اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي حماس تبارك عملية إطلاق النار التي نفذها أحد المقاومين عقب اقتحام العدو بلدة الظاهرية

نقاط على الحروف

 كي لا ننسى
🎧 إستمع للمقال
نقاط على الحروف

 كي لا ننسى "مجزرة إهدن"

259

كاتبة من لبنان

في الذاكرة اللبنانية، تستحضر "مجزرة إهدن" إلى الأذهان ذكرى الحرب الأهلية البغيضة وحواجز الذبح على الهوية. وتحظى "القوات اللبنانية" التي يتزّعمها سمير جعجع بسجلّ حافل بارتكاب تلك المجازر البشعة التي حُفرت في ذاكرة الناس، ولا تُنسى، لتظلّ أبدًا شاهدة على فاعليها، تمامًا كعيون ضحاياها.. وما أكثرهم في ذاكرتنا التي أصبحت جيلًا بعد جيل مساحة تغصّ بحكايات المجازر وأهوالها. 

تمرّ السنين وتظلّ كلّ مجزرة حاضرة تمامًا كما في لحظة وقوعها، كأنّ الزمان لا يمرّ على جثامين من قضوا جماعة في لحظة غدر، وكأنّ دماء المظلومين إذا سُفكت، تظلّ حارّة، لا تبرد ولا تجفّ.. ولذلك، لا يفترق اسم المرتكب عن وصمة الارتكاب، طالما تسيل في الذاكرة مشاهد دموية كثيرة، وأبرزها تلك التي رُويت عن مجزرة إهدن.. عن دم الطفلة التي لا يتعدّى عمرها الثلاث سنوات وقد قُتلت في بيت أبيها، ولم تزل صورة عينيها تحدّث عن قاتل لا حدود لمساعيه الإجرامية.. عن ذهول العالم حين أشرقت الشمس على دارة آل فرنجية وهم مغرقون بدمهم، وما نجا منهم سوى ابنهم سليمان الذي شاءت العناية الإلهية أن ينجو من المذبحة، إذ كان في تلك الليلة في بيت جدّه.. 

عن تلك المجزرة التي روّعت الشمال تحت جنح الظلام، وغدرًا كعادته.. عن الإقصاء بالقتل، والإلغاء بالإرهاب، وعن طريقة التعامل مع الذين يختلفون معه في الخيارات والتوجهات.. عن الكيفية التي تعاطت فيها "القوات اللبنانية" بشكل خاص مع كلّ من اختلف معها ولا سيّما من داخل البيت المسيحيّ.. عن أسلوب جعجع في حلّ النزاعات، وفي مواجهة الرأي الآخر..

وبما أنّ ذكر المجازر يستحضر مباشرة صلة "إسرائيل" بارتكابها ودورها في التحريض عليها، لا بدّ من الإشارة إلى دور الموساد الإسرائيلي في التخطيط لمجزرة إهدن في سياق سلسلة عمليات سريّة خطّط لتفاصيلها دافيد كيمحي، مسؤول جهاز الموساد في لبنان في تلك الحقبة. هدفت هذه العمليات إلى اغتيال الشخصيات المسيحية المعادية للصهاينة، ومنهم طوني فرنجية. من أجل القضاء على "المردة" كتيار مسيحيّ يعادي "إسرائيل" وذلك في سبيل إلغاء كلّ صوت لا يلتزم بالإملاءات الصهيونية، فتخلو الساحة لمن ينفذها طواعية وبكلّ سرور، ما يسهّل توقيع اتفاقية سلام بين كيان الاحتلال ولبنان، وما أشبه ذاك الأمس البعيد باليوم، وإن تغيّرت الآليات وأشكال الإلغاء، لكن المشروع ظلّ  رغم تراكم خيباته حاضرًا في أذهان "إسرائيل". 

في تلك الليلة، هاجمت فرقة قواتية بقيادة سمير جعجع إهدن، حاول رجال المردّة صدّ الهجوم الغادر، لكنّهم لم ينجحوا في منع قتل طوني فرنجية وعائلته.. يواصل جعجع إنكار مسؤوليته عن مجزرة إهدن رغم ما سُرّب من حديث مسجّل لزوجته ستريدا جعجع وهي تتباهى بدوره في تلك المذبحة، بالإضافة إلى العديد من شهادات من عاصروا المجزرة وعاشوا تفاصيلها عن قرب، وهي شهادات مروية وموثّقة سواء في حلقات تلفزيونية كمقابلة تلفزيون الجزيرة مع جوني عبده، في برنامج "شاهد على العصر"، أو في كتب وثّقت الحرب الأهلية في لبنان ككتاب "مجزرة إهدن: لعنة العرب المسيحيين" للفرنسي ريشارد لابيڤيير، وكتاب "قصة الموارنة في الحرب" للكتائبي جوزيف بو خليل، وما رواه الكاتب غسان شربل في كتابه "أين كنت في الحرب؟"، بالإضافة إلى المواد الصحفية التي روت المجزرة في حينها، وتوقفت مطوّلًا عند دور سمير جعجع فيها، وأهدافه منها...

للتذكير، لم يرتبط اسم سمير جعجع بمجزرة اهدن فحسب بل ارتبط بالعديد من المجازر والجرائم التي أدّت به إلى السجن في نيسان ١٩٩٤، حيث قبع لمدة ١١ عامًا، مدانًا بعدة جرائم ومنها  اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رشيد كرامي عام ١٩٨٧، وتفجير كنيسة سيدة النجاة في ذوق مكايل واغتيال القيادي في حزب الوطنيين الأحرار داني شمعون وعائلته ومحاولة اغتيال الوزير السابق ميشال المر. ولم يخرج إلّا بعفو فرضته الظروف السياسية في لبنان في تموز ٢٠٠٥.
 خرج جعجع من السجن، ولم يتلُ أيّ فعل ندامة عمّا ارتكب في إهدن، رغم النبل الذي تحلى به زعيم تيار المردة سليمان طوني فرنجية، والذي عاش يتيمًا محمّلًا بوجع فقد الأب والأم والشقيقة الطفلة، فسامح قاتلهم في سبيل طيّ صفحات الحرب الأهلية. وكذلك لم يظهر جعجع أيّ ندم حتى على تلك الجرائم التي تمّت إدانته فيها قضائيًا.

واليوم، يشهد لبنان محاولات إنعاش لمشروع الأسرلة الذي كان قد سقط بسقوط رموزه، إذ يظنّ بعض من في الداخل أنّ الظروف الإقليمية قد تغيّرت بما يكفي لإعادة المحاولة، ليكرّر ما فعل سابقًا من محاولات إلغاء الآخرين وإن بشكل مختلف، مع العلم أنّ القواتيين لا يفوّتون فرصة للتعبير عن حنينهم إلى سفك الدماء والتلويح بشعار "كوينا الزيتي" وبإعادة عقارب الساعة إلى زمن المذابح والمجازر.. لذلك وكي لا ننسى .. نستعيد اليوم مجزرة إهدن وذكراها لا لنكء الجراح وإنّما لتنشيط الذاكرة والإشارة إلى المشروع القديم الجديد، والفاشل في كل حين.

الكلمات المفتاحية
مشاركة