اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي التعديل الحكومي لضمان الاستقرار

مقالات مختارة

أميركا و
🎧 إستمع للمقال
مقالات مختارة

أميركا و"لعنة إيران»: ترامب يدفع ثمن خطيئته

بين نبوءات الخبراء وحسابات القوّة ووقائع الميدان، تتشكّل اليوم ملامح مرحلة جديدة في العلاقة الأميركية - الإيرانية. مرحلةٌ قد تضع حداً لعداءٍ استمرّ لعقود، أو تؤسّس لجولة أخرى من الصراع بأدوات مختلفة.
64

حسين إبراهيم - صحيفة الأخبار
ثمّة رأي يُنسب إلى زبيغنيو بريجنسكي، أحد كبار خبراء السياسة الخارجية الأميركية، يفيد بأن الولايات المتحدة وإيران منذورتان، بحكم الضرورة المتبادلة، للتوصّل إلى ترتيبات بينهما، وأن العداء الطويل الأمد مُضِرّ بهما معاً. أنْ تأتي تلك النبوءة من مستشار الأمن القومي للرئيس الأميركي الأسبق، جيمي كارتر، ليس أمراً عابراً. فهو الذي عايش عن كثب أزمة الرهائن في السفارة الأميركية في طهران عقب الثورة الإسلامية، وكان من المؤيّدين للمحاولة الفاشلة لتحريرهم عبر عملية كوماندوز سُمّيت «مخلب النسر»، وانتهت بكارثة جوّية أودت بحياة عدد من الجنود الأميركيين، في نيسان 1980. هذه المحاولة كانت فاتحة لعهد طويل من العداء المستمرّ منذ أكثر من 46 عاماً. عداءٌ يشارف اليوم على أن يصبح مُنظّماً، للمرّة الأولى منذ ذلك الوقت، مع التوصّل إلى مذكّرة تفاهم يُنتظر أن تمهّد لاتفاق نهائي.

بريجنسكي صار مُذّاك أحد خبراء السياسة الأميركية المُتعلّقة بإيران؛ وهو حذّر في ثلاثة من كتبه هي: «رقعة الشطرنج الكبرى»، و"الرؤية الاستراتيجية»، و"فرصة ثانية»، كما في العديد من الدراسات التي نشرها، من شنّ حرب ضدّ الجمهورية الإسلامية، وتحديداً بدفع من إسرائيل. كما كان من أشد المتحمّسين للاتفاق النووي الذي وُقّع عام 2015، واعتبر أن أيّ بحث عن بديل لهذا الاتفاق، سيكون بمثابة «سياسة تدمير ذاتي» بالنسبة إلى الولايات المتحدة.

عندما مات الرجل عام 2017، لم يكن ترامب قد ألغى بعد الاتفاق المذكور، وإن دأب في حملاته الانتخابية وقتذاك على التهديد بإلغائه. لكنّ ترامب، سواءٌ عن قناعة أو استجابة لضغوط "إسرائيل"، وضع نفسه على طريق الوقوع في الأخطاء التي حذّر منها بريجنسكي، ليكتشف، بعد حربَين قصيرتَين مع إيران (12 يوماً في حزيران 2025، و39 يوماً اعتباراً من الأول من آذار 2026) أن الصدام مُكلِف فعلاً، وأن الخروج منه ليس بالسهولة التي كان يتصوّرها.

خسارة الولايات المتحدة هذه الحرب، ستكون ذات انعكاسات استراتيجية على مكانتها في المنطقة


ربّما كانت واحدة من أهمّ نصائح بريجنسكي، التي فعل عكسها ترامب ودفع ثمن معاكسته إياها، هي ضرورة «التمييز بين القومية الفارسية والأصولية الدينية في إيران». وبالفعل، مثّلت الوحدة بين الاتجاهَين المذكورَين، في وجه الهجوم الأميركي – "الإسرائيلي"، واحداً من أهمّ العوامل التي جعلت النظام الإيراني الحالي قادراً على الاحتمال والقتال إلى ما لا نهاية، وعزّزت تماسكه بصورة أقوى ممّا كان عليه الأمر قبل الحرب، وجعلت من المستحيل على الأميركيين تحقيق الأهداف التي وضعوها في بداية حملتهم العسكرية.
وفي حين أن بريجنسكي كان له رأي حاسم في موضوع إيران، إلا أنه ليس الوحيد أبداً في المُحاججة بأن أيّ حرب ضدّ هذا البلد ستكون مُكلِفة وعديمة الفائدة بالنسبة إلى الولايات المتحدة. فالحرب هذه قسمت الحزب الجمهوري نفسه بين مؤيّد ومعارض لها، إلى حدّ أن نواباً جمهوريين صوّتوا مع الديمقراطيين، حين أقرّ مجلس النواب، قبل أيام، قراراً يدعو إلى إنهائها. وإذ بدت مناهضة تيار «أميركا أولاً» بقيادة نائب الرئيس، جي دي فانس، شديدة لها، فإن تيّار المسيحيين الصهاينة في الحزب استطاع في النهاية أن يجرّ الرئيس إليها، وهو مستمرّ في محاولة دفعه إلى المراوغة وخداع الإيرانيين.

مع ذلك، يبدو أن التصعيد "الإسرائيلي" الأخير ضدّ الضاحية الجنوبية لبيروت، أقنع ترامب بأن اللعبة انتهت، وأنه لم تعُد ثمّة إمكانية لمحاولة تحسين شروط الاتفاق بالنسبة إلى الولايات المتحدة و"إسرائيل"، كما لم يعُد من مجال للاستمرار في الاستنزاف العسكري والاقتصادي الذي تتكبّده واشنطن، وأنه كلّما كان التوقيع أسرع، خفّف الأميركيون من الكلفة المُترتّبة عليهم.
صار شبه مؤكّد أن خسارة الولايات المتحدة هذه الحرب، ستكون ذات انعكاسات استراتيجية على مكانتها في المنطقة، ووظيفتها الحمائية لحلفائها - بمن فيهم "اسرائيل" ودول الخليج -، التي لطالما حصلت من خلالها واشنطن على أموال طائلة، خلال العقود السبعة أو الثمانية الماضية. ولعلّ التحوّل الذي طرأ على موقف الإمارات، الأسبوع الماضي، كان أبرز دليل على ذلك. فبعد أن وضعت تلك الدولة كامل رهانها على الحرب الأميركية – "الإسرائيلية" ضدّ إيران، ووصلت إلى حدّ المشاركة فيها، ولو بشكل غير علني، كما سعت لجرّ بقيّة دول الخليج إليها، استدارت وعقدت اجتماعاً رفيع المستوى مع طهران على المستوى الأمني، في مسعًى لتخفيف الخسارة عن كاهلها. كما أنها ستبدأ، على ما يبدو، بدفع المليارات من الأموال الإيرانية المُجمّدة، في حال توقيع مذكّرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران.
من يشاهد ترامب كيف يستميت للخروج من مأزق الحرب حاليًّا، ويؤكّد ليلَ نهارَ أن إيران ستوقّع مذكّرة التفاهم، ويعلن على الملأ أنه أنّب نتنياهو لقصفه الضاحية وتخريبه عملية التوقيع، يدرك كم كان بريجنسكي على حقّ.

الكلمات المفتاحية
مشاركة