اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي بعد فشل كلٍّ منهما على حدة في إسقاط المقاومة... العدو وسلطة بيروت يتحدان

نقاط على الحروف

اتفاق العار.. وانتحار السلطة! 
🎧 إستمع للمقال
نقاط على الحروف

اتفاق العار.. وانتحار السلطة! 

212

كاتبة من لبنان

منذ دخول قطار السلطة في لبنان نفق "التفاوض المباشر" وبلوغه محطة "اتفاق الإطار"، يتضاءل عدد ركاب المقطورات اذ يترجلون منها لينجوا بأنفسهم من وصمة الخيانة وعارها، وبذلك يزداد القطار خفّة وسرعة في الإنحدار نحو هاوية تدعى "مزبلة التاريخ". ولذلك، يحاول سائق القطار ومساعدوه استدعاء ما أمكن من الركاب الغافلين أو الجاهلين لملء الفراغات التي باتت ظاهرة لكلّ ناظر عسى يحظى قطاره بثقل يمكّنه من مواصلة المسير نحو ما تريده أميركا، بسلام.

اتفاق الإطار الذي وقّعته سفيرة السلطة اللبنانية إلى واشنطن مع كيان الاحتلال، بمباركة ابستينية، شكّل الضربة القاصمة لظهر "العهد" الذي اعتلى السلطة بناءً على عهود والتزامات سرعان ما نكث بها وتنصّل منها، فانفضّ عنه الجمع القليل الذي كان قد اجتهد في تصويره بتقنية zoom in كي يبدو أكثر عددًا، وعمد إلى تظهيره كمشهدية "إجماع وطني" لا يعارضها إلا حزب الله وحركة أمل، بالتزامن مع حملات إعلامية تولاها بعض الأبواق من ذوي الصوت المرتفع وخبراء "الجعجعة بلا طحين" والتي كرّست أيامها ولياليها للحضور عبر الشاشات والأوراق بغية "التطبيل" لقرارات السلطة وتدعيم وهمها بأنّها ذات تمثيل شعبي وازن في البلد.

ببساطة شديدة، حاولت السلطة بكلّ جهد ممكن الإيحاء بأنّها تمثّل اللبنانيين من مختلف التوجهات والأحزاب والطوائف، وتوهّمت في لحظة ما أنّها بذلك تحمي مسارها التنازلي المذلّ وتجلب له جمهورًا يصفّق ويثني على عار "الاتفاق"؛ إلّا أنّ رياح الواقعية والعقلانية والوطنية بأدنى معاييرها لم تجرِ بما اشتهت أشرعة الخيانة، فسارع اللبنانيون من مختلف انتماءاتهم السياسية والطائفية والحزبية إلى التمايز عنها والتبرؤ منها، ويشمل ذلك حتى الذين لم يعترضوا صراحة على الذهاب إلى التفاوض المباشر والتزموا الصمت بانتظار ما قد ينتج عنه. 

الحاضنة الرافضة لاتفاق السلطة مع كيان الاحتلال وجميع بنوده المذلّة تحوي جميع أهل هذه الأرض التي لم تجفّ على ترابها دماء خيرة رجالها بعد، ولذلك أصدرت الأحزاب اللبنانية من مختلف التيارات الفكرية والعقائدية بيانات تدين جريمة "اتفاق الإطار" وتعلن صراحة وجهارًا أنّه خيانة للدم وللأرض وتدعو السلطة إلى التراجع عنه: حزب الله، حركة أمل، التيار الوطني الحر، الحزب التقدمي الاشتراكي، تيار المردة، الجماعة الإسلامية، الحزب القومي السوري الاجتماعي، حركة الشعب، الحزب الشيوعي اللبناني، التنظيم الشعبي الناصري وغيرها من الأحزاب، بالإضافة إلى لقاء القوى والأحزاب الوطنية وهيئة علماء المسلمين وتجمع العلماء المسلمين. وكما على المستوى الحزبي وأهل الانتماءات السياسية، كذلك على مستوى الأفراد الذين في العادة لا تعنيهم عادة الشؤون السياسية. فالخيانة فعل مناف للأخلاق أولًا، وخيار يتناقض مع كلّ معيار إنساني ووطني!

إذًا، سرت بنود الاتفاق المعلنة وتلك التي طلبت الحكومة اللبنانية أن تبقى "سريّة" كالنار في قلوب الناس، وأحرقت الجمع الضئيل الذي كان قد منح العهد فرصة، ليصبح مرتكبو جريمة "اتفاق الإطار" وحدهم.. وحدهم تمامًا، بلا وزن تمثيليّ وبلا حاضنة شعبية ولو ضئيلة، إذ لم يرتضِ على نفسه أي حزب أو تجمّع أو منبر أو طائفة، مذلّة خيانة الدماء والتخلّي عن الأرض والانبطاح التام للإرادة "الإسرائيلية". وفي ما عدا قدامى حزبي القوات والكتائب بالإضافة إلى بعض الأبواق الإعلامية المأجورة والشخصيات المغمورة، لم يعد للسلطة في لبنان أيّ سند داخليّ يمكّنها من تصديق نفسها إن قالت "أنا أمثّل اللبنانيين"!

وحين استشعرت السلطة الثقل التمثيلي لهذه الحقيقة الرافضة لثقافة الاستسلام وتشريع الخيانة، وبدلًا من التراجع عن الخطيئة المميتة والإقرار بأن ما وقّعت عليه في واشنطن غير ذي قيمة، عمدت إلى مواصلة الحملة الإعلامية وبيع الأوهام في الدفاع عن خيار الخيانة وتصويره كخيار وطنيّ وفرصة للنهوض بالبلد! حتى بهجة "إسرائيل" المعلنة بالاتفاق الذي تطّنه سيُكسبها ما عجزت عن كسبه عسكريًا، لم تدفع المروّجين له إلى بعض الحياء أو إلى الصمت ولو حفاظًا على ماء وجوههم. وعلى الرغم من أن البنود التي وقّعت السلطة عليها جاءت فاضحة بشكل لا يمكن لمنطق مقبول أن يبرّره، وممّا تسرّب من ملحقات "سريّة" أفشتها "إسرائيل"، لا يدع مجالًا لذرّة من حسن الظنّ أو لفرصة قد يمنحها حتى الأكثر سذاجة للسلطة، واصل المطبلون للخيانة ظهورهم الإعلامي بداعي الترويج لها وتشريعها والتطبيع معها، بدون أدنى منطق عقلانيّ يحترمون من خلاله الجمهور، فصرنا نراهم مشتّتين عاجزين، يطرحون ذرائع مسيئة إلى العقل البشريّ لشدة ركاكتها، ويغلّفون الخيانات المشهودة والواضحة بشعارات واهية، ويفسرون المفاهيم بنقيضها، وهنا لا يُلام المطبّلون، إذ خرج رأس السلطة معاتِبًا اللبنانيين على سوء فهمهم للاتفاق، ومتهمًا إياهم بعدم قراءة بنوده جيّدًا، والتي بحسب تفسيره تحفظ سيادة لبنان وتحمي أراضيه وأهله، فعلى سبيل المثال لا الحصر، علّق الرئيس على استهجان اللبنانيين لبنود الاتفاق: "يقولون إنّ البند 13 في صيغة الإطار يمنع على لبنان رفع دعوى عمل قانوني في المحافل الدولية، ريثما تنتهي المفاوضات، على أي أساس يقولون إننا تنازلنا؟ فليقرأوا البند بشكل صحيح ليعرفوا أننا لم نتنازل". استجاب اللبنانيون للعتب الرئاسي وقرأوا نص البند 13: "انسجاماً مع هدفهما المشترك المتمثل في إقامة علاقات مستقرة وسلمية، تلتزم إسرائيل ولبنان باتخاذ إجراءات بحسن نية تعكس نياتهما الإيجابية، بما في ذلك وقف كل الأعمال العدائية أو الضارة في المحافل السياسية أو القانونية الدولية، والعمل على البحث عن الرفات وإعادته، والإفراج عن المحتجزين". وهنا لا حاجة للتعليق ما دمنا نتكلّم بلغة واحدة! 

على مستوى آخر، بدا أنّ القصر الرئاسي ما عاد وجهة للزائرين وطالبي المواعيد المتأخرة منذ أشهر، ولملء الفراغ، تحدثت مصادر صحفية عن قيام الفريق الاستشاري للرئيس بالاتصال ببعض الشخصيات من النقابات والقطاعات العمالية والفنية المختلفة لدعوتهم إلى لقاء الرئيس، بهدف أخذ ما يكفي من صور يُصار إلى استخدامها والترويج لها كدليل على حاضنة شعبية لأداء العهد، وارتكاباته! كذلك أشارت المصادر إلى تمنّع معظم المدعوين عن تلبية الدعوة خوفًا من الظهور بمظهر الموافقين على ما جرى ارتكابه في واشنطن، ما يُسقطهم هم أيضًا من عين محيطهم ومن يمثلون.

واقعًا، وبدون حاجة إلى أي صدام، سقط الاتفاق بجميع بنوده وملحقاته. فالرفض الذي عبّرت عنه الغالبية العظمى من اللبنانيين أسقطت أيّ فرصة له بالتطبيق، وإن طالبت السلطة الناس بتركها "تجرّب" هذا الخيار، فجواب الناس كان واضحًا: "من جرّب المجرّب..." ولا سيّما بعد سلسلة من التجارب الفاشلة والتي جاءت في السياق الاستسلامي نفسه، من تجربة الدبلوماسية إلى تجربة إصلاح "قسطل مياه" وصولًا إلى تجربة "التفاوض المباشر" و"اتفاق الإطار" الذي انبثق عنه وكشف آخر أوراق التوت عن التواطؤ الذي ذهبت فيه السلطة بعيدًا وهي تكرّر "تجارب" فشلها حتميّ واحتمال نجاحها أدنى بكثير  من الصفر! ولعل فكرة "خلونا نجرب" التي تكرّرت وتكرّر فشلها في الأشهر الأخيرة استطاعت بالأمس رسم ابتسامة ساخرة على وجوه الناس في بلد أثبتت فيه المقاومة أنّها التجربة الوحيدة التي تؤدي إلى نتائج مضمونة على مستوى حفظ السيادة الحقيقية والكرامة الوطنية.. ابتسامات ساخرة امتدت على مساحة ١٠٤٥٢ كلم مربّع أبلغت جميع من يطالب بفرصة "التجربة" أنّ هذه الأرض ليست حقل تجارب لهواة الانبطاح، ولا أهلها فئران تجارب مسلوبة الإرادة في مختبر شيطاني! وبذلك، أصبح خيار السلطة ابتداء بالذهاب إلى التفاوض المباشر مع العدوّ والانبطاح غير المشروط لأوامره تحت مسمّى "اتفاق الإطار" أشبه برصاصة أطلقتها بنفسها على رأسها، وانتحرت! ولعلّ هذا الاتفاق الاطاري، بكلّ ما فيه من معالم الخيانة الوطنية والتساهل بالدم وبالأرض، كان لحظة أظهرت بدون أي تعديل حقيقة لبنان وأهله، بكلّ اختلافاتهم وحتى تناقضاتهم، جميعهم يرفضون ذلّ الرضوخ للعدوّ ويرفضون أن تمثّلهم سلطة الوصاية، إلّا قلّة ظنّت أن الظروف تغيّرت وباتت تتيح اتفاق ١٧ أيار جديد. قلّة كعادتها خابت وستظلّ تخيب!

الكلمات المفتاحية
مشاركة