اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي 4175 شهيدًا و 12164 جريحًا حصيلة العدوان الصهيوني على لبنان

مقالات مختارة

سقوط رهانات ما قبل الحرب وعودة إلى التوازنات
🎧 إستمع للمقال
مقالات مختارة

سقوط رهانات ما قبل الحرب وعودة إلى التوازنات

50

علي حيدر - صحيفة الأخبار
لم تكن الحرب "الإسرائيلية" الأخيرة على لبنان مجرّد مواجهة عسكرية بين "اسرائيل" وحزب الله، بل تحوّلت منذ بداياتها إلى اختبار شامل لمنظومة فرضيات وخيارات سياسية واستراتيجية راكمها خصوم المقاومة خلال السنوات الماضية، خصوصاً بعد تطورات الإقليم منذ 7 أكتوبر وما تلاه من حروب متتالية. واعتقد كثيرون أن نتائج هذه الحرب ستتجاوز إضعاف القدرات العسكرية لحزب الله، لتفتح مساراً يعيد رسم موقع لبنان إقليمياً وينهي مرحلة صعود المقاومة ومحورها.

ولم يكن الرهان محصوراً بتدمير السلاح أو استهداف القيادات، بل بفرض واقع سياسي جديد يُقصي المقاومة عن المعادلة الداخلية ويؤسّس لدخول لبنان "العصر الإسرائيلي"، حيث تُعاد فيه صياغة التوازنات السياسية والأمنية والاقتصادية وفق موازين قوة مختلفة، لا تملك فيها المقاومة وحلفاؤها أيّ قدرة على التأثير.

لكنّ مسار الحرب وما تلاها من تفاهمات إقليمية وعودة الملف اللبناني إلى التفاوض الأميركي - الإيراني، وربط وقف إطلاق النار بالانسحاب "الإسرائيلي"، كلّ ذلك أسقط جزءاً كبيراً من هذه الفرضيات، وأدّى إلى اهتزاز ركائز خطاب خصوم المقاومة، رغم ما تكبّدته من خسائر وتضحيات تتناسب مع حجم المخاطر وأبعادها التاريخية.

أولى هذه الفرضيات تمثّلت في الاعتقاد بأن موازين القوى العسكرية الجديدة تجعل تقديم التنازلات لـ"إسرائيل" شرطاً لا مفرّ منه لوقف الحرب، انطلاقاً من أن التفوّق العسكري "الإسرائيلي"، مدعوماً بالدعم الأميركي، سيؤدّي حتماً إلى فرض الشروط "الإسرائيلية" ووقف إطلاق النار من طرف واحد. غير أن مسار الأحداث أظهر أن وقف إطلاق النار عاد جزءاً من تفاهمات أوسع، وأن بحث الانسحاب "الإسرائيلي" عاد إلى الطاولة، بما يعني أن التفوّق العسكري لم يتحوّل تلقائياً إلى قدرة على فرض الأهداف السياسية، خصوصاً مع صمود المقاومة وبيئتها والدعم الإيراني المباشر الذي قلب المعادلات.

ومن هذه الفرضية تفرّعت أخرى مفادها أن لبنان لم يعد يملك أي بديل سوى الانخراط في المسار الأميركي وتقديم التنازلات المطلوبة، في ظل تصويره كبلد بلا خيارات. لكنّ إدراج الملف اللبناني ضمن التفاهمات الأميركية - الإيرانية أظهر أن المشهد أكثر تعقيداً من خيار واحد، وأن لبنان ما زال جزءاً من شبكة توازنات إقليمية لا يمكن اختزالها في الإرادة الأميركية وحدها.

وفي السياق نفسه، اهتزّت فرضية تلاشي محور المقاومة كقوة إقليمية فاعلة، إذ رُوّج لفكرة أن الضربات التي تعرّض لها في أكثر من ساحة تعنى نهاية دوره. إلا أن الوقائع اللاحقة بيّنت أن القوى الكبرى ما زالت مضطرة إلى أخذ إيران وحلفائها في الاعتبار عند أيّ ترتيبات، وأن تأثير المحور لم يتلاشَ، بل اتّجه نحو إعادة تموضع وتعزيز لدوره الاستراتيجي بقيادة الجمهورية الإسلامية.

كذلك سقط الرهان على انهيار منظومة الردع التي راكمها حزب الله خلال العقود الماضية. صحيح أن الحرب ألحقت أضراراً كبيرة بقدراته، إلا أن "اسرائيل" لم تتمكّن من تحويل هذه الخسائر إلى حرية استراتيجية مُطلقة تتيح فرض إرادتها السياسية من دون تفاوض أو كلفة، ولو كانت منظومة الردع قد انهارت بالكامل، لَما بقيت حاجة إلى ترتيبات أو تفاهمات حول مستقبل الحدود أو الانسحاب أو الاستقرار.

ومن الفرضيات الأكثر حضوراً في الخطاب الداخلي تلك التي اعتبرت أن الحرب ستنهي نهائياً منطق المقاومة كخيار للدفاع عن لبنان، عبر تقديمها كدليل على فشل هذا المسار وانتهاء جدواه. غير أن النتائج الفعلية أظهرت استمرار حضور المقاومة في أيّ معادلة تتعلق بمستقبل الأمن اللبناني أو بالتوازن مع إسرائيل.

لو كانت منظومة الردع قد انهارت بالكامل لما بقيت حاجة إلى ترتيبات أو تفاهمات

ومن هذا التصوّر برز رهان أكثر طموحاً قوامه أن لبنان دخل "العصر الإسرائيلي" ولم يعد أمامه سوى الاندماج في نظام إقليمي جديد تقوده "اسرائيل" والولايات المتحدة. إلا أن عودة التوازنات الإقليمية إلى فرض نفسها واستمرار الصراع على شكل النظام الإقليمي، دلّا على أن مستقبل لبنان لم يُحسم بعد، وأن الحديث عن نهاية الخيارات البديلة سابق لأوانه.

أمّا على المستوى الداخلي، فقد بُنيت رهانات على أن الحرب ستفتح الباب أمام شطب حزب الله وبيئة المقاومة من المعادلة اللبنانية، على افتراض أن الخسائر العسكرية ستقود تلقائياً إلى انهيار موقعه السياسي والاجتماعي وإعادة تشكيل السلطة من دون أخذ حضوره في الحسبان. غير أن الوقائع أظهرت أن أي نقاش حول مستقبل الدولة أو التسويات الداخلية ما زال مضطراً إلى أخذ الحزب في الاعتبار بوصفه أحد المكوّنات الأساسية في المشهد اللبناني، بغضّ النظر عن حجم الجدل حول دوره.

وفي السياق نفسه، راهن بعض خصوم المقاومة على أن الحرب ستنجح في إحداث تغيير ديمغرافي دائم داخل البيئة الشيعية بما يؤدّي إلى تفكيكها وإضعاف قدرتها على الاستمرار كحاضنة للمقاومة. لكن رغم حجم الدمار والنزوح، لم تتحوّل هذه الوقائع إلى تغيير بنيوي دائم، وبقيت البيئة الاجتماعية للمقاومة محافظة تماسكها، ما أفقد هذا الرهان أحد أهم مرتكزاته.

والجامع بين هذه الفرضيات أنها لم تكن تتعلق فقط بالنتائج العسكرية للحرب، بل عبّرت عن تصور أشمل مفاده أن الحرب ستؤسّس لمرحلة جديدة ينتهي فيها الدور السياسي والعسكري والاجتماعي للمقاومة، ويُعاد فيها بناء لبنان على أسس مختلفة بالكامل. غير أن التطورات اللاحقة أظهرت أن الحروب الكبرى لا تُقاس فقط بحجم الخسائر، بل بمدى قدرتها على تحقيق الأهداف السياسية التي شُنّت من أجلها.

من هنا، يتضح أن أبرز ما كشفت عنه الحرب لا يكمن في حجم الخسائر أو ثبات موازين القوى، بل في الفجوة التي برزت بين الأهداف المُعلنة للحرب والنتائج السياسية المتحقّقة. فقد انتهت كثير من الرهانات التي بدت محسومة في بدايات المواجهة إلى واقع أكثر تعقيداً، أعاد فتح ملفات اعتُقد أنها أُغلقت، وأعاد الاعتبار إلى عناصر قوة لم يكن يُتوقع استمرار حضورها بعد هذا الحجم من المواجهة.

ويعني ذلك أن القراءة الأكثر دقّة تشير إلى أن الحرب أسقطت، قبل أي شيء آخر، منطق الحتميات. فلم يعد ممكناً الحديث عن انهيار محور المقاومة، أو غياب البدائل أمام لبنان، أو دخول البلاد في نظام إقليمي جديد تقوده "إسرائيل"، أو إخراج حزب الله وبيئته من المعادلة الداخلية. وبهذا المعنى، فإن النتيجة السياسية الأبرز هي أن المنطقة لم تدخل مرحلة الحسم، بل عادت إلى مرحلة التوازنات المفتوحة، حيث تتداخل القوّة العسكرية، والقدرة على الصمود، والعوامل الإقليمية، والتفاوض السياسي في تشكيل المشهد الراهن.

في المحصّلة، لا يمكن قراءة نتائج الحرب من خلال ميزان الخسائر العسكرية وحده، إذ إن الحروب الكبرى تُحسم بقدرتها على إنتاج واقع سياسي جديد. ومن هذه الزاوية، تكمن المفارقة الأساسية في أن المواجهة لم تُسقِط المقاومة بقدر ما أسقطت عدداً واسعاً من الفرضيات التي بُنيت عليها توقّعات خصومها. فقد تبيّن أن التفوّق العسكري لا يؤدّي تلقائياً إلى استسلام سياسي، وأن الضغوط الشديدة لا تلغي البدائل الاستراتيجية، وأن إعادة تشكيل لبنان والمنطقة أكثر تعقيداً من مجرّد إنجازات ميدانية. كما أظهرت التطورات أن حزب الله، رغم تضحياته الكبيرة، بقي جزءاً من المعادلة الداخلية، وأن محور المقاومة ما زال فاعلاً في توازنات المنطقة، وأن لبنان لم يدخل، كما رُوّج، مرحلة مُغلقة لا خيار فيها سوى الاندماج في المشروع "الإسرائيلي". ومن هنا، لن تُبنى المرحلة المقبلة على فرضيات ما قبل الحرب، بل على توازنات جديدة تعيد الاعتبار إلى الإرادة السياسية، والصمود، والتشابكات الإقليمية، بوصفها عناصر لا تقلّ تأثيراً عن القوّة العسكرية في رسم مستقبل لبنان والإقليم.
 

الكلمات المفتاحية
مشاركة