عين على العدو
قال محلل الشؤون العسكرية في صحيفة "هآرتس" عاموس هرئل إن الولايات المتحدة نجحت في وقف إطلاق النار على "إسرائيل"، على الرغم من "التصريحات الحربجية" لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير حربه يسرائيل كاتس، مضيفًا: "نتنياهو يأمل بأن تؤدي التطورات الميدانية إلى تأخير تنفيذ التفاهمات مع إيران، بينما يبدو أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يريد الهدوء بأي ثمن تقريبًا".
وتابع هرئل: "في الوقت الحالي، يبدو أن الإدارة الأميركية نجحت هذه المرة في فرض وقف إطلاق النار في لبنان، ولو مؤقتًا. فقد توقف الجيش "الإسرائيلي" وحزب الله في هذه المرحلة عن مهاجمة أحدهما الآخر، وبدأ الجيش بالفعل بتقليص قواته إلى حد ما في جنوب لبنان، كما خففت قيادة الجبهة الداخلية تعليمات الحماية الموجهة للمدنيين على طول الحدود مع لبنان".
وبحسب هرئل، كان وزير الحرب يسرائيل كاتس قد سارع أول أمس الأحد (21 حزيران) إلى إصدار بيان قال فيه: "ليس لدى "إسرائيل" أي نية للانسحاب من البوفور (قلعة الشقيف)، الذي يشكل جزءًا لا يتجزأ من المنطقة الأمنية وهو ضروري للدفاع عن مستوطنات الجليل وعن قوات الجيش "الإسرائيلي""، مردفًا: "لقد أوضحنا أنا ونتنياهو أن "إسرائيل" لن تنسحب من المنطقة الأمنية".
أما نتنياهو فادعى أمس الاثنين أن جنود الجيش "الإسرائيلي" يتمتعون بحرية عمل كاملة "لإحباط أي تهديد مباشر أو ناشئ ضدهم أو ضد سكان الشمال، ولا توجد أي قيود على الجيش "الإسرائيلي" في هذا الشأن"، وفقًا لهرئل.
وأكد أن نتنياهو وكاتس، كعادتهما، لا يقدمان للجمهور صورة كاملة عن التطورات، بل يذرّان الرمال في عينيه عن قصد. ففي الواقع، كانت الولايات المتحدة قد فرضت بالفعل قيودًا على النشاط الهجومي منذ نهاية الأسبوع الماضي، بعد فترة قصيرة من الحوادث الثلاثة التي قُتل فيها ستة جنود "إسرائيليين" في منطقة سلسلة علي الطاهر (التي يقع البوفور في جزئها الجنوبي) ضمن القطاع الأوسط. وصحيح أنه لا توجد حتى الآن تعليمات أميركية لإسرائيل بسحب قواتها إلى خط الحدود، لكن الأوامر الفعلية للقوات على الأرض هي وقف إطلاق النار، باستثناء "حالات التهديد المباشر من جانب حزب الله"، على ما يورد هرئل.
كما لفت إلى أنه خلال الأيام الأخيرة، كشف الجيش "الإسرائيلي" عن منشأة كبيرة تحت الأرض تابعة لحزب الله، كانت تُستخدم لإنتاج الطائرات المسيّرة في قرية مجدل زون، وقد دعا الجيش صحفيين "إسرائيليين" إلى جولة داخل المجمع وكان يعتزم تفجيره أول أمس، إلا أن خطة التفجير أُوقفت في هذه الأثناء بتوجيه من المستوى السياسي. وقد تركز النشاط الهجومي، حتى صدور صافرة النهاية الأميركية، على سلسلة من هذه المجمعات في المنطقة نفسها، وعلى رأسها مخبأ قيادة مركزي تابع لوحدة بدر في حزب الله، المسؤولة عن ذلك القطاع، وفق تعبيره.
وقال إن التغطيات الإعلامية لهذا الموضوع، التي يجري تضخيمها في وسائل الإعلام من دون ما يكفي من التشكيك، تذكّر بخطوتين سابقتين للحكومة. ففي ربيع عام 2024، وخلال احتلال رفح، وُصف محور فيلادلفيا على الحدود مع مصر بأنه "صخرة وجودنا"، وهي منطقة لا يجوز بأي حال الانسحاب منها في إطار صفقة كان يجري آنذاك بحث إطلاق سراح جميع الرهائن ضمنها. وقد أُطلق سراح هؤلاء في نهاية المطاف على مرحلتين، في كانون الثاني/يناير وتشرين أول/أكتوبر 2025، لكن أكثر من 40 منهم ماتوا في أسر حماس. ولم يمنع ذلك نتنياهو من التفاخر الأسبوع الماضي بأنه "أعاد جميع الرهائن". وبعد ذلك، قبيل الإعلان عن وقف إطلاق النار في غزة، جرى تضخيم أزمة تتعلق بموقعين تابعين لحماس بقيا شرق الخط الأصفر، داخل المنطقة الخاضعة لسيطرة "إسرائيل"، وفق قوله.
وأوضح أن الحكومة تحاول الآن تطبيق أساليب مشابهة في لبنان. ففي حوارها المحدود مع المستوطنين، تعمل الحكومة على طمس الواقع الذي فرضه عليها الأميركيون، في الوقت الذي تأمل فيه أن تؤدي التطورات الميدانية إلى تأخير تنفيذ التفاهمات. لكن فرص ذلك تبدو حاليًا ضئيلة؛ فالرئيس الأميركي دونالد ترامب مستثمر في تحقيق الهدوء في لبنان من أجل تمكين نفسه من تحقيق هدفه الأكبر: التوصل إلى ترتيب مستقر في الخليج يسمح له بسحب قواته من المنطقة بسرعة وترك المنطقة وراءه، مضيفًا: "وعلى المدى الطويل، فإن الاستمرار في الاحتفاظ بأراضٍ في جنوب لبنان يخلق أنماطًا ثابتة من بناء المزيد من المواقع العسكرية والأنشطة اللوجستية والقوافل، والسؤال هو ما إذا كانت "إسرائيل" مستعدة لذلك وإلى أي مدى تعرض جنودها لمخاطر مستقبلية. ومنذ الآن، يبرز بوضوح التحدي المستمر في تطوير وسائل دفاع وإحباط في مواجهة خطر المحلّقات التي تعمل عبر الألياف الضوئية".
وتابع: "في هذه الأثناء، تتوالى أنباء أخرى غير مريحة بالنسبة لـ "الإسرائيليين". فقد أصدرت قطر وباكستان، اللتان تتوسطان في الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، أمس بيانًا مشتركًا في ختام الجلسة الأولى من المفاوضات في سويسرا. ووفقًا للبيان، تم الاتفاق على إنشاء خلية لمنع الاحتكاك العسكري في لبنان، هدفها ضمان وقف النشاط العسكري في لبنان وفقًا لمذكرة التفاهم. ومن صياغة البيان يتضح أن "إسرائيل" لن تكون شريكًا في الآلية الجديدة، أي أن ترامب يسحب منها إلى حد كبير مسؤولية التعامل مع الأزمات الناشئة في لبنان، بعد أن فرض بالفعل قيودًا ثقيلة على نشاط الجيش "الإسرائيلي"".
وبحسب هرئل، لا يزال لبنان ساحة ثانوية في نظر الرئيس الأميركي مقارنة بإيران. أما الأخبار الجيدة الوحيدة في الساحتين فتتعلق بالآمال في وقف القتال. فاستمرار الحرب في الظروف الحالية لا يساعد "إسرائيل"، ومن المشكوك فيه أن يؤدي إلى إضعاف حقيقي لإيران وحزب الله. لكن الترتيبات التي تتبلور حاليًا قد تتيح للإيرانيين وحلفائهم إعادة بناء قوتهم العسكرية، بينما يواصل ترامب، لأسبابه الخاصة، التظاهر بأن كل شيء يسير على ما يرام.