عين على العدو
قال الاقتصادي والمحاسب القانوني نير غولدبرغ، والذي كان كاتبًا في قسم سوق المال في صحيفة "غلوبس" سابقًا، ومديرًا ماليًا لشركات تكنولوجيا متقدمة، لموقع "زمان إسرائيل" إن موجة القتال في غزة ولبنان وسورية وإيران التي بدأتها "إسرائيل" منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2026 ليست فقط أطول وأرهق حرب في تاريخها، بل أيضًا الأكثر تكلفة.
بحسب غولدبرغ، فقد خلّفت كلفة اقتصادية هائلة يُتوقع أن تؤثر على الاقتصاد لعقود، إضافة إلى التكلفة البشرية من قتلى وإصابات ومعاناة نفسية وإنسانية.
ولفت إلى أنه وفق تقديرات "بنك إسرائيل"، فقد كلّفت هذه الحرب الحكومة "الإسرائيلية" أكثر من 400 مليار شيكل (133 مليار دولار)، إضافة إلى مساعدات أميركية بنحو 24 مليار دولار، وخسارة إنتاج بأكثر من 200 مليار شيكل (66 مليار دولار)، ونفقات خاصة إضافية للأفراد لم تُعوَّض بالكامل ويصعب قياسها.
ووفق تحليل "بنك إسرائيل"، بلغت الكلفة من 7 تشرين أول/أكتوبر (2023) حتى نهاية 2025 نحو 352 مليار شيكل (118 مليار دولار). ويشمل هذا الرقم نحو 243 مليار شيكل (81 مليار دولار) نفقات المؤسسة الأمنية والعسكرية، و33 مليار شيكل (11 مليار دولار) تعويضات من صندوق الأضرار وضريبة الأملاك، و57 مليار شيكل (19 مليار دولار) نفقات مدنية أخرى، و19 مليار شيكل (6 مليار دولار) فوائد على زيادة الدين العام. وعند إضافة القتال في سنة 2026، بما فيه الحرب مع إيران، تصل الكلفة إلى نحو 405 مليارات شيكل (135 مليار دولار).
وأوضح أن "هذا الرقم لا يشمل المساعدات الأميركية، ولا كامل الخسائر الاقتصادية للأفراد والشركات التي لم تغطّها الحكومة".
وتابع غولدبرغ: "405 مليارات شيكل التي أنفقتها الحكومة تشمل نفقات عسكرية مباشرة، تجنيد قوات احتياط، تعويضات للشركات والمواطنين، إعادة إعمار المستوطنات، علاج الجرحى وزيادة الدين الوطني"، معتبرًا أن هذا مبلغ هائل يمكن إجراء عدد لا يحصى من التكهنات حول ما كان يمكن فعله به: كم مستشفى أو جامعة كان يمكن تمويلها به، على سبيل المثال".
ووفقًا لبيانات سلطة الضرائب، فإن 80% من الضرائب تدفعها الشريحتان الأعلى من الدخل. أي إن الأثرياء وأصحاب الطبقة المتوسطة العليا يدفعون على الحرب ضريبة إضافية تعادل أربعة أضعاف المستوطن العادي، حوالي 160 ألف شيكل للفرد، على ما يورد غولدبرغ.
كما أشار إلى أن هذه النفقات الضخمة لا تشمل المساعدات الواسعة التي قدمتها الولايات المتحدة لـ "إسرائيل" على شكل شحنات أسلحة وذخائر ومعدات عسكرية، والتي تم توفيرها مجانًا أو بأسعار مدعومة، مردفًا: "قُدمت هذه المساعدات ضمن حزمة غير مسبوقة أطلقها الرئيس الأميركي السابق جو بايدن، بإجمالي يقارب 26 مليار دولار (أي وفق سعر الصرف الحالي نحو 75 مليار شيكل). أي إن الحرب كلفت حكومة "إسرائيل" والإدارة الأميركية معًا ما يقارب نصف تريليون شيكل أي نحو 167 مليار دولار. وهذا الرقم لا يشمل، بطبيعة الحال، التكلفة المباشرة للقتال الأميركي في إيران والعراق والبحر الأحمر.
أين ذهب المال؟
بحسب غولدبرغ، فإن الجزء الأكبر من المال ذهب للجيش ووزارة الحرب لشراء الذخائر، والصواريخ الاعتراضية، وتشغيل الطائرات، وصيانة المعدات العسكرية والمشتريات الطارئة. كما تضمنت الحرب أوسع تجنيد للاحتياط في تاريخ "إسرائيل"، ففي سنة 2024 وحدها تم دفع حوالي 37 مليار شيكل (12 مليار دولار) كتعويضات وتقديمات للمجندين الاحتياطيين. أما التعويضات لـ "المواطنين" (المستوطنين) والشركات، حيث تضررت آلاف المصالح نتيجة الحرب، خصوصًا في الجنوب والشمال، فقد دفعت الحكومة مليارات الشواكل لتعويض أضرار الممتلكات وفقدان الدخل والإخلاء. كما تم دفع ميزانيات تشمل "إجلاء واستيعاب سكان"، إعادة إعمار مستوطنات، علاج جرحى، ودعم نفسي وتوسيع الخدمات الاجتماعية، وجزء من هذه التكلفات سيستمر أيضًا في السنوات القادمة.
وبحسب غولدبرغ، فقد ألحقت الحرب ضررًا بجيوب المستوطنين أيضًا عبر ارتفاع الضرائب، من أجل تمويل الزيادة الهائلة في نفقات الحكومة، وكذلك بطرق أخرى: تآكل الأجور وانخفاض الدخل الحقيقي، ارتفاع تكاليف المعيشة، زيادة نفقات السكن والتأمين، ضرر مباشر لأصحاب الأعمال بسبب انخفاض الدخل واستدعاء الاحتياط، ونفقات شخصية للمصابين المباشرين من الحرب، الذين لم يحصلوا على تعويض إلا جزئيًا.
وتابع: "من أجل تمويل النفقات الأمنية الضخمة، اضطرت الحكومة إلى فرض إجراءات اقتصادية قاسية، بما في ذلك رفع ضريبة القيمة المضافة، وضرائب غير مباشرة إضافية، وإلغاء نقاط الإعفاء الضريبي التي أدت إلى انكماش الدخل المتاح"، مردفًا: "جزء من دفع الضرائب تم تحميله للمواطنين في المستقبل عبر زيادة العجز".
وتطرق إلى تآكل الدخل، قائلًا: "كل ربع سنة من القتال أدى إلى انخفاض متوسط يقارب 3,900 شيكل أي نحو 1,300 دولار في الدخل النظري المتوسط للفرد (انخفاض في الرواتب والدخل، أو إلغاء زيادات دخل، أو زيادات في الراتب كان من المتوقع الحصول عليها لولا الحرب).
وأكد أن الحرب رفعت تكلفة المعيشة في "إسرائيل"، وذلك بسبب زيادة الضرائب غير المباشرة؛ وارتفاع أسعار السلع المستوردة بسبب صعوبة استيرادها إلى "إسرائيل" وارتفاع أسعار الرحلات الجوية؛ وارتفاع أسعار الوقود نتيجة الارتفاع الحاد في أسعار النفط والغاز عالميًا، وارتفاع أسعار السلع الناتج عن ارتفاع الوقود.
كذلك، لفت إلى ارتفاع تكلفة الرهون العقارية والائتمان، وارتفاع أسعار الفائدة في الاقتصاد، نتيجة المخاطر المالية والتضخم، الذي فرض دفعات أعلى مباشرة على أصحاب المنازل الذين يسددون قروض الرهن العقاري وعلى من حصلوا على قروض أو موجودين في السحب على المكشوف.
وتحدث عن الضرر الذي طال الشركات الصغيرة والمتوسطة، إذ يعاني أصحاب الأعمال الحرة والشركات من انخفاض في حجم استهلاك" الجمهور" (المستوطنين)، وتأخير أو عدم وضوح في الحصول على التعويضات، إلى جانب نقص في القوى العاملة بسبب فترات طويلة من الخدمة الاحتياطية. وتم إغلاق شركات في الشمال بالكامل لفترات طويلة بسبب الحرب مع حزب الله.
وبحسب غولدبرغ، فإن تحويل الميزانية إلى الدفاع جاء على حساب ميزانيات الخدمات العامة والاجتماعية، كالنقل، التعليم، الصحة، والرفاه. وأدت التخفيضات إلى رفع أسعار المواصلات العامة، والوقود لمن تخلّى عنها، وعلى الأرجح أيضًا إلى زيادة الإنفاق على الدروس الخصوصية والطب الخاص لمن يستطيع تحمّل ذلك. وذلك بالإضافة إلى ضرر بصحة الجمهور والتعليم، بحجم لا يمكن قياسه، وقد قدمت الحكومة تعويضات للشركات والمواطنين المتضررين بشكل مباشر. لكن التعويض لم يغطّ جزءًا كبيرًا من نفقاتهم. تعويضات العديد من الشركات غطت فقط جزءًا صغيرًا من الخسارة، العمال في قطاع السياحة اضطروا لتغيير مهنتهم، من تضررت منازلهم حصلوا على المال بعد فترة طويلة عاشوا فيها بالإيجار، ومستوطنو الشمال والجنوب، الذين لم يرغبوا في العودة إلى منازلهم، بقوا دون منزل.
واعتبر أنه "لا توجد طريقة لحساب كامل للأضرار الاقتصادية التي لحقت بالمستوطنيين (فضلًا عن الأضرار الجسدية والنفسية)، فأقرب حساب لذلك هو حساب فقدان الناتج المحلي".
وقال: "في التقرير السنوي لعام 2025 لـ "بنك إسرائيل" ورد تقدير يفيد بأن الفقدان التراكمي للناتج في الاقتصاد "الإسرائيلي" (الفجوة بين الناتج الفعلي وبين الناتج الذي كان متوقعًا لولا الحرب) من تشرين الأول/أكتوبر 2023 حتى نهاية 2025 بلغ نحو 8.6% من الناتج السنوي، أي ما يقارب 177 مليار شيكل" (59 مليار دولار).
ولفت إلى أنه من أجل الوصول إلى رقم يعبر، كتقدير تقريبي جدًا، عن التكلفة الإجمالية للحرب، يجب جمع النفقات المباشرة لحكومة "إسرائيل" (405 مليارات شيكل)، والمساعدات الطارئة الأميركية (26 مليار دولار)، وفقدان الناتج (حوالي 200 مليار شيكل). وبذلك، فإن المجموع يصل إلى نحو 700 مليار شيكل (234 مليار دولار). وهذا أيضًا تقدير ناقص لا يشمل جميع الأضرار الاقتصادية للمواطنين.
وأكد أنه "من الواضح أن هذه التكاليف مرشحة للارتفاع أكثر، لأن الحرب لم تنتهِ بعد".
وخلص غولدبرغ إلى أن موجة الحروب (العدوان) المسماة "حرب السيوف الحديدية" هي الحملة العسكرية الأكثر تكلفة في تاريخ "إسرائيل". وستستمر هذه التكاليف في التأثير على الدين العام، ورفع الضرائب، والإضرار بالخدمات لسنوات طويلة قادمة.