلاق النار".
وأشارت غلعادي، في تحقيقها، إلى أنّ "أصحاب الأكواخ السياحية، المطاعم، المزارعون، وأصحاب المصالح الصغيرة يفيدون بتراجُع حاد في الإيرادات، وإلغاءات واسعة، وشعور عارم بالإهمال، ويبحث الكثيرون إغلاق مصلحتهم وسط مخاوف جادَّة من تحوُّل الأزمة الاقتصادية إلى أزمة ديموغرافية".
وأوضحت غلعادي: "منذ تَجدُّد القتال في نهاية شباط/فبراير (2026)، تَحوَّل الكثير من مستوطنات خط المواجهة والجليل الغربي إلى منطقة يستحيل فيها تقريبًا إدارة روتين حياة طبيعي، وبالتأكيد ليس إدارة مصلحة تجارية. فالمحلّقات، الإنذارات، الاعتراضات الصاروخية، إغلاق المؤسسات التعليمية، وحال عدم اليقين الأمني، كلّها عوامل تضرب كاهل كل قطاع ممكن: السياحة، التجارة، المطاعم، الزراعة، الصناعة، والخدمات".
وعرضت غلعادي حال المستوطن عومري ليرنر، "رائد أعمال وصاحب مصالح تجارية في الجليل الأعلى" الذي "يرافق أصحاب المصالح في المنطقة خلال الأشهر الأخيرة ويحاول مساعدتهم على البقاء"، ونقلت عن ليرنر قوله: "إنّ القدرة على الصمود التجاري بالنسبة إلى المصالح الصغيرة تكاد تكون معدومة في "الشمال". فلا وجود للسياحة، ولا للترفيه، والناس يقلِّصون نفقاتهم؛ لا يشترون سيارات، ولا يرمِّمون بيوتهم، ولا يرتادون المطاعم، ولا يطلبون خدمات. وعندما يغيب الزبائن، تفقد المصالح مبرِّر وجودها".
وأضاف ليرنر: "الضرر أوسع بكثير من قطاع السياحة فحسب، فالجميع يوجِّهون أنظارهم نحو بيوت الضيافة (الأكواخ السياحية) والفنادق، لكنّ مصالح الخدمات، العلاجات، التجارة، والمصالح الصغيرة الأخرى تنهار أيضًا. صاحب مطعم في "كريات شمونة" عاد إلى العمل بعد الإخلاء، ووظّف عمالًا وبدأ يتعافى، يجد نفسه الآن مضطرًّا إلى إعادة تشغيل المصلحة من نقطة الصفر للمرة الثانية. ومعظمهم لم يَعُدْ يملك القوة ولا المال لذلك".
وحذّر ليرنر من "سيرورة أعمق"، قائلًا: "أجرينا فحصًا بين أصدقائنا في المنطقة، وتبيَّن أنّ أكثر من 70 في المئة منهم لم يعودوا يعيشون هنا أو لا ينوون العودة. هؤلاء هم الأشخاص الذين يرفدون الشمال اجتماعيًا واقتصاديًا. وبمجرَّد أنْ يؤسسوا حياتهم في مكان آخر، فليس من المضمون عودتهم".
"نحن آخر من بقي مفتوحًا"
وفي مستوطنة "كيبوتس إيلون"، ذكرت غلعادي أنّ المستوطنَيْن شموليك أكيوز وغاي بري، صاحبا مطعم "حمص أبو بري"، "يحاولان الاستمرار في تشغيل المطعم رغم الواقع المستحيل"، ناقلةً عن أكيوز قوله: "كل المصالح المحيطة بنا أغلقت أبوابها، ونحن كاد نكون آخر من بقي مفتوحًا. لا يوجد متنزِّهون، لا سياح، لا جنود، ولا حركة سير. في اليوم الجيد يدخل إلينا 20 شخصًا فقط. هذا ليس عملًا تجاريًا".
وتابع أكيوز قوله: "حتى الموردِّين باتوا يخشون القدوم إلى المنطقة. هناك مورِّدون يرفضون دخول المكان تمامًا. وآخرون يشترطون حدًّا أدنى للطلبيات لا يعود علينا بالربح. تقضي يومك كلُّه في البحث عن حلول بدلًا من إدارة عملك".
وبعد سنوات من العيش في الجليل، اعترف أكيوز لـ"معاريف" بأنّه بدأ يفكر في المغادرة لأول مرة، فـ"قالوا لنا عودوا بعد الإخلاء، ووعدونا بأنّ الأمور ستكون على ما يرام. لكنْ اليوم لم أعد متأكدًا. أيّ زوجين شابين لن يأتيا للعيش هنا حتى لو عُرِض عليهما منزل بالمجان. الناس يريدون الأمان"، وفق أكيوز.
في فندق "قلب الحرج" في مستوطنة "شوميرا"، هناك "واقع متشابه لـ(المستوطنَيْن) يارون وعودِد شوشاني"، إذ أنّ "الفندق الذي يضم 25 غرفة كان قد تضرَّر خلال الحرب السابقة إثر إصابة مباشرة بصاروخ. وبعد أشهر طويلة من الترميم، عاد إلى النشاط في آذار/مارس2025، ليجد نفسه مجدَّدًا بلا نزلاء تقريبًا".
وأكّد أنّ "حجم الضرر هائل"، قائلًا: "الناس يحجزون لدينا قبل عام كامل. إنّها عائلات كبيرة ومجموعات تحجز 10، 15، بل و20 غرفة. والآن يقومون بالإلغاء. كل إلغاء كهذا يعادل عشرات ومئات آلاف "الشواكل". وفي النهاية نتحدث عن ملايين".
ويجد "صعوبة في فهم هذا الانفصال بين صناع القرار والواقع الميداني"، فـ"أنا أدعو كل أعضاء "الكنيست" إلى القدوم إلى هنا، ليس لجولة مدَّتها ساعة لالتقاط الصور أمام الكاميرات. ليأتوا للنوم هنا، ليسمعوا أصوات المحلّقات، المدافع، والأطفال الذين لا يستطيعون النوم ليلًا"، طبقًا لشوشاني.
أمّا المستوطن أفيحاي فحيمة، أحد أصحاب مصنع المواد الغذائية "زوتا" القائم في مستوطنة "رأس الناقورة"، فيروي أنّ "المشروع أُسس قبل أشهر قليلة من اندلاع الحرب بالتعاون مع شريكه (المستوطن) عيدان ركير".
وبحسب غلعادي، "السنوات الثلاث الأخيرة جعلت إدارة المصلحة مهمة شبه مستحيلة". وأضاف: "نحن نعمل مع 13 عاملًا، هذا الأسبوع لم يحضر سوى 4 أو 5 فقط، والباقون خافوا القدوم. عندما يكون هناك يوم قصف، يلزم بعض العمال بيوتهم ولا توجد أيّ آلية لتعويضهم أو تعويضنا".
ووصف عيدان الذي يعمل مع فحيمة في المصنع، روتين الحياة بأنّه روليت روسية، قائلًا: "هناك أيام تسقط فيها الصواريخ على بعد كيلومترين منا ونواصل العمل لأنّنا اعتدنا على ذلك. هذا ليس طبيعيا، لكنّه الواقع".
وفي "كريات شمونة"، تحاول المستوطنة عينات دردري إنقاذ مصلحتها لبيع الهدايا والمنتجات ذات التصميم الشخصي"، وتقول لـ"معاريف": "إنّ الإيرادات تراجعت بأكثر من 50 في المئة. أعيش من قَرض إلى قَرض. هذا الشهر يُفترَض عادة أنْ يكون الأقوى في السنة بسبب نهاية العام الدراسي، لكنّني لم أجرؤ على طلب بضاعة. لا أعلم إنْ كنت سأكون هنا غدًا وإن كان هناك عمل غدًا".
حتى العمل نفسه يجرى تحت ظلال الإنذارات المستمرة، وفق دردري، قائلةً: "أعمل في العِلِّيَّة ويصرخ ابني لي بأنّ هناك اعتراضًا صاروخيًا. أركض نحو الغرفة المحصنة، ثم أعود للعمل، ثم أركض مجدَّدًا إلى الغرفة المحصَّنة. هكذا يبدو يوم العمل". وتؤكّد أنّ "أصحاب المصالح يصرخون طلبًا للمساعدة منذ سنوات"، مضيفةً: "لا نريد الجلوس في البيت وتَلقِّي المنح، بل نريد أنْ نعمل. ولكن إنْ غاب الزبائن وغاب الأمان، فلا بد من منح المصالح طوق نجاة".
"نحن غير مرئيين"
بدورها، أكدت المستوطنة إيلانيت دادوش كالفون، صاحبة مزرعة ماعز وأكواخ سياحية ومزرعة علاجية في الجليل، لغلعادي "أنّنا نشعر أنّنا غير مرئيين. إنْ كانت الحكومة تريد بقاءنا هنا، فلتفصح عن خطتها. كيف يُفترَض بي إعادة بناء نفسي إذا كنت لا أستطيع بيع حجوزات المبيت في الأكواخ، ولا بيع الجلسات العلاجية في المزرعة، ولا بيع ما يكفي من الحليب؟".
وشدّدت المستوطنة على أنّ "الأثر النفسي يزداد عمقًا أيضًا"، مضيفة: "أرى الأولاد وأصدقاءهم الذين عادوا من الخدمة الاحتياطية؛ حالات قلق، اضطرابات نوم، وصعوبات نفسية. نحن بحاجة إلى إعادة إعمار المصالح التجارية، لكنَّنا بحاجة أيضًا لإعادة إعمار جيل كامل".
وذكرت غلعادي أنّ "المشاعر القاسية" لا تتوقف عند هذا الحد؛ إذ تروي مستوطنة صاحبة مجمَّع استضافة في مستوطنة "نطوعا"، طلبت عدم الكشف عن اسمها، أنّ "المصلحة مغلقة تمامًا منذ تجدُّد القتال"، وتقول: "نطلب من الناس إلغاء الإجازات التي حجزوا لها لأنَّنا لا نريد تضليلهم. فهناك محلِّقات، ومدافع، وكل شيء مغلق. لا يمكن التنزّه، ولا الخروج إلى مطعم، ولا الاستمتاع".
ووفقًا لها، فإنّ "الضربة الأشد هي الاقتصادية. لم نتلقَّ سوى دفعة مقدمة بنسبة 20 في المئة أو 30 في المئة فقط عن شهر آذار/مارس (2026)، ومنذ ذلك الحين لا شيء. نحن الآن في حزيران/يونيو، والخزائن فارغة. ضريبة الأملاك تستمر في الصدور، والفواتير تواصل القدوم، لكنْ لا وجود للإيرادات". وتابعت قائلةً: "الكثير من أصحاب المصالح أصابهم اليأس بالفعل. الناس يدفعون مالًا من بيوتهم للاحتفاظ بمصالح مغلقة. هذا وضع لا يمكن أنْ يستمر، والكثير أعلنوا بالفعل عن أنّهم لن يعودوا".
وخلصت غلعادي في ختام تحقيقها إلى القول: "يتكرر الشعور ذاته؛ ليس الخوف الاقتصادي فحسب، بل خشية حقيقية على مستقبل المنطقة بأسرها"، وتستدل على ذلك بقول المستوطن شوشاني: "نحن لا نطلب صدقات، بل نريد أنْ نعمل. نريد تربية الأطفال هنا، ونريد الاستمرار في العيش في الجليل الذي نحبّه. ولكن إنْ لم تقف الحكومة معنا الآن، فلن يتبقّى هنا في اليوم التالي أحد لنقوم بإعادة تأهيله".