اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي حزب الله يشيّع الشهيد المجاهد أمجد زهير مظلوم

مقالات

🎧 إستمع للمقال
مقالات

"اتفاق الإطار" في واشنطن.. فخ للبنان وطوق نجاة لنتنياهو

184

كاتب من لبنان

خطت السلطة اللبنانية خطوة إضافية نحو ربط مصيرها بالعدو الإسرائيلي بتوجيه أمريكي. "اتفاق الإطار" الذي أعلن، يوم الجمعة المنصرم، في واشنطن، لا يعدو أكثر من محاولة إسرائيلية للإفلات من قيود مذكرة التفاهم الإيرانية- الأمريكية، والتي تؤكد بوضوح وقف الحرب في لبنان والحفاظ على سيادته ووحدة أراضيه، وتنص على تحقيق هذين المطلبين خلال مهلة ستين يومًا من توقيع المذكرة. 

لقد صوّب العدو على هذا المعنى، إذ وضع الاتفاق في سياق محاولة لفصل الجبهات؛ حيث يكون "الإنسحاب الجزئي خطوة إسرائيلية- لبنانية مشتركة، لا إملاء ايرانيًا"، على حد تعبير مسؤول إسرائيلي لإذاعة جيش الاحتلال. قبل أيام، عبّر السفير الاسرائيلي في واشنطن يحيئل لايتر عن تشاؤمه من مسار المفاوضات مع لبنان؛ لأن المذكرة الإيرانية- الأمريكية جعلت المفاوضات اللبنانية- الإسرائيلية أشبه بـ "قطار ينحرف عن مساره" المقرر، والذي كان يتجه نحو سلام وتطبيع كامل وتفكيك حزب الله ونزع سلاحه، فضلًا عن إلزام "إسرائيل" بوقف الحرب والانسحاب من لبنان دون شروط. 

على ما يبدو، سارعت الإدارة الأمريكية إلى جبر خاطر إسرائيل عن طريق إعداد "اتفاق الإطار"، والذي يعفيها من الالتزام بموجبات التفاهم الإيراني- الأمريكي بحجة الاتفاق المستجدّ بين "إسرائيل" والحكومة اللبنانية. هذا يقود إلى استنتاج مفاده أن الحكومة اللبنانية قدّمت طوق نجاة لموقف العدو ووقعت في فخ الاستدراج الأمريكي إلى اتفاق صيغ بحروف إسرائيلية الجوهر والمقصد. 

تذرعت هذه الحكومة بــــ"الحفاظ على السيادة اللبنانية" ورفض "التدخل الإيراني في لبنان"؛ للابتعاد عن موجبات مذكرة التفاهم الايرانية- الأمريكية، على الرغم من أن المذكرة تتيح لها، في ظل الخلل في موازين القوى، الإفادة من فرصة فريدة للضغط في اتجاه تحقيق وقف النار والانسحاب الإسرائيلي. كان موقف الحكومة الإسرائيلية يرزح مؤخرًا تحت وطأة مأزق داخلي وميداني؛ يدفع باتجاه إجراء مراجعة مطالبها التوسعية والعدوانية في لبنان لجسر الهوة مع الموقف الأمريكي. 

تاليًا، ما أدوات الضغط التي تحتفظ بها الحكومة اللبنانية الآن؛ لإرغام "إسرائيل" على الإنسحاب ووقف النار؟ الجواب ليس واضحًا، عند الحكومة اللبنانية، غير انتظار "حنان" الحكومة الأمريكية المنحازة للرؤية الاسرائيلية!
في التفاصيل، يُؤخذ على "اتفاق الإطار" انعدام التوازن في بنوده؛ فهي تميل بشدة لمصلحة "إسرائيل"، بكثرة البنود التي تحدد واجبات الحكومة اللبنانية، بشكل واضح، في ما يقلّ عدد البنود التي تتناول التزامات الجانب الإسرائيلي، والتي بقيت عامة ورُبط تنفيذها بشكل محكم بتنفيذ الالتزامات اللبنانية الكثيرة، مع فرض شرط "التحقق" منها. 
يمكن، في هذا المجال، التوقف عند النقاط الآتية: 

1- يؤكد الجانب اللبناني، في البند الأول، اعترافه بــ"إسرائيل" و"حقها في الوجود بسلام"، مبديًا استعداده للعيش إلى جانبها و"إنهاء النزاع" معها بمعزل عن أي قضية أخرى، ومنها القضية الفلسطينية. هذا يفصل لبنان تلقائيًا عن الصراع العربي- الإسرائيلي وموجبات المبادرة العربية للسلام التي أُقرت في بيروت، في العام 2002، والتي ربطت السلام والتطبيع مع "إسرائيل" بقيام الدولة الفلسطينية وانسحاب "إسرائيل من الأراضي" التي احتلتها في العام 1967. 

2- ربط "اتفاق الإطار" بين ما أسماه "إعادة انتشار القوات الإسرائيلية إلى خارج الأراضي اللبنانية" بشرط أساسي: "بسط سلطة الدولة اللبنانية فعليًا على الأراضي اللبنانية كالمة والتحقق من نزع سلاح الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة وتفكيك بنيتها التحتية". ترك تحديد هذا المسار إلى "ملحق أمني يُعدّ بدعم كامل من الجانب الأمريكي". هذا المسار يأخذ وقتًا طويلًا، ويترك للجانب الإسرائيلي فرصة التملص من الانسحاب بذريعة أو بأخرى.  
3- تحدَّث "الاتفاق" عن "مناطق تجريبية" تشكل الآلية التي يتم بها "تنفيذ إعادة انتشار القوات الإسرائيلية في مراحل". وأشار إلى منطقتين تجريبيتين أوليين لم يحددهما، طالبًا من الجيش اللبناني زع سلاح الجماعات المسلحة وتفكيك بنيتها التحتية في هذه المناطق، على أن "يتحقق من نجاح" هذه العملية. بعدها، يعِدُ ببدء "جهود إعادة الإعمار بدعم دولي، ويتمكن المدنيون اللبنانيون من العودة إلى هذه المناطق". كما زاد مسؤول إسرائيلي بالقول إن: "إسرائيل هي من ستُحدّد نجاح المرحلة التجريبية من عدمها". بهذا، قد يتحول الإعمار والعودة إلى عملية طويلة قد تتم بالتقسيط المُمل.

4- هناك نص خطير في الاتفاق يفرض على الحكومة اللبنانية طلب "دعم الشركاء الدوليين، لا سيما العرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، لتحقيق مطلب نزع السلاح الكامل من الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة، والتحقَّق منه. هذا يوحي بأن المطلوب الزجّ بدول عربية في المعترك اللبناني الداخلي، بدلًا من تركه لحوار لبناني – لبناني بتشجيع من الدول العربية والأمم المتحدة. يعيد ذلك إلى الأذهان المطالبة الأمريكية لدول عربية وإسلامية محددة بإرسال قوات الى قطاع غزة لنزع سلاح المقاومة بالنيابة عن المحتل الإسرائيلي. 

5- يشرّع "اتفاق الإطار"، كما التفاهم اللبناني – الإسرائيلي، والذي أذاعته الخارجية الامريكية في نيسان/ أبريل الماضي، الأعمال العسكرية والوجود العسكري لجيش الاحتلال الإسرائيلي في لبنان. يشترط لوقف هذه الأعمال وهذا الوجود الاحتلالي "نزع سلاح الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة وتفكيك بنيتها في أنحاء لبنان كله" والتوصل الى "ترتيبات أمنية إضافية يتفق عليها البلدان". هذا يعني أن "التحقق" من التزامات لبنان بهذا الخصوص، سيؤجل إلى مدة طويلة وقف الاعتداءات الإسرائيلية وحصول الانسحاب الإسرائيلي، ما يجعل لبنان الرسمي تحت ضغط إسرائيلي لا يُحتمل سيؤثر بالتأكيد في موقعه في المفاوضات اللاحقة.  

6- تتعهد الحكومة اللبنانية، بموجب هذا الاتفاق، برفض "أي ادعاء من أي دولة أو جهة غير حكومية باستخدام القوة نيابة عنها من دون تفويض صريح منها"، لأن ذلك "غير قانوني" و"يتعارض والمصالح الوطنية اللبنانية". هذا يعني رفضها عمليات المقاومة التي تأتي في إطار الرد على الانتهاكات الإسرائيلية، وكذلك أي تصدٍ إيراني لهذه الخروق بموجب مذكرة التفاهم الإيرانية- الأمريكية. كما يتحدث الاتفاق عن رفض الطرفين الحكوميَّيْن اللبناني والإسرائيلي قيام أي طرف ثالث بممارسة "الحق في الدفاع عن النفس" نيابة عنهما. هذه الفقرة تفسر ما سبق على نحو أوضح. كما يتحدث عن التزام الحكومتين بإنشاء مجموعة للتنسيق العسكري، بدعم ومشاركة من الولايات المتحدة الأميركية لضمان التنفيذ الشامل لهذا الإطار، وهذا يتطلب تنسيقًا أمنيًا مباشرًا بين الجانبين.

7- يُلزم "الاتفاق" حكومة الجمهورية اللبنانية "بتنفيذ برنامج صارم قائم على الأداء" في ما يتعلق ببسط "السيطرة العسكرية والأمنية الكاملة داخل لبنان، وفقًا للترتيبات الأمنية التي يتفق عليها في إطار المفاوضات". ينوه بأن "أي مساعدات أميركية جديدة ستكون مشروطة، بشكل صارم، بتحقيق مراحل محددة وقابلة للتحقق وبالشفافية الكاملة، وإثبات النتائج واستمرار آليات الرقابة والإشراف". هذا يضع الدولة اللبنانية تحت إشراف أمني كامل من الجانبين الأمريكي والإسرائيلي ويكبّلها بشروط قوية، ما قد يخلّ بمبدأ السيادة الوطنية، ويعقّد العلاقات الداخلية بين السلطات والمقاومة وحلفائها. مجددًا، يؤكد الاتفاق وجود تلازم بين الالتزام بهذا الشرط وإعادة الإعمار وإنعاش الاقتصاد. 

8- يلزم "الاتفاق" لبنان بالعمل مع الولايات المتحدة الأميركية لـ "منع وصول الأموال إلى أي كيان أو منظمة أو فرد مرتبط بأي جماعة مسلحة غير تابعة للدولة، وباتخاذ التدابير القانونية المتاحة كلها لحظر أنشطة أي من هذه الكيانات أو المنظمات أو الأفراد". الأهم "تلتزم حكومة الجمهورية اللبنانية صراحةً بمنع وصول أموال إعادة الإعمار إلى الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة أو إلى الكيانات المرتبطة بها"، ما يُجهض المبادرات غير الحكومية، ويشدد الضغوط على القدرة على إعادة الإعمار وقد يؤخرها الى أمد طويل بسبب الالتزامات الأمنية وصعوبة التحقق من إنجازها.

9- يشير الاتفاق إلى أنه "فور التوقيع على هذا الإطار، سيعمل البلدان على إنشاء مجموعات عمل تتولى إعداد اتفاق شامل للسلام والأمن. كذلك، ومن أجل تحقيق أهداف هذا الإطار، تنشئ الحكومتان فورًا مسارات موازية للتواصل المباشر والمستمر". هذا يشير إلى أن الموضوع يتجاوز الأهداف المرحلية إلى تطبيع كامل للعلاقات وتواصل مباشر بين الطرفين على الصعد كلها. 

10- هناك فقرة خطيرة أخرى يتعهد فيها لبنان "بوقف الأعمال العدائية كلها أو الضارة في المحافل السياسية أو القانونية الدولية، والعمل على البحث عن الرفات وإعادتها والإفراج عن المحتجزين". هذا يعني بوضوح أن لبنان لن يتمكن، بموجب ذلك، من رفع أي دعاوى جنائية ضد العدو بسبب جرائم الحرب التي ارتكبها خلال الحرب أو تقديم مطالبات بالتعويض عن الأضرار التي لحقت من جراء هذه الجرائم التي شهدت محو قرى عن وجه الأرض، فضلًا عن الخسائر البشرية. كما أن التطرق إلى البحث عن الرفات والإفراج عن المحتجزين قد يشير إلى الربط بين رفات جنود إسرائيليين فُقدوا في لبنان وإطلاق الأسرى اللبنانيين المحتجزين في سجون العدو. وهما قضيتان مختلفتان زمنيًا وموضوعيًا. 

هذا غيض من فيض "اتفاق الإطار" والإلزامات التي يتضمنها. إذا كان يشير إلى تعهدات من الجانبين، فالمقصود الفعلي منها والمتضرر من نتائجها هو لبنان. هذا ما يقودنا إلى استنتاج مفاده أن الأيادي الإسرائيلية هي التي صاغت الاتفاق، ودور لبنان كان هامشيًا وقاصرًا إلى حد بعيد. من شأن ذلك أن ينقل كرة السجال من الملعب الإسرائيلي إلى الملعب اللبناني، وقد يترك تداعيات كبرى على تماسك الساحة اللبنانية. 

في المحصلة، يؤخر العدو بمثل هذا الاتفاق الانسحاب من الأراضي اللبنانية، ويدرك مسبقًا أن السلطة اللبنانية لا تملك القدرة على الوفاء بهذه الالتزامات الثقيلة التي قبلت بوضعها على ظهرها، خاصة أنها تنطلق من رؤية استراتيجية تقول بضرورة السيطرة على أحزمة أمنية، يطلق عليها العدو تسمية "المناطق الصفراء"، في لبنان وسوريا وغزة، في جزء من الخلاصات التي وصل إليها بعد حرب غزة. هذا بالذات كان عائقًا أساسيًا أمام توصل السلطة الانتقالية في سوريا إلى اتفاق مع الجانب الإسرائيلي، فما الذي يدعو السلطة اللبنانية إلى القبول بمثل هكذا اتفاق؟

الكلمات المفتاحية
مشاركة