مقالات
دكتوراه في العلوم الاجتماعية
في مشهد مفاوضات واشنطن، تحدث ترامب كثيرًا عن اتصاله بحزب الله. أما الأمين العام لحزب الله سماحة الشيخ نعيم قاسم فلم يذكره لا من قريب ولا من بعيد. ثلاثة خطابات تصادمت هذا الأسبوع، لكن واحدًا منها فقط كان صامتًا، وهذا الصمت هو الذي انتصر.
في السياسة، كما في المسرح، أحيانًا ما لا يُقال هو الخبر كله. والذي غاب عن بيانات هذا الأسبوع الحامي في بيروت وواشنطن و"تل أبيب" كان أهم مما حضر.
لنبدأ من المشهد الخام.
صباح الأربعاء، تتنفس العواصم ثلاثتها الصعداء: جرى الاتفاق. بيان مشترك صدر عن مفاوضات واشنطن بين لبنان و"إسرائيل" برعاية أميركية. لغة دبلوماسية أنيقة ومحايدة: «اتفقت الأطراف»، «تم التأكيد»، «وجدد الطرفان». كلمات لا يظهر فيها فاعل ولا ضحية. الورق يلمع، لكنه لا يصمد كثيرًا.
بعد ساعات قليلة فقط، خرج الرئيس الأميركي دونالد ترامب ليقول ما لم يقله البيان. تحدث إلى حزب الله بل إن الحزب هو من اتصل بالبيت الأبيض وسأل: «ما رأيكم بالتوقف؟». كرر ترامب الرواية مرات ومرات، في إلحاح بدا غريبًا على رجل في موقعه.
كان يمكن للقصة أن تمر مرور الكرام، لولا أن الجهة المعنية بالادعاء قررت، بكل بساطة، ألا ترد.
ثلاثة خطابات: متكلم ومأزوم وصامت
في هذا المشهد، تقف أمامنا ثلاث استراتيجيات خطابية مختلفة، تكاد أن تكون مختبرًا سياسيًا مصغرًا.
الأولى، استراتيجية الرئيس الأميركي. ترامب لا يصف واقعًا، بل يخلق واحدًا. هو لا يقول إنه «يتفاوض» مع حزب الله، بل يبني بالكلمات مشهدًا جديدًا: المقاومة التي طالما شيطنتها واشنطن، تطلب الآن التوقف. يريد ترامب أن يزرع «دالًا» جديدًا في قاموس الصراع: حزب الله يتصل بنا. بهذه الجملة المكررة، يحاول ضرب صورة «الصامد» من الخلف دون مواجهتها من الأمام. وفي الوقت نفسه، يوجه رسالة أقسى إلى حلفائه المفترضين في بيروت: أنتم لستم أطرافًا حقيقيين في هذه اللعبة. من يملك القرار على الأرض هو من يُتصل به.
هذا ليس مجرد كذب سياسي، كما قد يبدو للوهلة الأولى. هذا «ابتزاز إدراكي» بالمعنى الدقيق. فحين يقول ترامب إنه تحدث مع حزب الله مباشرة، متجاوزًا الدولة اللبنانية التي تفاوضه في واشنطن، فهو يعلن، عمليًا، أن رئيس الجمهورية وحكومته مجرد واجهة، وبذلك، يتركهما عاريين أمام جمهورهما، لا هما شريكان في القرار، ولا هما قادران على الإمساك بخيوط المشهد.
الثانية، استراتيجية السلطة اللبنانية. الرئيسان جوزف عون ونواف سلام وقعا في شرك «الأسر الطوعي». سلام يقول إن نزع سلاح الجنوب ليس شرطًا أميركيًا "إسرائيليًا"، بل «تعهد» لبناني منذ 2006. هذا تبرير عجيب: أن تعيد تأطير التنازل الذي يُفرض عليك اليوم وكأنك اخترته بنفسك بالأمس. وعون يعوّل على «الراعي الأميركي» و«الدور الصلب» للرئيس ترامب. هكذا، يتحول الخطاب الرسمي إلى صدى لخطاب الوسيط. هما لا يتفاوضان، بل يديران أزمة داخل إطار رسمه غيرهما.
لكن الضربة الموجعة أتت من مكان آخر. فعندما قال ترامب إنه «تحدث مع حزب الله»، انهارت رواية «الإنجاز التفاوضي» برمتها. إذا كان الحل يُصنع في اتصال جانبي، فما الذي كانت تفعله السلطة في واشنطن طوال هذه الأسابيع؟
الثالثة، وهي الأكثر إثارة للتأمل، استراتيجية الشيخ نعيم قاسم. الرجل الذي خرج ببيان مطول، وصف فيه الاتفاق بأنه «خارطة طريق لإبادة قسم من الشعب اللبناني واستعباد الباقي»، لم يخصص كلمة واحدة للرد على ترامب. لا تأكيد ولا نفي، لا غضب ولا سخرية، صمت كامل.
لماذا؟
حين يكون الصمت هو الرد الوحيد
كي نفهم هذا الصمت، علينا أن نعود خطوة إلى الخلف ونطرح السؤال: ماذا كان يريد ترامب حقًا؟
لم يكن يريد اعترافًا سياسيًا بحزب الله. واشنطن لم ولن تعترف بطرف تصنفه «إرهابيًا». ما كان يريده ترامب هو شيء أخطر وأعمق: «اعتراف إجرائي». أن يتحول الحزب، في الوعي الجمعي، من «عدو خارج الإطار» إلى «خصم داخل الإطار». أن يصبح طرفًا يمكن الاتصال به، ومحاورًا يمكن تحميله مسؤولية الالتزامات، وشريكًا ضمنيًا في لعبة تديرها واشنطن.
ادعاء ترامب لم يكن اعترافًا، بل كان فخًا. والرد على هذا الادعاء، حتى لو كان بالنفي، كان سيمنح ترامب ما يريد بالضبط: أن يصبح «طرفًا يُخاطَب» يستحق الرد. النفي وحده كان سيعني قبولًا بمبدأ «إمكانية التواصل»، وهو بذاته مكسب استراتيجي لواشنطن.
قاسم، بصمته، رفض أن يمنح ترامب هذا المكسب. قال له بصمت مطبق: «مهما حاولت، لن تنتزع منا اعترافًا بوجودك كمحاور. لن ندخل مسرحك. لن نكون جزءًا من لعبتك».
هذا ليس عجزًا عن الكلام. هذه «هندسة صمت» بكل ما في الكلمة من معنى. حين يكون الكلام فخًا، يكون الصمت هو القوة. حين يكون الرد اعترافًا، يكون التجاهل هو الانتصار.
ما قاله الصمت
يقول المنظرون العسكريون إن بعض المعارك تُكسب بعدم خوضها. في السياسة، وبالأخص في «هندسة الخطاب الصراعي» كما يسميها دارسو هذا المجال، بعض الحروب الإدراكية تُحسم بالصمت لا بالضجيج.
لقد انتصر الصمت هذا الأسبوع على ثلاث جبهات:
في الجبهة الأولى، أفشل محاولة ترامب لسرقة «اعتراف إجرائي» من العدو الذي يحتاجه ليبيع «إنجازًا» لجمهوره. تُرك ترامب وحده يكرر روايته، كمن يصرخ في وادٍ فارغ. وكلما أعاد الادعاء، بدا أكثر إلحاحًا، وأكثر هشاشة. هذا ما يمكن تسميته بـ«الاستنزاف الإدراكي العكسي»: أن تترك خصمك يتآكل بنفسه.
في الجبهة الثانية، حصّن الجمهور. الجمهور الذي تلقى خطابًا هندسيًا محكمًا قبل ساعات («الاتفاق استسلام وليس سلامًا») لم يعد بحاجة إلى من يدافع عنه. الصمت هنا كان رسالة ثقة: أنتم تعرفون الحقيقة، ولا تستحق الأكذوبة ردًا.
أما في الجبهة الثالثة، فقد كشف الصمت، من طرف خفي، هشاشة خطاب السلطة اللبنانية. فبينما كان المسؤولون في بيروت يتحدثون عن «الإنجاز» و«الفرصة الأخيرة»، كان ترامب يقول للعالم إنه يتحدث مع غيرهم. وبينما كانوا يعوّلون على «الراعي الأميركي»، كان الراعي نفسه يتجاوزهم. وهكذا، انهارت روايتان في آن: رواية «الإنجاز» التي لم تكن موجودة أصلًا، ورواية «الشراكة» التي أثبت ترامب أنها وهم.
في الختام
في السياسة، كما في الحياة، ثمة لحظات يكون فيها الصمت أعلى من كل الكلام. ليس صمت العجز، بل صمت القوة، ليس صمت الغياب، بل صمت الحضور الذي يختار ألا يحضر حيث لا يريد.
حين خرج ترامب هذا الأسبوع ليقول إنه تحدث إلى حزب الله، ربما ظن أنه يسجل نقطة. لكنه في الحقيقة كان يلعب في ملعب خصم يعرف متى يتكلم، ومتى يصمت. وفي لعبة الأمم، كما في لعبة الشطرنج، أحيانًا تكون النقلة التي لا تلعبها هي التي تكسبك المباراة كلها.