إيران
اهتمت الصحف الإيرانية، اليوم الثلاثاء (09 حزيران 2026)، بتحليل أبعاد الرد الإيراني على الكيان الصهيوني بعد قصفه للضاحية الجنوبية في بيروت. إذ رأت الصحف أن هذا الرد لا يمكن عدّه أمرًا تكتيكيًا، بل له دلالات تكشف وجه إيران الجديد في المستقبل، الحركة الدبلوماسية لا يمكن أن تشلّ الحركة العسكرية الميدانية.
ما بعد المنطقة.. ما هو مفهوم إيران الجديد للردع؟
كتبت صحيفة وطن أمروز: "أصدر الحرس الثوري الإسلامي بيانًا بالغ الأهمية، قبل أسابيع، جاء فيه أنه في حال تكرر العدوان الأميركي والصهيوني على إيران، فإن الجمهورية الإسلامية ستوسع نطاق المعركة هذه المرة إلى ما وراء حدود المنطقة. في هذا البيان، أشار الحرس الثوري، في معرض حديثه عن إخفاقات الولايات المتحدة والصهيونية، إلى أن إيران لمّا تستخدم بعد كامل قدراتها. وحذر الحرس الثوري من أنه في حال تكرر العدوان على إيران، فإن الحرب التي وُعد بها سابقًا ستتجاوز حدود المنطقة، وستصل ضربات إيران إلى أماكن لا يتخيلها العدو.. لا تُعد هذه العبارات مجرد حرب نفسية أو دعاية إعلامية، بل تحذيرًا مدعومًا بخبرة عملياتية وثقة بالنفس ناتجة عن الحرب الأخيرة؛ وهي حرب، وفقًا للعديد من المحللين، كشفت صورة مختلفة عن القوة الحقيقية لإيران وهشاشة أميركا أمامها.
تتابع الصحيفة: طبعد صدور بيان الحرس الثوري الإيراني، درس الخبراء والمحللون أهداف إيران المحتملة العابرة للمنطقة في حرب مستقبلية محتملة؛ وهي مسألة تُناقش حاليًا في الأوساط السياسية والأمنية والعسكرية للولايات المتحدة والكيان الصهيوني، في ظل تبادل إطلاق النار بينهما، حول خطة إيران لتحويل الحرب إلى حرب عابرة للمنطقة. تعد عبارة "ما وراء المنطقة"، والتي وردت في بيانات حديثة وتصريحات لبعض القادة العسكريين الإيرانيين، أحد أهم المفاهيم الاستراتيجية، وهو مفهوم غامض بطبيعة الحال. إذا نظرنا إلى هذا البيان لا بوصفه بوصفه شعارًا سياسيًا، بل كونه عقيدة عملياتية،ـ كما هو الحال مع بيانات أخرى استخدمتها إيران؛ـ فإن السؤال: ما الذي تحدثت عنه إيران تحديدًا؟ هل المقصود هو التوسع الجغرافي لساحة المعركة؟ هل يتعلق الأمر بدخول مجالات جديدة في الحرب، كالحرب الإلكترونية والاقتصاد، أم أن طهران ترسل رسالة مفادها أنها تخلّت عن البنية التقليدية للصراعات في غرب آسيا؟
تجيب الصحيفة عن سؤالها بالقول: "لفهم هذا المفهوم، لا بد من الانتباه أولًا إلى واقع استراتيجي. فعلى مدى العقود الأربعة الماضية، تمحورت معظم مواجهات إيران المباشرة وغير المباشرة مع الولايات المتحدة ونظام الاحتلال حول منطقة غرب آسيا. من الخليج والعراق إلى سوريا ولبنان والبحر الأحمر، كانت جميع ساحات التنافس الرئيسة تقع في هذه المنطقة. وحتى عندما بلغت التوترات ذروتها، سعت الأطراف جاهدًة إلى عدم توسيع نطاق الصراع خارج حدود المنطقة. لهذا السبب، عندما تتحدث الأدبيات الإيرانية الرسمية عن "ما وراء المنطقة"، فإنها في الواقع تتحدث عن كسر هذا الإطار التاريخي... يتمثل الفهم الأول لهذا المفهوم في التوسع الجغرافي لساحة المعركة. فمن منظور استراتيجي، تستطيع إيران أن توجه رسالة مفادها أنه إذا استُهدف وجودها أو أمنها القومي، فلن يقتصر الرد على حدود غرب آسيا. بناء على هذا التفسير، أينما وجدت المصالح الحيوية للعدو، يمكن اعتبارها جزءًا من مجال الردع الإيراني.
كما تؤكد الصحيفة أن أهمية هذا المنظور: "تكمن في أنه يخلّ بالمعادلة التقليدية: الهجوم في المنطقة والرد في المنطقة، ويزيد من تكاليف اتخاذ القرار بالنسبة للطرف الآخر. أصبح هذا التصور ممكنًا مع ازدياد مدى الصواريخ الإيرانية، ما يعني أن إيران ربما تكون قد تمكنت من إنتاج صاروخ بمدى طويل يصل إلى نحو 4000 كيلومتر بحلول نهاية مايو/أيار من هذا العام، وفي هذه الحالة، يصبح سرد تحول الحرب إلى عابرة للأقاليم ذا مصداقية.. .. لكن ربما يكون البعد المفاهيمي لعبارة "عابرة للمنطقة" أكثر أهمية من البعد الجغرافي. لم تعد حروب القرن الحادي والعشرين تُعرّف فقط بالصواريخ والطائرات والسفن الحربية. لقد أظهرت القوى العظمى، في السنوات الأخيرة، أن البنية التحتية الرقمية والشبكات المالية وأنظمة المعلومات والاتصالات عبر الأقمار الصناعية، وحتى سلاسل التوريد العالمية، يمكن أن تكون بأهمية ساحة المعركة التقليدية نفسها.
بناء على ما تقدم؛ ترى الصحيفة :"يمكن أن تعني "عابرة للمنطقة" دخول ساحات لا تقتصر على الحدود الجغرافية. في هذا السياق، تعد الحرب السيبرانية أحد أهم الأمثلة التي يمكن تخيلها. في عالمنا اليوم، تُدار العديد من البنى التحتية الحيوية للدول عبر الشبكات الرقمية. فمن شبكات الكهرباء والنقل إلى الأنظمة المصرفية والصناعية، يعتمد كل شيء على الفضاء الإلكتروني. لهذا السبب، فإن أي إشارة إلى حرب تتجاوز حدود المنطقة قد تحمل رسالة مفادها أن الصراع المستقبلي لن يدور بالضرورة في السماء أو البحر، بل قد يقع في مراكز البيانات وشبكات الاتصالات والأنظمة الحيوية... كما يعدّ البعد الاقتصادي بُعدًا آخر لهذا المفهوم. فالاقتصاد العالمي مترابط بطريقة غير مسبوقة. قد يؤدي أي خلل في اختناقات الطاقة، أو ممر بحري، أو سلسلة إمداد، إلى آثار تمتد لآلاف الكيلومترات. وبالتالي، عند الحديث عن حرب عابرة للمنطقة، يمكن تفسير أن آثار النزاع ستتجاوز الحدود الجغرافية للمنطقة وتنتشر إلى الاقتصاد العالمي. في هذه الحال، لن يواجه الطرف المعارض تكاليف عسكرية فحسب، بل سيواجه أيضًا عواقب اقتصادية ومالية وخيمة. وقد يمثل دخول مضيق باب المندب في معادلة الحرب مثالًا على هذا المفهوم. . من ناحية أخرى، يمكن تحليل مفهوم "عابرة للمنطقة" من منظور إعادة تعريف الردع. كان الردع التقليدي قائمًا على مبدأ أن كل هجوم سيقابل برد مماثل على المستوى نفسه، بينما يقوم الردع الحديث على مبدأ عدم اليقين؛ أي إن الطرف المعارض لا يعرف تحديدًا أين وكيف وعلى أي مستوى سيأتي الرد. كلما اتسع نطاق خيارات الرد وزادت صعوبة التنبؤ بها، ازداد تأثير الردع. ولهذا السبب، قد يكون الغموض في عبارة "ما وراء المنطقة" جزءًا من تصميمها الاستراتيجي".
كما تتابه الصيحفة بحثها في هذا الموضوع؛ واللذي تراه من النقاط المهمة الأخرى؛ والمتعلقة : "بسياق تطور مكانة إيران في البيئة الدولية. إذ على مدى العقود الماضية، اعتُبرت طهران لاعبًا إقليميًا في المقام الأول، إلا أن التطورات الجيوسياسية الأخيرة، من الحرب في أوكرانيا إلى تنافس القوى العظمى والتغيرات في النظام الدولي، جعلت العديد من الأزمات تتجاوز النطاق الإقليمي. في مثل هذه البيئة، قد تحاول إيران أيضًا إظهار أن معادلاتها الأمنية لم تعد مقتصرة على غرب آسيا، وأن عواقب أي صراع قد تكون لها أبعاد أوسع. على أي حال، فإن بيان الحرس الثوري الإيراني زاد من تعقيد الغموض الاستراتيجي لسياسة الحرب، ولا ينبغي إغفال الجوانب النفسية والإدراكية لهذه الرسالة. في كثير من الحالات، لا يهدف هذا النوع من المفاهيم إلى الإعلان عن خطة عملياتية محددة، بل إلى التأثير في الحسابات الاستراتيجية للعدو. في الواقع، على المدى القصير، قد تلعب هذه الرسالة دورًا مربكًا ورادعًا في عملية صنع القرار لدى الطرف الآخر".
لماذا هاجمنا "إسرائيل"؟
كتبت صحيفة همشهري: "دعم إيران لحزب الله ليس بالأمر الجديد؛ فقد سبق لها ذلك، وأسهمت في دفع وقف إطلاق النار في لبنان بالتزامن مع المفاوضات. وفقًا للجنرال قاآني، كانت هناك غرفة عمليات مشتركة، وتم توفير الأسلحة والمساعدة الاستخباراتية. إذًا، السؤال الرئيسي هو: لماذا دخلت إيران الساحة في هذه اللحظة بالذات؟" عادةً ما يكون الجواب: العمق الاستراتيجي. وهذا الجواب صحيح. فإذا تمكنت "إسرائيل" من إقصاء حزب الله، فسيكون لديها بطبيعة الحال مساحة أكبر لممارسة ضغط مباشر على إيران. من منظور الردع، من المنطقي أيضًا أنها أوقفت التهديد عند تلك النقطة. لكن هذا التفسير غير كافٍ. يبقى السؤال مطروحًا: لماذا الآن؟
تتابع الصحيفة : "الجواب هو أن العملية الإيرانية لم تكن عملًا استباقيًا، بل كانت، كالعادة، عملًا دفاعيًا لإحباط خطة أكبر. لم تهاجم إيران إسرائيل فعليًا؛ بل عرقلت لعبة أميركا. لماذا؟ لأن أميركا كانت تتبنى نموذجًا محددًا للضغط؛ نموذجًا يمكن تسميته حربًا دون العتبة. ما معنى حرب دون العتبة؟ بمعنى آخر، أنا أُكبّد الطرف الآخر تكاليف، لكنني لا أُعلنها حربًا. أنا أضرب، لكن ليس لكم الحق في الرد. في هذا النموذج، يدفع الطرف الآخر تكاليف يومية، لكنه يبقى في التفاوض. إنها حرب وليست حربًا في آن واحد. كانت أميركا بحاجة ماسة إلى هذا النوع من المواقف. كان الوقت يمر على حسابها في الحصار البحري والضغوط الاقتصادية. كما أن إيران لم تكن مستعدة للاستسلام لواشنطن في المفاوضات، لذا كان لا بد من زيادة تكلفة عدم الموافقة بالنسبة لها. يجب فهم الهجوم على الضاحية في هذا السياق؛ على غرار ما فعله الأميركيون في مضيق هرمز الأسبوع الماضي. كان ضرب بيروت ولبنان في الواقع خرقًا للاتفاقيات والترتيبات التي تم التوصل إليها سابقًا؛ كسرًا لوقف إطلاق النار وتغييرًا لقواعد اللعبة. لو لم ترد إيران، لكان هذا النموذج قد ترسخ. لم يتمكن الأميركيون من إجبار إيران على الاستسلام في ساحة المعركة وفي الاتفاق. لقد خططوا لحرب سرية، لكن صواريخ إيران أحبطت الخطة".
ملامح إيران الجديدة
كتبت صحيفة رسالت: "لكل تحرك تقوم به القوات المسلحة الإيرانية دلالات متعددة، ولكل طلقة أهداف متعددة. وقد تجلى هذا الأمر بوضوح في عملية نصر الأخيرة ردًا على العدوان الصهيوني على لبنان. كانت الرسالة الأولى لعملية نصر، التي بدأت بعد ساعات قليلة من هجوم النظام المغتصب على الضاحية، أن تهديد إيران لم يكن مجرد تكتيك، بل أصبح أمرًا عمليًا. كان من المفترض أن يستهدف النظام الصهيوني الضاحية الأسبوع الماضي. كان التهديد الإيراني واضحًا؛ فالهجوم على الضاحية مقابل قصف الأراضي المحتلة من الجمهورية الإسلامية الإيرانية. إثر هذا التهديد، تم إلغاء الهجوم الإسرائيلي. ما حدث قبل ساعات قليلة من عملية نصر كان هجومًا محدودًا على الضاحية. كان هذا الهجوم أقرب إلى الاستفزاز. كان الهدف هو الهجوم بطريقة تُربك إيران في حساباتها للرد عليه؛ أي أن يكون ردها محدودًا وغير مباشر ومقبولًا تمامًا، أو ربما عدم الرد على الإطلاق. لكن رد إيران على هذا الهجوم كان كما لو أن النظام الصهيوني هاجم إيران نفسها. كان رد إيران سريعًا للغاية وقويًا، حيث أطلقت موجات متتالية من أكثر من 20 صاروخًا على شمال إسرائيل".
تشرح الصيحفة ذلك بقولها :" يكمن مغزى هذا الرد في أن إيران لا تُعير اهتمامًا لحجم تجاوز الخط الأحمر في حساباتها؛ فمجرد تجاوزه يُعد بمثابة رد ساحق ومغيّر من جانب الجمهورية الإسلامية. كما حملت عملية نصر رسالة أخرى مفادها أن إيران لم تعد تعتبر نفسها ملزمة بالدبلوماسية أو طاولة المفاوضات. فبمجرد حدوث أي تغيير ميداني، ستفعّل إيران قواتها العسكرية. لقد ولّى زمن التنافس بين الدبلوماسية والعمل الميداني في إيران، أو العمل باستقلالية تامة. الآن، ينصب التركيز على الميدان، ويا له من ميدان! ميدان ينتظر تحركات العدو. في هذا العصر الجديد، تبحث إيران عن ذريعة لتدمير إسرائيل. وقبل ساعات من عملية نصر، وكعادته، مهّد ترامب الطريق لتصريحات لا أساس لها من الصحة، مشككًا في جميع شروط إيران ومتطلباتها المسبقة للمفاوضات: شروط كوحدة الجبهتين الإيرانية واللبنانية، وعدم التطرق إلى الملف النووي في هذه الجولة من المفاوضات، واستبعاد صرف الأموال المجمدة. وبعملية نصر، أوضحت إيران للعدو أنه إذا تفاوض ترامب سرًا عبر المقابلات والتغريدات، فإن إيران ستفعل ذلك بالصواريخ، وليس في مضيق هرمز والخليج وقواعد العدو في المنطقة، بل في قلب الأراضي المحتلة".
تؤكد الصحيفة أن الرسالة الثالثة كانت: " إيران قبلت وقف إطلاق النار بعد حرب التسعة والثلاثين يومًا لا خوفًا ولا إرهاقًا. فإيران، من حيث المبدأ، لا تنسحب تمامًا من ساحة المعركة. ستبقى إيران حاضرة بقوة، وقد أُخذت هذه الرسالة بعين الاعتبار في الداخل والخارج. الحقيقة أن بعضنا لم يكن متفائلًا بشأن نظام صنع القرار في الجمهورية الإسلامية بعد وقف إطلاق النار، وظن أن إيران تنتظر فرصة للانسحاب من ساحة المعركة واللجوء إلى الدبلوماسية. لكن الحقيقة كانت عكس ذلك تمامًا. إيران تسير على طريق تعزيز قوتها وتتجه نحو القمة. وفي هذا المسار، يكمن هدف إيران في منع العدو من عرقلة طريقها نحو القمة... في النهاية، لا بد من القول إن عملية نصر لم تكن مجرد حدث عسكري، بل كانت بمثابة إعلان عن الوجود: وجود إيران في الميدان، ووجود الشعب على الساحة، ووجود منطق استراتيجي في القرار، ووجود إرادة تاريخية لا تريد أن تترك مصيرها في يد العدو".
ختتمت الصحيفة تحليلها: "لقد أظهرت هذه العملية أن التهديدات، عندما تقترن بإرادة وطنية، تتحول من أداة ضغط إلى أداة لتغيير موازين القوى. هذا ما يجب على العدو أن يفهمه اليوم، وعلى الصديق ألّا ينساه. إذا ردت إيران بقوة اليوم، فذلك لأنها لا تريد أن تُجبر على الرد بقسوة أكبر غدًا. هذا هو منطق الردع الفعال؛ منطق حماية المستقبل. في هذا المستقبل، ليس المنتصر من يهدد أولًا، ولا من يصرخ أكثر. الفائز هو من يفهم الميدان والناس والوقت والتكلفة. عملية نصر صرخت بهذا المعنى تحديدًا: إيران لم تعد مجرد متفرجة على المشهد، بل هي من تصنع المشهد بنفسها."