اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي الشيخ الخطيب: بيان مفاوضات واشنطن يفتح الأبواب أمام فتنة يهدف إليها العدو

نقاط على الحروف

وطن بلا مخالب: مخطط سلطة الاستسلام لشطب الكيان اللبناني
🎧 إستمع للمقال
نقاط على الحروف

وطن بلا مخالب: مخطط سلطة الاستسلام لشطب الكيان اللبناني

143

إعلامي وباحث في الشأن السياسي

لم يكن مستغربًا أن تأتي كلمة الرئيس نواف سلام، في افتتاح الجلسة الحكومية الأولى بعد بيان الاستسلام الرسمي من واشنطن، محملة بجرعات مكثفة من التبرير والالتفاف على الحقائق والوقائع الميدانية والتاريخية، فالخطاب في جوهره وبنيته ومضامينه، لا يمثل مجرد قراءة دبلوماسية باردة لواقع مشتعل، بل هو إقرار علني بالخضوع، ووثيقة استسلام مقنّعة بعبارات "العقلانية" و"الواقعية السياسية".

لقد وضعت السلطة الحاكمة اللبنانيين أمام معادلة بائسة تزعم أن "مسار التفاوض هو الطريق الأسرع والأقل كلفة"، في لغة إنشائية تهدف إلى تخدير الوعي الجمعي، والتعمية عن مكامن الضعف والهزيمة التي يحاول العهد مأسستها وجعلها قدرًا محتومًا على لبنان واللبنانيين، ولا سيما على أهل الجنوب الذين خبروا طوال عقود أن الحقوق لا تُستجدى على طاولات السماسرة الدوليين، بل تُنتزع بالمقاومة والصمود.

اعترافات العجز وسقوط الرهانات الدولية

يقع خطاب سلام كما نهج السلطة في تناقض بنيوي صارخ وفاضح منذ البداية، فبينما يجهد لتسويق المفاوضات على أنها "الخيار الأفضل"، يندفع مباشرة ليقدم كشف حساب ذاتيًّا يفند فيه جدوى هذا الخيار ويهدمه من أساسه! فما معنى أن يقول بصريح العبارة: "كان يمكن أن نذهب إلى المحاكم الدولية التي تستغرق سنوات فيما نخسر في أثنائها المزيد، أو أن نلجأ فقط إلى مجلس الأمن ونشهد العرقلة والفيتوهات السياسية فيما يستمرّ الدمار"؟

إن هذا التوصيف ليس مجرد قراءة لواقع الحال، بل هو اعتراف رسمي صريح بعقم الدبلوماسية الدولية، وسقوط مطلق للرهان على ما يسمى "المجتمع الدولي". إنه إقرار واضح بأن الأمم المتحدة ومجلس الأمن ليسا سوى مسرحين لتسلط القوى العظمى، وبأن الفيتوهات السياسية الجاهزة سلفًا كفيلة بإجهاض أي حق عربي أو لبناني.

وإذا كان رئيس السلطة التنفيذية يعلم، علم اليقين، أن هذه المؤسسات الدولية محكومة بشريعة الغاب السياسية والانحياز الأعمى للاحتلال الإسرائيلي، فكيف يستقيم منطقيًا وعمليًا حصر الحل والإنقاذ في مفاوضات تجري برعاية وإشراف وتوجيه من تلك القوى العظمى ذاتها، وعلى رأسها الإدارة الأميركية الشريك الفعلي والراعي الرسمي للعدوان؟

إن الاعتماد على القوى الخارجية في ظل هذا الاعتراف بالعجز والارتهان ليس سوى رهان على السراب، ومحاولة لبيع الأوهام للشعب اللبناني، فالذهاب إلى مفاوضات غير متكافئة، جردت فيها السلطة السياسية نفسها مسبقًا من أي أوراق قوة، هو خيار انتحاري يقود حتمًا إلى شرعنة الشروط "الإسرائيلية" وتثبيتها كالتزامات دولية على عاتق الدولة اللبنانية.

المفاوضات وإسقاط عناصر القوة

لا يغيب عن عاقل ممارسة خطاب السلطة عملية تزييف ممنهجة للمفاهيم، حين يربط بين نيل الحقوق وبين ما يسميه "التفهّم الأميركي ودعم الأشقاء العرب والدعم الدولي". هنا تبرز الهزيمة النفسية والسياسية في أوضح تجلياتها، فحينما يقال عن "تعنت إسرائيلي" واجهه الوفد اللبناني، تبرز ضرورة المواجهة بالاستناد إلى مصادر القوة الحقيقية لردع هذا التعنت، إلا أن المفاوض (المنسّق) اللبناني انكفأ إلى المطالبة بـ"الانسحاب الكامل وعودة الأهالي بكامل الكرامة والأمان" عبر بوابة "التفهم الأميركي"! وهو يعلم أن تسليم رقبة القرار السيادي اللبناني لـ"التفهم الأميركي" هو تسليم مباشر للرغبات والمخططات "الإسرائيلية". فالولايات المتحدة لم تكن يومًا وسيطًا نزيهًا، بل كانت وما تزال وستبقى طرفًا أصيلًا في المعركة، وتستخدم الدبلوماسية والتهويل كأدوات ناعمة لإنجاز ما عجزت الآلة العسكرية "الإسرائيلية" عن تحقيقه في الميدان.

ويكمن التناقض الأكبر والأخطر في تجاهل الخطاب، المتعمد والكامل، لنقاط القوة الحاسمة والمجرّبة التي يمتلكها لبنان، فإن هذه السلطة تتصرّف وكأن لبنان بلا حامٍ، وبلا تاريخ من العزة، وبلا معادلات ردع، وتتناسى - أو تتعامى عمدًا - عن التاريخ القريب والبعيد الذي شهد تحرير العام 2000، حين أجبرت المقاومة جيش الاحتلال على الاندحار ذليلًا من معظم الأراضي اللبنانية المحتلة، بلا قيد أو شرط، وبلا صكوك استسلام، نتيجة العمليات العسكرية البطولية للمقاومة، دون أن ينتظر لبنان يومًا "تفهمًا أميركيًا" أو "قرارًا من مجلس الأمن".

أما في انتصار تموز العام 2006 فقد تحطمت أسطورة "الجيش الذي لا يُقهر" عند صخرة الصمود الأسطوري للمقاومة وشعبها، وأُحبطت مشاريع "الشرق الأوسط الجديد" التي بشرت بها وزيرة الخارجية الأميركية آنذاك كوندوليزا رايس، وكذلك في الحرب الراهنة منذ العام 2023 حتى اليوم حيث تبرهن المقاومة وشعبها وبيئتها، بالصبر والدم والتضحيات الجسام والعمليات النوعية، قدرتها العالية على الصمود والمواجهة، وإلحاق الخسائر الفادحة بالعدو، وتثبيت معادلات وموازين قوى تمنع الاستفراد بلبنان وتجعل من اجتياحه أو فرض الشروط عليه أمرًا باهظ الكلفة ومستحيلًا.

إن حصر الحل في "المفاوضات المذلة" والقفز فوق هذه الإنجازات الميدانية المشرّفة يعني شيئًا واحدًا: التسليم بمبدأ الاستسلام، واعتماد منطق الخضوع، واستبدال معادلة الردع الذهبية (الجيش والشعب والمقاومة) بمعادلة حجرية قوامها الاستجداء والارتهان لوعود السفير والمبعوث الأميركيين.

القرار 1701 واتفاق الطائف

إن أكثر ما يجدر التوقف عنده هو التشويه والتحريف من خلال استحضار القرار الدولي 1701 واتفاق الطائف في سياق تسويغي هجومي، يهدف إلى تبرئة ساحة النهج الانكفائي وإلقاء اللائمة على الأطراف الوطنية المقاوِمة، فكيف يقال إن خلو جنوب الليطاني من المسلحين والسلاح "ليس شرطًا فرضه أحد على لبنان، بل هو ما تعهّد به لبنان أمام العالم عام 2006"؟

إن هذه القراءة المحرّفة تغفل عن قصد الطرف الأساسي، وهو الاحتلال الإسرائيلي، الذي انتهك وينتهك هذا القرار منذ لحظة صدوره آلاف المرات، عبر خروقاته الجوية والبرية والبحرية اليومية، واحتلاله المستمر لبلدة الغجر ومزارع شبعا وتلال كفرشوبا، وصولًا إلى حربه التدميرية الشاملة. فلماذا تتبرع السلطة في لبنان بتقديم صكوك البراءة للعدو، وتتحوّل إلى أداة تنفيذية تطالب بالالتزام الأحادي الجانب، ضاربة عرض الحائط (في الحد الأدنى) بمبدأ المعاملة بالمثل والسيادة المشروطة بحماية الأرض؟

أما العودة إلى اتفاق الطائف والتباكي على تأخر تطبيق حصرية السلاح، والحديث عن "إضاعة الفرص في الأعوام 2000 و2005"، فما هي إلا محاولة بائسة لقلب الحقائق التاريخية، حيث إن سلاح المقاومة لم يكن يومًا منافسًا لشرعية الدولة، بل كان وما يزال، الرد الطبيعي والشرعي على غياب الدولة وعجزها عن صون حدودها وحماية أبنائها من الأطماع والاعتداءات "الإسرائيلية" المستمرة منذ نشأة الكيان الغاصب.

لقد نصّ "اتفاق الطائف" بوضوح على الحق في اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لتحرير جميع الأراضي اللبنانية من الاحتلال "الإسرائيلي" بشتى الوسائل، وفي مقدمتها المقاومة، وبالتالي فإن محاولة تصوير السلاح المقاوم كعائق أمام قيام الدولة، في وقت يهدد فيه العدو الكيان بأسره بالإبادة والتهجير، هي نغمة مشبوهة تلتقي بالكامل مع الأهداف "الإسرائيلية" والأميركية الرامية إلى تجريد لبنان من درعه الحامي لتسهيل الاستفراد به وقضم أراضيه وثرواته.

الانتشار التجريبي شرعنة التنازل والتفتيت

لعل الجانب الإجرائي الأكثر خطورة في نهج السلطة هو الإعلان عن الخطوة المقبلة المتمثلة بـ"انتشار الجيش اللبناني في مناطق تجريبية كمرحلة أولى"! إن مصطلح "المناطق التجريبية" في علم السياسة والأمن يحمل دلالات خطيرة للغاية؛ فالسيادة الوطنية لا تُجزأ، والأوطان لا تخضع للتجارب والاختبارات، كما أن القبول بانتشار مجتزأ ومشروط، وضمن بقع جغرافية محدّدة ترسمها تفاهمات تحت الطاولة، هو تكريس لمنطق "الكانتونات" والخطوات المجتزأة التي تخدم الترتيبات الأمنية للاحتلال، وليس السيادة اللبنانية.

إن هذا الطرح يعكس الرغبة في تحويل مؤسسة الجيش اللبناني الوطنية والجامعة، من عقيدتها القتالية القائمة على مواجهة العدو الصهيوني وحماية الحدود، إلى دور "حرس حدود" وشرطي أمني لحماية أمن المستوطنات "الإسرائيلية" في شمال فلسطين المحتلة، وإخلاء المنطقة لصالح الترتيبات الأميركية. ومن خلال استعجال التنفيذ والتهديد بأن "كل ساعة تمر هي ساعة يدفع ثمنها الجنوب"، تمارس السلطة نوعًا من الابتزاز السياسي والتهويل والضغط النفسي على البيئة الحاضنة للمقاومة، لتحميلها مسؤولية الدمار والضحايا، وتبرئة آلة القتل الصهيونية من جرائمها مقابل تحميل الضحية وزر الجريمة.

إن السياق السياسي الذي تنتهجه السلطة لا يدع مجالًا للشك في أن هذا العهد لا يتصرف كقيادة وطنية تدير أزمة وجودية انطلاقًا من المصلحة الوطنية العليا، بل يتصرف كأداة تنفيذية طيّعة بيد الإدارة الأميركية، ولا بد من وعي حقيقة أن المخطط الفعلي الذي يمرّر عبر هذه السياسات والمفاوضات يتجاوز مسألة الترتيبات الأمنية على الحدود الجنوبية، ليتصل مباشرة ببنية الكيان اللبناني ومستقبله، وذلك بضرب استقراره وتهشيم مؤسساته من خلال تعميق الشرخ بين مؤسسات الدولة الرسمية (وعلى رأسها الجيش) وبين القوى الشعبية والمقاومة، ومحاولة إحداث صدام داخلي عبر خطابات التخوين والتحريض المبطن، وهو ما يؤدي إلى شلل تام في قدرة الدولة على الصمود والنهوض.

إن الخطاب الذي يقسّم اللبنانيين بين من يريد "الحياة والسلام والتفاوض" وبين من "يجرّ البلد إلى الخراب"، هو بمثابة فرز فئوي بغيض يضرب السلم الأهلي والنسيج الاجتماعي المتنوع، ويغذي الأحقاد الداخلية لتسهيل السيطرة على المجتمع وتوجيهه نحو خيارات الاستسلام. في موازاة ذلك فإن محاولات فرض ترتيبات أمنية وجغرافية خاصة بجنوب الليطاني، وفصله أمنيًا وسياسيًا عن بقية المكوّنات اللبنانية، يمهّد نظريًا وعمليًا لتنفيذ مشاريع الفيدرالية والتقسيم والفرز الطائفي والمناطقي، وهذا الهدف يعدّ مطلبًا تاريخيًا للكيان الصهيوني (وكذلك لسمير جعجع وتوم براك) الذي يرى في "لبنان الموحد، القوي بمقاومته وتنوّعه" خطرًا وجوديًا عليه، ويسعى دومًا لتأسيس دويلات طائفية متناحرة تدور في فلكه.

إن النتيجة الحتمية لهذا المسار الانحداري هي إلغاء الوجود اللبناني كوطن ذي حدود سيادية وقرار مستقل، وتحويله إلى مجرد محمية أمنية أميركية - "إسرائيلية"، بلا هوية وطنية جامعة، وبلا قدرة على الدفاع عن ثرواته النفطية والمائية والبرية، تتقاذفه مصالح القوى الخارجية وتتحكم بمصيره سفارات الغرب.

إن الدعوة إلى "العمل معًا تحت سقف الدولة" تبدو في ظاهرها حقًا لكن يُراد بها باطل الاستسلام، فالدولة التي تسعى هذه السلطة للعمل تحت سقفها هي دولة منزوعة المخالب، مسلوبة الإرادة، فاقدة للسيادة، تستجدي أمنها من الإدارة الأميركية وعطف المجتمع الدولي العاجز، وعليه فإن المصلحة الوطنية الحقيقية، والمسؤولة أمام التاريخ وأمام تضحيات الشعب اللبناني، لا تتحقق بتقديم التنازلات المجانية للعدو المتعنت، ولا بالانقلاب على عناصر القوة التي حمت لبنان وحفظت كرامته، أما الطريق الأقصر والأقل كلفة، والأكثر شرفًا، فهو الطريق الذي يزاوج بين حكمة الدولة وشجاعة المقاومة وصمود الشعب؛ وهو الخيار الذي يستند إلى الميدان لفرض الشروط الوطنية، وليس الاستماع إلى الإملاءات الخارجية.

إن الطرف الذي يرفض ويماطل في الانصياع للإملاءات الأميركية والصهيونية ليس هو الذي يتحمل وزر ما يترتب على ذلك، بل إن السلطة السياسية التي تمارس التخاذل الممنهج وتفرط بأوراق القوة التاريخية، هي التي ستتحمل وحدها وزر ضياع الوطن وتفتيت كيانه أمام التاريخ، وأمام الشعب اللبناني الذي لن يغفر لمن أراد تحويل انتصاراته وتضحياته إلى صكوك خنوع واستسلام على طاولة الرهانات الخاسرة.

الكلمات المفتاحية
مشاركة