مقالات مختارة
ناصر قنديل- صحيفة "البناء"
تكشف العودة إلى وقائع الأشهر الثلاثة الماضية أن ما جرى لم يكن انتقالاً راسخاً من الحرب إلى السلام، بل انتقالاً من حرب بين الدولتين الإيرانية والأميركية إلى تجاذب ساخن بينهما حول توظيف واستثمار عائداتها. ففي الثامن من نيسان أُعلن وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، منزلاً الستار عن المواجهة العسكرية المباشرة، لكنه لم ينهِ التفاوض على مفاعيلها السياسية. وفي اليوم التالي مباشرة، عاد الحديث فجأة عن الدعوة اللبنانية إلى التفاوض مع “إسرائيل”، بعدما بقيت قرابة شهر من دون أي تجاوب أميركي أو إسرائيلي. من دون أن يكون قد تبدل شيء في لبنان خلال أربع وعشرين ساعة، لكن الذي تبدل هو أن الحرب توقفت، وبدأت معركة جديدة عنوانها كيفية توزيع نتائجها.
قبول واشنطن وتل أبيب بفتح المسار اللبناني لم يكن يومها اعترافاً بأولوية الملف اللبناني، بل كان سعياً لإنشاء مسار سياسي يمكن الاحتفاظ به إلى حين الحاجة إليه. ولذلك بقي هذا المسار طوال أسابيع مجرد إطار تفاوضي، من دون اتفاق ومن دون نتائج عملية، فيما كانت المفاوضات الأميركية – الإيرانية تتقدم بصمت نحو صوغ تفاهم شامل. ولو كان المسار اللبناني قائماً بذاته، لكان من الطبيعي أن يثمر على إيقاع منفصل يتصل بمفرداته، لكنه بقي معلقاً حتى ولادة التفاهم الأمريكي الإيراني؛ لأن وظيفته الحقيقية لم تكن معالجة الوضع اللبناني، بل انتظار اللحظة السياسية المناسبة بالارتباط العضوي والبنيوي بما يجري على مسار واشنطن – طهران وكيفية قراءته في تل أبيب.
جاءت تلك اللحظة في حزيران. فمع اقتراب إعلان التفاهم الأميركي الإيراني، ثم إعلانه، خرج الاتفاق اللبناني – الإسرائيلي إلى الواجهة. وفي الوقت نفسه تقريباً، انعقد اجتماع المنامة، وبدأ الحديث عن ترتيبات وممرات بديلة لحركة ناقلات النفط في الخليج. ولم يكن التزامن مصادفة، لأن الوظيفتين كانتا متشابهتين. ففي لبنان، أُريد للاتفاق أن يقول إن مستقبل الجنوب والعلاقة مع “إسرائيل” يصنعان عبر مسار مستقل عن التفاهم الأميركي – الإيراني. وفي الخليج، أُريد لمسار المنامة أن يوحي بأن أمن الملاحة في مضيق هرمز يمكن تنظيمه عبر ترتيبات خليجية – أميركية لا تجعل من التفاهم مع إيران مرجعية وحيدة.
لم يكن المساران اللبناني والخليجي بديلاً عن الحرب، بل محاولة للمضاربة على التفاهم. فقد قبلت واشنطن بالتفاهم مع طهران لأنها احتاجت إليه لإنهاء الحرب، لكنها حاولت بعد ذلك تقليص مفاعيله السياسية عبر إنشاء مسارات رديفة تستعيد بعض الملفات التي بدا أنها انتقلت بحكم الحرب إلى الطاولة الأميركية – الإيرانية. كان المطلوب إعادة توزيع الأرباح: استعمال السلطة اللبنانية لتأمين بوليصة تأمين لـ”إسرائيل” تحميها من العائدات المقلقة للاتفاق الأميركي الإيراني، عبر اتفاقٍ يجري تسويقه باعتباره إنجازاً مستقلاً، واستخدام الحلفاء الخليجيّين لتخفيف الخسائر في مسار هرمز لخلق انطباع بأن أمن الخليج لا يزال يُدار من خارج التفاهم مع إيران.
لكن هذه المناورة اصطدمت سريعاً برد فعل معاكس. فقد جاءت الرسائل الإيرانية واضحة بأن لبنان وهرمز ليسا ملفين منفصلين عن التفاهم، وأن أي محاولة لإعادة تفسير ما تمّ الاتفاق عليه عبر أبواب جانبيّة تعني عملياً تعديل قواعد اللعبة من طرف واحد والمخاطرة بالعودة إلى الحرب. ولم يكن مضمون الرسالة أن إيران تريد العودة إلى الحرب، بل إنّها لن تقبل أن تتحوّل نتائج الحرب إلى مادة تفاوض في مسارات رديفة. فإذا كان التفاهم قد أنهى الحرب، فإن العبث بأسسه يعيد المنطقة إلى النقطة التي سبقت وقف إطلاق النار.
عند هذه اللحظة فقط تغيّرت الأولويات الأميركية. لم تعد المشكلة كيفيّة إنجاح الاتفاق اللبناني – الإسرائيلي أو تسويق ترتيبات المنامة، بل كيفيّة منع انهيار التفاهم الأميركي – الإيراني نفسه. فبدلاً من أن تؤدي المسارات الرديفة إلى تعزيز موقع واشنطن، أصبحت تهدّد المسار الأصلي الذي قام عليه الاستقرار الهش. ومن هنا يمكن فهم الحركة الأميركية الأخيرة: تكثيف الاتصالات مع طهران، عودة الوسطاء القطريّين والباكستانيّين والعُمانيّين إلى الواجهة، وتحرّك قائد القيادة المركزيّة الأميركيّة بين تل أبيب وبيروت لاحتواء التصعيد، لا لإحياء المسارات الرديفة، بل لمنعها من إسقاط المسار الأصليّ.
هذا يضع المسارات الرديفة أمام حقيقة دورها الوظيفيّ، حيث تجد السلطة اللبنانيّة نفسها أمام مأزق حقيقي؛ لأن الرهان على الاتفاق اللبناني – الإسرائيلي باعتباره باباً لتحقيق ما عجز عنه التفاهم الأميركي – الإيراني يبدو اليوم أكثر صعوبة من أي وقت مضى. فإذا أصرّت واشنطن على منح هذا الاتفاق مضموناً يتعارض مع التفاهم، فإنّها تخاطر بانهيار التفاهم نفسه. وإذا تمسكت بحماية التفاهم، فإن الاتفاق اللبناني يفقد قيمته السياسية، ويصبح عاجزاً عن إنتاج الإنجازات التي وُعد بها. وينطبق الأمر نفسه على مسار المنامة؛ فبعدما بدأ وكأنّه مدخل لترتيبات جديدة في الخليج، عاد الحديث مجدداً إلى الحلول الدبلوماسيّة مع إيران، وإلى أولوية منع التصعيد في هرمز. وهذا يعني أن المشروع الذي أُريد له أن يقدم بديلاً عن التفاهم، انتهى إلى الاعتراف الضمني بأن التفاهم هو الإطار الذي لا يمكن تجاوزه، وبادرت عُمان للقول إن ضمان الأمن في عبور الناقلات مسؤولية إيرانية خلال الستين يوماً من التفاوض والاتفاق.
لم يكن وقع الرسائل الإيرانية نابعاً من الرغبة في الحرب، بل من معادلة مختلفة تتعلق بعامل الوقت. ففي الحسابات العسكرية والاقتصادية، لا يبدو الوقت عدواً لإيران كما يُفترض، بل حليفاً لها؛ لأن الولايات المتحدة خرجت من الحرب وقد استهلكت جزءاً مهماً من مخزونها من الذخائر النوعيّة، وهي تعلم أن تعويض هذا النقص يحتاج إلى سنوات لا إلى أشهر، كما خرجت وهي تعاني نفاد مخزونها الاستراتيجي النفطي، الذي يحتاج لإعادة ملئه إلى سنوات أيضاً، وهي تدرك أن أي اضطراب جديد في مضيق هرمز سيصيب سوق الطاقة في لحظة لا تزال الأسواق العالمية شديدة الحساسية لها، وأن تعويض آثار ذلك اقتصادياً ليس مهمة سريعة. أما إيران، فقد استخدمت فترة وقف النار لإعادة فتح مداخل مدنها الصاروخيّة وترميم ما تضرر من بنيتها العسكرية، وإعادة توزيع منظومتها الدفاعية، وتعزيز شبكات الرصد والدفاع الجوي، وفي الوقت نفسه استفادت من الهدوء لتسويق عشرات ملايين البراميل من النفط، وتخفيف الضغط عن مخزونها العائم، وتحويل جزء من أصولها النفطية إلى سيولة مالية. لذلك، فإن معادلة الوقت ليست متوازنة بين الطرفين؛ فكلما طال أمد الهدوء من دون تعديل التفاهم، ازدادت قدرة إيران على تثبيت مكتسباتها، فيما لا تملك واشنطن ضمانة بأن الوقت يعالج نقاط ضعفها بالوتيرة نفسها.
لا تبدو العودة الأميركية إلى المسار الأصلي تعبيراً عن اقتناع سياسي فقط، بل عن إدراك استراتيجي بأن المسارات الرديفة كادت تطيح بالتفاهم، وأن انهيار التفاهم لا يعني مجرد فشل دبلوماسي، بل إعادة فتح حرب لم تعد موازين الوقت فيها تميل بالقدر نفسه لمصلحة الولايات المتحدة. ولذلك، عندما اهتزّ المسار الأصلي، لم تجد واشنطن بداً من التضحية بالمسارات التي أنشأتها للمضاربة عليه؛ لأن الأصل يبقى أصلاً، أما الفروع فلا تعيش إذا سقط الجذر.