اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي بعد تهديد العدو لقائد الثورة الإسلامية.. إيران تخاطب مجلس الأمن

إيران

التفاوض على الطريقة الإيرانية.. لماذا بكت المفاوضة الأميركية على الطاولة؟
🎧 إستمع للمقال
إيران

التفاوض على الطريقة الإيرانية.. لماذا بكت المفاوضة الأميركية على الطاولة؟

62

ما بين حياكة السجاد الفارسي وأروقة الدبلوماسية المعقدة، هناك خيطٌ رفيعٌ يتقن الإيرانيون حياكته بالصبر وطول البال. مهارةٌ ظهرت بوضوح، في كواليس الساعات الأخيرة للاتفاق النووي في العام 2015، وتحديدًا في اللحظة التي انهمرت فيها دموع رئيسة وفد التفاوض الأميركي ويندي شيرمان.

تحكي شيرمان في مذكراتها كيف باغتها نظيرها الإيراني عباس عراقجي، على الطاولة، بعد سنتين من المباحثات المرهقة. بينما كانت المفاوضات تقترب من نهايتها، طلب عراقجي فجأةً إعادة فتح النقاش حول نقطةٍ كانت قد حُسمت بالفعل. في تلك اللحظة، رُفع الستار عن وجهٍ إنسانيٍّ غير معتادٍ في هذه المواقف؛ فقد نفد صبر شيرمان وانفجرت باكيةً من شدة اليأس والإحباط. وقالت شيرمان بانفعال: "كفى.. تجاوزنا الموعد النهائي، والكونغرس على وشك الدخول في عطلة.. أنتم تخاطرون بكل ما عملنا من أجله". وقد علّق عراقجي على المشهد في كتابه "قوة التفاوض" قائلًا: "كانت هذه المرة الأولى التي أرى فيها مفاوضًا يبكي على الطاولة".

هذه القصة لا تُروى لمجرد التسلية، بل لتلخص عقيدة التفاوض الإيرانية وقدرتها على اللعب بأعصاب الخصم حتى اللحظة الأخيرة. هي السمعة ذاتها التي جعلت الرئيس الأميركي دونالد ترمب يقول خلال ولايته الأولى إنَّ: "إيران لم تكسب حربًا قط، لكنها لم تخسر أي مفاوضات". حتى إنَّ عراب السياسة الأميركية الراحل هنري كيسنجر أهدى نسخةً من كتابه الشهير "الدبلوماسية" إلى وزير الخارجية الإيراني الأسبق محمد جواد ظريف، وكتب له عبارةً تحمل الكثير من التقدير: "إلى عدوي المحترم".

هذا النفس الطويل لم يولد فجأة؛ فمنذ ثورة العام 1979، أصبح التفاوض بالنسبة إلى طهران امتدادًا للصراع نفسه وليس وسيلةً لإنهائه. ظهر هذا بوضوح في أول اختبار حقيقيّ، خلال أزمة أسرى السفارة الأميركية في طهران، والتي استمرت 444 يومًا. هناك، تعلم النظام الإيراني الجديد كيف يحوّل الوقت والضغط النفسي والإعلام إلى أوراقٍ سياسية رابحة، ليتشكل عند الغرب انطباع بأن الإيرانيين لا يفاوضون بالطرق التقليدية أبدًا، وأنهم يرون التفاوض عملية مستمرة وليس محطة نهائية.

لكن "الماركة المسجلة" للمفاوض الإيراني وُلدت، خلال أزمة البرنامج النووي بين عامي 2003 و2015. على مدار أكثر من 12 عامًا، تغيرت وجوهٌ ورؤساء وحكوماتٌ في واشنطن وأوروبا، وتوالت العقوبات والتهديدات العسكرية، وبقي الوفد الإيراني يجلس على الطاولة بالنهج الهادئ و"المستفز" ذاته، ليرسخ في أذهان العالم صورة المفاوض الصبور الذي يعرف كيف يرهق خصومه حتى يملوا، وهو يواصل التفاوض بلا نهاية.

التفاوض في الثقافة الإيرانية

عند تفكيك "عقيدة إيران التفاوضية"، غالبًا ما يُربط سلوكها المعاصر بإرثها الإمبراطوري. إذ يرى هنري كيسنجر، في كتابه "النظام العالمي"، أن بلاد فارس تاريخيًّا لم ترَ نفسها مجرد دولة، بل مركزًا للإنجاز الإنساني. لقد صُبت هذه الخبرة التاريخية في قالبٍ دبلوماسيٍّ متقنٍ يعتمد على الصبر وطول النفس والتلاعب النفسي بالخصوم.

يؤكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في كتابه "قوة التفاوض"، أن التفاوض بصفته إحدى أدوات السياسة الخارجية لطالما أدى دورًا محوريًّا في سياسة إيران، شارحًا أن النهج الإيراني المعروف عالميًّا بـ"أسلوب البازار"، إشارة إلى المساومة المستمرة الدؤوبة، هو نمط تفاوضي يتطلب صبرًا ووقتًا طويلًا ومتابعةً دقيقة. أُطلق عليه أسلوب "تاجر السجاد"؛ لأن السياح كانوا يلاحظون هذا الأسلوب عند تعاملهم مع بائعي السجاد في إيران، كما يُسمى أحيانًا أسلوب "حائك السجاد"، لأن السجادة الفارسية قد تستغرق سنوات لنسجها بصبرٍ وروية.

يكشف عراقجي أن المبدأ الأساسي في المساومة هو التكرار ثم التكرار ثم التكرار، بعد ذلك يأتي العناد والثبات على الهدف مع تغيير الأسلوب حتى يتحقق المطلوب، مبينًا أن الأمر أشبه بساحة حرب أو اجتياز حقل ألغام، حيث قد يؤدي أقل خطأ إلى الهلاك، بخلاف الصورة التي تبدو للناس عن المفاوضات حوارًا بين أشخاص متأنقين يلتفون حول طاولة. وقد نُقل عن وزير الخارجية البريطاني الأسبق جاك سترو قوله إن الإيرانيين أصعب المفاوضين.

في السياق ذاته، تحكي ويندي شيرمان كبيرة المفاوضين الأميركيين ونائبة وزير الخارجية الأميركية السابقة، في مذكراتها بعنوان "ليس لضعاف القلوب: دروس في الشجاعة والقوة والمثابرة"، أن الإيرانيين غضبوا منها حين صرحت بأن الخداع جزء من جيناتهم، وقد شبهت شيرمان التفاوض معهم بمكعب روبيك، حيث "تعديل وجه واحد يتسبب في إفساد ترتيب بقية الوجوه، ما يفرض عليك إعادة إصلاحها جميعًا من جديد". وتستطرد قائلة: "امتدت إحدى الجلسات من وقتٍ مبكرٍ من المساء حتى الساعة الثالثة صباحًا، حيث تصادمت مجموعتان من المحامين حول كل كلمة في فقرة واحدة.. كنتُ أقول للصحافة عندما يسألون عن القضايا العالقة: لا يُعد أي جزءٍ من الاتفاق منتهيًا حتى يتم الانتهاء منه بالكامل".

يشدد عراقجي، في كتابه، على أهمية دراسة المفاوض لعلم النفس السلوكي ليستطيع تحليل شخصيات من يتفاوض معهم وتوقع ردود فعلهم ليضبط سلوكه وخطابه بناءً على ذلك، ولا يظهر الغضب ولا التوتر إلا إذا كان ذلك مقصودًا ضمن تكتيك تفاوضيٍّ. وهو ما أشارت إليه شيرمان بإن بعض لحظاتهم العاطفية كانت محسوبة وتكتيكية بحتة، مضيفةً: "تعلمت تمييز أي من انفعالات ظريف الدرامية كانت للمبالغة، وأيها كانت تعبيرًا عن غضبه الحقيقي".

الزمن بوصفه سلاحًا

في الأدبيات التقليدية، يُنظر إلى الوقت بكونه إطارًا للتفاوض، أما في التجربة الإيرانية والمدارس المماثلة لها، فيُنظر إليه غالبًا بكونه أداةً تفاوضيةً بحد ذاته، فالطرف الذي يستطيع الانتظار أكثر، قد يملك فرصة أفضل لتغيير الظروف السياسية أو الاقتصادية أو الانتخابية عند خصمه. يُعرف هذا بـ"الصبر الإستراتيجي"، أي استخدام الزمن لامتصاص الضغوط وتأجيل المواجهات المباشرة لتجنب الخسائر الفورية مع بناء القدرات تدريجيًّا.

المصدر : الجزيرة
الكلمات المفتاحية
مشاركة