نقاط على الحروف
كاتبة من لبنان
تميّز إعلام "الأمركة" في لبنان، على مرّ السنوات الأخيرة، برفع الشعارات التي تبدو للوهلة الأولى مناصرةً للجيش اللبناني، وتوحي بثقته الكاملة بقراراته، والتي سرعان ما تندثر في اللحظة التي يتحرّك فيها الجيش بما لا يتماهى مع ما تريده عوكر. بكلام أوضح، يريد هذا الإعلام من الجيش في لبنان أن يكون طرفًا يأتمر بأمر سفارة واشنطن في لبنان، وأن يعادي غالبية اللبنانيين لصالح الأهداف الأميركية و"الإسرائيلية"، وإلّا فحجارته جاهزة لرجمه عند أول بيان أو قرار أو كلمة لا تتماهى مع رغباته.
هاجم هذا الإعلام الجيش بشراسة عند كل مفترق ناضل فيه الجيش كي يئد الفتن التي تُحضّر في مطابخ السفارات، ولا سيما الأميركية. ولم ينسَ اللبنانيون بعد الغضب الذي عبّر عنه هذا الإعلام، تمامًا بعد ابتهاجه بقراري 5 و7 آب، فقد بدا أنه كان ينتظر أن يقوم الجيش بتنفيذ القرارين بالقوة والبطش، وأن يصطدم بالمقاومة وأهلها بحجة تنفيذ قرارات السلطة. وواقعًا، حاول الجيش تنفيذ هذه القرارات بشكل تدريجي وغير صدامي، ما أثار حفيظة المتأمركين، حتى ظهر سمير جعجع عبر شاشة MTV ليتهم الجيش بالمراوغة والمماطلة، وليكذّب بيانات الجيش حول السيطرة العملياتية جنوب الليطاني. وبالمنطق نفسه، شنّت كل من صحيفتي النهار ونداء الوطن اعتداءات كلامية طاولت الجيش وعناصره وضباطه وقيادته، مع تبنيهما للتهديدات والضغوط الأميركية و"الإسرائيلية" على المؤسسة العسكرية.
على مرّ الأشهر الأخيرة، تعددت المواقف التي رجم فيها هذا الإعلام الجيش اللبناني، والسبب واحد: يريد جيشًا يأتمر بأمر السفير الأميركي، ويتماهى مع الأهداف "الإسرائيلية"، ويشارك في قتل أهله وأبنائه، ويبدي كل مرونة وتهاون مع العدوان "الإسرائيلي" المتواصل على لبنان، إلى حد عدم التعليق على اغتيال ضباطه وعناصره واستهداف مراكزه في الجنوب.
وقد بلغت وقاحة هذا الإعلام، بالمقياس الوطني، مبلغًا عظيمًا مع انطلاق "مفاوضات العار" في واشنطن، وجُنّ جنون صحيفتي النهار ونداء الوطن، كما قناة MTV، امتعاضًا من رفض الوفد العسكري اللبناني في واشنطن المشاركة في الصورة التذكارية التي توثق جلسات الخزي الوطني.
وللمصادفة، أثار هذا الموقف حنق الإعلام العبري أيضًا، إذ نقله في إطار الإضاءة على "عدم جهوزية الجيش اللبناني للتطبيع"، وبدا مهتمًا بالصورة "الناقصة" أكثر من اهتمامه بالبيانات الصادرة عن جلسات التفاوض نفسها.
أول من بث الخبر في لبنان كانت قناة MTV، إذ نقلت عن مصادر في الخارجية الأميركية أن الجدل مستمر حول رفض الجيش اللبناني التقاط الصورة الافتتاحية في وزارة الخارجية الأميركية، رغم حضوره الاجتماع. بدورها، سارعت النهار إلى الحديث عن "امتعاض يسود بعض الدوائر الأميركية من رفض الوفد العسكري اللبناني الظهور في صورة مشتركة مع الجانب "الإسرائيلي""، وتحرك السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى معوض لمعالجة هذا الامتعاض لئلا يتهدد الدعم الأميركي للجيش اللبناني.
أما نداء الوطن، فقد تناولت الموقف بشكل موسع وعميق، فأوردت عبارة "لوحظ أن الوفد العسكري اللبناني انسحب من القاعة عند التقاط الصور" في أكثر من مقال، ووضعته في إطار "التوتر بالمفاوضات"، كما انتقدت وقوف الوفد العسكري عند ملف "المناطق التجريبية" كما يريدها "الإسرائيلي"، وكذلك نقلت سؤالًا مباشرًا من "الإسرائيلي" إلى الوفد العسكري اللبناني: "أتتحدثون باسم حزب الله أم باسم الدولة اللبنانية؟".
جميع هذه التفاصيل تعكس حالة التوتر التي سادت اللغة التحريرية في "نداء الوطن" بشكل خاص، وجعلتها لا تجتهد في إخفاء استعجالها تنفيذ جميع البروتوكولات والشروط تمامًا كما يشتهيها "الإسرائيلي"، من دون نقاش، ومن دون إظهار أي موقف لا يعجبه، ولو على مستوى صورة تذكارية.
إن موقف هذا الإعلام من الجيش، وجميع الشعارات الخاوية التي يطلقها مشيرًا إلى تمسكه به كمؤسسة وطنية، ليست سوى مجرد كلمات تنقلب إلى نقيضها كلما اصطدمت بعقيدة الجيش التي أسس لها وثبتها رئيس برتبة مقاوم سيكرمه التاريخ على مرّ الأجيال، ويدعى العماد إميل لحود.
هذه العقيدة الوطنية، التي بذل الأميركي كل جهد ممكن في سبيل تغييرها وانتزاع جذورها من تراب هذه الأرض المشبع بدماء أهلها، هي العقدة الأكثر إيلامًا بالنسبة لمعسكر إعلامي ينطق بما تشاء له أميركا أن يقول، إعلام أجاد صياغة الخيانة وتحريرها بلغة ظاهرها إخباري ومضمونها باطل وتضليلي.
إعلام يريد جيشًا خاويًا من وطنيته، مثله تمامًا، ويريد مؤسسات تمارس التصهين بمزايدة على الصهاينة أنفسهم. إعلام يتوخى بكل كلمة تصدر عنه "أسرلة" البلد، فيصدمه أهل الأرض وأبناؤها، من كل فئاتهم وطوائفهم ومعتقداتهم ورتبهم ومناصبهم، وهم يرددون بصوت الشهيد الأسمى: "لبنان هذا لن يكون "إسرائيليًا"".