اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي كلمة الأمين العام لحزب الله في المجلس العاشورائي المركزي 21 حزيران 2026 

مقالات

تلة علي الطاهر ورسائل هرمز: حين يصنع الميدان معادلات السياسة
🎧 إستمع للمقال
مقالات

تلة علي الطاهر ورسائل هرمز: حين يصنع الميدان معادلات السياسة

146

Former Lebanese government coordinator to UNIFIL .Former Director General of Administration . Former President of the Permanent Military Court

عميد متقاعد في الجيش اللبناني/ منسق الحكومة اللبنانية السابق لدى قوات الطوارئ الدولية 
ورئيس المحكمة العسكرية السابق  

في الحروب الكبرى، لا تتحول التلال إلى مجرد مرتفعات جغرافية، بل تصبح مفاتيح للسيطرة والردع في آنٍ واحد. ومن بين المواقع التي اكتسبت أهمية استثنائية في المواجهة الدائرة على الجبهة اللبنانية مؤخرًا، تبرز تلة علي الطاهر باعتبارها إحدى العقد الميدانية التي سعى العدو "الإسرائيلي" مستميتًا إلى فرض السيطرة عليها، فيما تحولت بالنسبة إلى المقاومة إلى عنوان للصمود ومنع الاحتلال من تحقيق أهدافه.

تكتسب تلة علي الطاهر أهميتها من موقعها المشرف على مساحات واسعة من جنوب لبنان، ولا سيما مدينة النبطية التي تحمل رمزية خاصة باعتبارها إحدى حواضن المقاومة، ولتاريخها المليء بالمواجهات التي تعرض فيها جيش العدو للإخفاق، ولا سيما في مرحلة التحرير عام 2000. كما توفر هذه التلة قدرة على الرصد والمراقبة وإدارة النيران، فمن يسيطر عليها يمتلك أفضلية تكتيكية تتيح له متابعة التحركات العسكرية في محيطها وتأمين غطاء ناري لمواقع أخرى. ولهذا لم يكن إصرار الجيش الإسرائيلي على الوصول إليها نابعًا من اعتبارات رمزية ومعنوية فحسب، بل من قناعة عسكرية بأن السيطرة عليها يمكن أن تسهم في فرض وقائع جديدة على الأرض وتدعيم أي منطقة عازلة يسعى إلى إنشائها.

إلا أن ما واجهه العدو في محيط التلة كان مختلفًا عما خطط له. فقد تعاملت المقاومة مع المنطقة باعتبارها إحدى نقاط الاشتباك الحاسمة، وأظهرت قدرة كبيرة على استثمار طبيعة الأرض وإدارة المعركة بأسلوب الاستنزاف المنهجي. فكل محاولة تقدم كانت تصطدم بنيران دقيقة وكمائن مدروسة، ما أدى إلى وقوع خسائر بشرية ومادية أجبرت القوات المهاجمة على إعادة حساباتها مرارًا.

لقد كشفت المواجهات حول تلة علي الطاهر حقيقة أساسية لطالما أثبتتها الحروب السابقة، وهي أن التفوق التكنولوجي والجوي لا يكفي وحده لحسم المعارك البرية عندما يواجه قوة تمتلك الإرادة والخبرة والمعرفة الدقيقة بالميدان. ومن هنا يمكن فهم سبب تعثر أهداف الاحتلال، رغم الحجم الهائل من القوة النارية التي استخدمها، إذ إن السيطرة على الأرض لا تتحقق بالقصف وحده، بل تحتاج إلى تثبيت ميداني مستدام، وهو ما أثبتت المقاومة قدرتها على منعه ورفع كلفته إلى مستويات باهظة.

في المقابل، لم تكن التطورات السياسية بعيدة عن نتائج الميدان. فالتصعيد الإقليمي الذي رافق استمرار الحرب فتح الباب أمام احتمالات خطيرة تمس الأمن الاقتصادي العالمي، وفي مقدمتها أمن الطاقة وحرية الملاحة البحرية. ومن هنا برزت أهمية الموقف الإيراني الذي حمل رسائل واضحة مفادها أن استمرار الحرب وتوسيعها لن يبقيا محصورين ضمن الحدود اللبنانية أو الفلسطينية، بل قد يمتدان إلى ملفات أكثر حساسية بالنسبة إلى الولايات المتحدة وحلفائها.

إن إحجام طهران في مرحلة معينة عن المشاركة في لقاءات أو مفاوضات كانت مطروحة، ترافق مع رفع سقف التحذيرات المتعلقة بأمن الممرات البحرية في الخليج، وهو ما فُهم على نطاق واسع باعتباره محاولة لإعادة ترتيب أولويات الأطراف الدولية. فعندما يصبح أمن إمدادات النفط والتجارة العالمية جزءًا من معادلة الضغط، تنتقل الأزمة من كونها نزاعًا إقليميًا إلى قضية تمس الاقتصاد العالمي بأسره. كما أن التلويح بإغلاق مضيق هرمز، طالما استمر العدوان الإسرائيلي، عكس من وجهة نظر محور المقاومة استمرار مفهوم وحدة الساحات، وأظهر أهمية الأوراق التي تمتلكها إيران وقدرتها على ممارسة الضغط على خصومها.

وتكمن الدلالة الأهم هنا في أن الولايات المتحدة، مهما بلغت درجة دعمها لإسرائيل، تبقى معنية قبل كل شيء بمنع انفجار إقليمي واسع يهدد مصالحها الاستراتيجية. ولذلك، فإن أي مؤشرات إلى احتمال اتساع دائرة المواجهة تدفع واشنطن عادة إلى تكثيف الضغوط السياسية والدبلوماسية بحثًا عن تسويات أو تفاهمات تحد من التصعيد.

أما توجه الوفود لاحقًا نحو مسارات تفاوضية، فيعكس حقيقة أن الميدان والسياسة ليسا مسارين منفصلين، فالعمليات العسكرية ترسم حدود القوة، بينما تأتي المفاوضات لترجمة موازين القوى التي تتشكل على الأرض. وكلما ازدادت كلفة الحرب على مختلف الأطراف، ارتفعت فرص العودة إلى طاولة الحوار، ليس بدافع الرغبة في السلام بقدر ما هو إدراك لصعوبة تحقيق الأهداف بالقوة العسكرية وحدها.

إن ما جرى خلال هذه المرحلة يؤكد مرة جديدة أن المنطقة دخلت زمنًا جديدًا من التوازنات. فـ"إسرائيل"، رغم تفوقها العسكري، لم تستطع فرض إرادتها في الميدان اللبناني. وإيران أظهرت أنها تمتلك أوراق ضغط تتجاوز حدود المواجهة المباشرة. أما الولايات المتحدة، فوجدت نفسها أمام معادلة دقيقة تجمع بين حماية حليفها "الإسرائيلي" ومنع اندلاع حريق إقليمي واسع النطاق وانهيار الاقتصاد العالمي.

وبين تلة علي الطاهر ومضيق هرمز تتجلى صورة واحدة: الميدان ما زال قادرًا على تغيير الحسابات السياسية، والسياسة ما زالت عاجزة عن تجاهل الحقائق التي تفرضها الأرض.

الكلمات المفتاحية
مشاركة