نقاط على الحروف
كاتب فلسطيني من غزة
حاصل على شهادتي بكالوريوس علوم قانونية وإدارية
ودورة في القانون الدولي
يحارب محورُ المقاومة، أقوى جيش في العالم بالاستعراض، وأقوى جيش في العالم بالكذب، وأقوى جيش في العالم بالدعاية، وأقوى جيش في العالم بالإمعيّة والتبعيّة، والإمعيّة والتبعيّة هنا حقيقة لا مجازًا، بمعنى لو تخلّت أميركا عن هذا "الجيش" عشر دقائق فقط، لكان وصل خلالها إلى ألاسكا هروبًا، وذيله بين قوائمه.
لذلك يستطيع أن يجعل مِن رفع العلم على قلعة الشقيف نهاية التاريخ، وأن يجعل من تسلّل بعض قواته إلى القلعة فتحًا عظيمًا، وكذلك فإنّ هذا "الجيش" يمتلك قيادةً عسكريةً تمتلك فاهًا أكبر من فوهات مدافع "الميركافا"، ويمتلك قيادةً سياسيةً لديها فم أكبر من أفواه الحيتان، ولديها ألسنةٌ أطول من عمر الكيان، لذلك تستطيع تضخيم كل خطوة إلى الأمام باعتبارها قفزةً تاريخية.
حين نسترجع التاريخ القريب لقلعة الشقيف، نستنتج أنّ السيطرة عليها عملٌ معنوي أكثر منه عسكري، فبعد أربعة أيام من المعارك الضارية عام 1982، مع ثلاثين فدائيًا من قوات منظمة التحرير الفلسطينية، استطاع ألف وخمسمائة جندي من جيش العدو السيطرة على القلعة، وبقي يتعرّض للقصف والهجمات الدائمة، فانسحب منها، وقام بتسليمها لقوات لحد العميلة، وهذا التسليم يعني أنّ كلفة بقائه هناك لا تستحقها الأهمية العسكرية والاستراتيجية للقلعة.
تبدأ ساعة الصفر بصورة لجنود العدو، وهم في حالة استرخاء وطمأنينة ينشرها جيشهم، فيجري تدشين منظومة كاملة من التهويل والتهوين والتوهين، تهويل منجزات جيش العدو، وتهوين عمل المقاومة، وتوهين البيئة الحاضنة للمقاومين، وكلها تهدف إلى توقيع الهزيمة التي لن تقع، وإلى إيصال رسالة بأنّ المقاومة بلا جدوى، وأنّ الاستسلام هو أقصر الطرق للسلامة والأمن.
ثمّ يجري إغراق الفضاء الإعلامي والشعبي والرقمي بمغالطات منطقية، وإرهاق الأذهان بخيارات تتراوح بين السيّئ والأسوأ، ومثال ذلك "التخيير بين الإصرار على مجاراة مصالح إيران، مع دفع الأثمان الباهظة، وبين القبول بشروط "إسرائيل" مع وقف النزيف"، ويبدأ التركيز على تلك الخيارات، فتصبح هي القضية المحورية، بتجاهل أصل المأساة، وهو العدوان والطبيعة العدوانية للكيان، ومحاكمة الضحية لأنّ خياراتها "لم تكن لبنانية"!
فالخيارات "اللبنانية" بزعم هذه "الماكينة" هي الاستسلام المطلق، وهو استسلامٌ مبنيٌّ على مغالطات فادحة، وهي أنّ الاستسلام سيأتي بالأمن والرخاء، وأنّ الدفاع عن لبنان ليس حربًا لبنانية، وأنّ عدوانية الكيان دفاعٌ عن النفس، فلولا سلاح المقاومة، لما تكبّد العدو أكلاف التوغل في لبنان، رغم أنّ الشواهد والوقائع تدحض كل تلك المغالطات، لكن هناك دومًا من يريد أن يتعامى فيصدّق، لشيءٍ في نفسه أو جيبه سيّان.
ولكن السؤال الذي يؤرّق الأذهان فعلًا: من أين لهذا "الجيش" القدرة على تحمّل الحروب الطويلة والاستنزاف المستدام، والتي يراها الناس مفاجأة، حيث كان الاعتقاد السائد أنّ هذا الجيش يسعى لحروب خاطفة وسريعة وخارج حدوده. والحقيقة أنّ هناك عدة أسباب دينية واجتماعية واقتصادية، بينما أهم تلك الأسباب، هي أنّ أميركا تريد أن تحارب حتى آخر يهودي، دفاعًا عن قلب الإمبراطورية في "الشرق الأوسط"، والثاني أنّ هذه الإرادة الأميركية أولًا، التقت مع رغبات نتنياهو بالتشبّث بالسلطة.
لذا فإنّ توسيع العدوان على لبنان ليس تمرّدًا "إسرائيليًا" على قرارات ترامب الخاصة بطاولة إسلام أباد، إنّما هو عدوانٌ أميركي عبر الأداة القذرة، يستهدف قضم الجغرافيا وقضم الوقت وقضم المنجز الإيراني بفرض وقف النار في لبنان على الكيان في إسلام أباد، ويهدف كذلك إلى جرجرة السلطة الرسمية اللبنانية لتقديم تنازلات مؤلمة، تؤدي في النهاية إلى اصطدام الجيش اللبناني بالمقاومة.
ولكن حزب الله الذي يخوض حربًا دفاعية لا حربًا هجومية، حيث يلتزم بالرد على الإجرام الصهيوني، فالتصعيد بالتصعيد، والتهدئة بالتهدئة، والانحسار بالانحسار، ولو كان يخوض حربًا هجومية في سبيل إيران - كما تدّعي تلك "الماكينة" - لكان المبادر بالتوسعة. الحزب الذي يصد العدوان على لبنان بأغلى الدماء وأسمى المهج، لن يسمح لمخطط الصدام هذا أن ينجح.
كما لن يسمح بنجاح استعراض العدو في قلعة الشقيف، أو أن يمر توسيعه المتوقع للعدوان تجاه بيروت والضاحية، أن يمر على "جيش" الكيان بردًا وسلامًا، بل سيتم تدفيعه أكلافًا موجعة، وسيتم إيذاؤه وإيلامه حد الصدمة، كما قال أمين عام حزب الله الشيخ نعيم قاسم: "نحن أمام وحش هائج لا يتحمل أن تمنعه المقاومة من تحقيق أهدافه. ولكننا نحن من سيمسك رسنه ونعيده إلى الحظيرة".