خاص العهد
لم يهدأ الجدل الذي أثاره إعلان "اتفاق العار" الموقّع في واشنطن، في 26 حزيران/يونيو 2026، بين ممثلي الدولة اللبنانية وكيان الاحتلال "الإسرائيلي". لقد تجاوز النقاش حدود المواقف السياسية التقليدية لينتقل إلى نقاش دستوري وقانوني في طبيعة الوثيقة نفسها والصلاحيات التي استندت إليها، وما إذا كانت تمثل اتفاقًا ملزمًا أم هو مجرد إطار سياسي للمفاوضات، فضلًا عن انعكاساتها على السيادة اللبنانية وآليات اتخاذ القرار في الدولة.
في هذا السياق، قدّم وزير الخارجية اللبناني الأسبق فارس بويز، في حديث لموقع العهد الإخباري، قراءة قانونية وسياسية موسعة للاتفاق، مشيرًا إلى أن أي اتفاق يتوصل إليه رئيس الجمهورية أو الوفد الذي يفوّضه لا يكتسب صفته القانونية بمجرد التوقيع عليه، إنما يجب عرضه أولًا على مجلس الوزراء ثم يحال إلى مجلس النواب الذي يمتلك وحده صلاحية إبرامه؛ وفقًأ للأصول الدستورية.
"الوثيقة" الحالية ليست اتفاقًا ولا معاهدة
انطلاقًا من هذا التوصيف، رأى بويز أن ما تسمى "الوثيقة" التي أعلنت في واشنطن لا يمكن وصفها، حتى الآن، بأنها "اتفاق" أو معاهدة دولية، موضحًا أن ما جرى إعلانه ما يزال، من الناحية القانونية، مجرد "إعلان نيات"، وفقًا لتعبيره، لأنه لم يستكمل المسار الدستوري المطلوب. أضاف أن الوثيقة الحالية لم تُعرض حتى الآن على مجلس الوزراء ولا على المجلس النيابي، وعليه، لا تتمتع بالصفة القانونية التي تخول عدّها اتفاقًا دوليًا ملزمًا. كما أكد أن توصيفها القانوني الدقيق هو "بيان إعلان نيات"، وليس اتفاقًا أو معاهدة، لأن المؤسسات الدستورية المختصة لمّا تقل كلمتها بعد.
السيادة ليست محل تفاوض
شدد وزير الخارجية الأسبق على أن أي مفاوضات، مهما كانت ظروفها، يجب أن تبقى محكومة بسقف واضح يتعلق بالحفاظ على السيادة الوطنية. إذ لا يحق لأي مسؤول لبناني، سواء أكان رئيسًا للجمهورية أم رئيسًا للحكومة أو وزيرًا للخارجية أو أي مسؤول آخر، أن يقدم أي تنازل يمس السيادة اللبنانية. كما بيّن أن هذا الأمر ينطبق على كل ما هو لتنازل واضح أو صريح أو حتى لو جاء بصياغات ملتبسة أو غير مباشرة؛ لأن المساس بالسيادة يبقى مرفوضًا، في الظروف جميعها، وتقويم الوثيقة يجب أن ينطلق من دراسة مضمونها الفعلي، لا تنحصر بالعناوين التي ترفعها أو الأهداف التي تعلنها.
بنود غير معلنة تثير القلق
توقف الوزير السابق عند ما يتردد عن وجود بنود أو ملاحق لم يُعلن عنها بصورة كاملة، فهذه المسألة بحد ذاتها تستوجب الحذر. إذ إن الحديث عن بنود سرية، بحسب بويز، يصعّب إصدار حكم نهائي على الوثيقة، نظرًا إلى عدم معرفة أحد ما إذا كانت هذه البنود تمس السيادة اللبنانية أو تتضمن التزامات إضافية؛ لمّا يُكشف عنها بعد. وقال إن تقويم أي وثيقة ينبغي شموله البنود جميعها المعلنة وغير المعلنة؛ فأي التزام خفي قد تكون له انعكاسات أكبر من البنود المنشورة، وغياب الشفافية في مثل هذه الملفات الحساسة يزيد من حجم الشكوك، ويعقد النقاش الداخلي، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بقضايا تمس السيادة والقرار الوطني.
البنود المعلنة تكشف اختلالًا في التوازن
انتقل بويز، بعد ذلك، إلى قراءة البنود التي أصبحت معروفة للرأي العام، والتي تكشف بوضوح وجود خلل في التوازن بين ما يحصل عليه كل طرف. إذ قال إن الوثيقة تمنح الجانب "الإسرائيلي" حقوقًا وصلاحيات أوسع بكثير مما تمنحه للبنان، ما يثير علامات استفهام كبيرة في طبيعة الالتزامات التي قبل بها الجانب اللبناني. وأوضح أن أبرز مظاهر هذا الاختلال يظهر في البنود المتعلقة بحق "إسرائيل" باتخاذ إجراءات عسكرية، تحت عنوان "الدفاع عن النفس"، وهذا ما عدّه الوزير السابق مدخلًا لإشكاليات قانونية وسياسية كبيرة.
البنود المعلنة والسرية... مكامن الخلل في "الوثيقة"
انتقل وزير الخارجية الأسبق فارس بويز، في حديثه لموقع العهد الإخباري، من التوصيف الدستوري للوثيقة إلى قراءة مضمونها، فرأى أن الحكم النهائي عليها لا يمكن اقتصاره على البنود المعلنة، يجب أن يشمل أيضًا ال ملاحق أو البنود غير معلنة، بحال كانت موجودة؛ لأن أي نصوص سرية قد تحمل التزامات تتصل مباشرة بالسيادة اللبنانية. وأشار إلى أن المعلومات المتداولة تتحدث عن وجود بنود لم يُكشف عنها للرأي العام، الأمر الذي يجعل تقويم الوثيقة، بصورة نهائية، أمرًا صعبًا. إذ لا يمكن معرفة ما إذا كانت تلك البنود تتضمن التزامات إضافية قد تؤثر في القرار الوطني أو في صلاحيات الدولة اللبنانية. وأضاف أن غياب الشفافية، في "وثيقة" من هذا النوع، يثير علامات استفهام مشروعة؛ لأنّ أي تفاهم يتعلّق بقضايا سيادية يفترض أن يكون واضحًا ومكشوفًا أمام المؤسسات الدستورية والرأي العام.
"حق الدفاع عن النفس"... صلاحية مفتوحة للاحتلال
البنود التي توقف عندها بويز تحديدًا هي ما يتعلق بإقرار "حق" الاحتلال "الإسرائيلي" في "الدفاع عن النفس" واتخاذ إجراءات استباقية؛ إذا وجد نفسه يواجه تهديدًا أمنيًا. رأى بويز أن هذا النص يمنح "إسرائيل" سلطة تقدير منفردة لتحديد وجود الخطر من عدمه، ثم اتخاذ ما تراه مناسبًا من إجراءات عسكرية، من دون وجود جهة محايدة تفصل في صحة هذا التقدير. ولفت إلى أن المشكلة الأساسية لا تكمن فقط في الاعتراف بهذا الحق، إنما في ترك تحديد مفهوم "التهديد" للطرف "الإسرائيلي" نفسه، ما يفتح الباب أمام تفسيرات واسعة قد تُستخدم لتسويغ أي عدوان عسكري مستقبلي على الأراضي اللبنانية. وأضاف أن منح طرف واحد حق تقدير الخطر واتخاذ الإجراءات المناسبة؛ استنادًا إلى تقويمه الذاتي، يخل بمبدأ المساواة بين الطرفين، ويجعل تنفيذ الاتفاق مرتبطًا بالإرادة "الإسرائيلية" وحدها.
"المناطق التجريبية"... من يقرر نجاحها أو فشلها؟
توقف بويز، أيضًا، عند ما ورد في الوثيقة بشأن اعتماد "مناطق تجريبية" لتقويم تنفيذ الالتزامات، فبرأيه الإشكالية تكمن في الجهة التي ستقرر ما إذا كانت التجربة قد نجحت أو فشلت، وسأل :"من سيحكم على نجاح انتشار الجيش اللبناني في هذه المناطق؟ ومن سيقرر استكمال تنفيذ الاتفاق أو تعليق مراحله اللاحقة؟". ويجيب بأن الآلية المطروحة تمنح الولايات المتحدة والاحتلال "الإسرائيلي" دورًا أساسيًا، في تقويم نتائج هذه التجربة، ما يثير خللًا واضحًا في ميزان الرقابة على التنفيذ.
كما أوضح أن "إسرائيل" قد ترى، لأي سبب كان، أن التجربة لم تحقق النتائج المطلوبة، فتستخدم هذا التقويم ذريعة لوقف استكمال الانسحاب أو تعليق تنفيذ التزاماتها، من دون وجود جهة مستقلة تستطيع حسم الخلاف بصورة عادلة. ويخشى الوزير السابق أن تتحول "المناطق التجريبية" إلى أداة تمنح الاحتلال قدرة دائمة على تعطيل تنفيذ "الوثيقة"؛ كلما رأى أن الظروف تخدم ذلك.
الولايات المتحدة... طرف أم وسيط؟
في السياق نفسه، تناول بويز الدور الأميركي في آليات تنفيذ الوثيقة، فالولايات المتحدة لا يمكن النظر إليها وسيطًا محايدًا بين الطرفين. وقال إن الإدارات الأميركية المتعاقبة أعلنت، بصورة واضحة، التزامها بأمن "إسرائيل"، بالتالي، إشراك واشنطن في تقويم تنفيذ الاتفاق يطرح علامات استفهام عن مدى حيادها في إدارة هذا المسار. وأضاف أن الولايات المتحدة أقرب ما تكون طرفًا منحازًا إلى الجانب "الإسرائيلي" منها إلى وسيط قادر على إصدار تقويمات متوازنة، الأمر الذي يجعل آلية الإشراف المقترحة تفتقر إلى الضمانات المطلوبة. ورأى أن أي عملية تحقق يفترض أن تستند إلى جهة تتمتع بقدر من الحياد والاستقلالية، وليس إلى طرف يرتبط، سياسيًا واستراتيجيًا، بأحد طرفي النزاع.
لماذا لا تكون الأمم المتحدة هي المرجعية؟
يقترح بويز، في حال الإصرار على اعتماد "مناطق تجريبية" أو آليات تحقق ميدانية، أن تُسند مهمة الإشراف إلى جهة دولية تحظى بقدر أكبر من الحياد. وأشار إلى أن الأمم المتحدة، أو لجنة أوروبية مشتركة، كان يمكن أن تشكل مرجعية أكثر توازنًا لمراقبة تنفيذ الالتزامات، ما يمنع احتكار طرف واحد سلطة تقويم النتائج.
خطر تعطيل الانسحاب "الإسرائيلي"
كما أبدى الوزير السابق تخوفه من أن تتحول الآليات الواردة في "الوثيقة" إلى وسيلة تمنح الاحتلال قدرة مفتوحة على تعطيل الانسحاب من الأراضي اللبنانية. وأوضح أنه إذا رأت "إسرائيل"، استنادًا إلى تقويمها أو إلى التقويم المشترك مع الولايات المتحدة، أن إحدى "المناطق التجريبية" لم تحقق النتائج المطلوبة، فقد تستخدم ذلك مسوّغا لوقف تنفيذ بقية مراحل الاتفاق، حتى لو كانت المنطقة المعنية لا تمثل سوى جزء محدود جدًا من الأراضي المشمولة. هذا الاحتمال يمنح الاحتلال ورقة ضغط دائمة، ويجعله قادرًا على ربط أي تقدم في تنفيذ التزاماته بتقديرات أمنية يشارك هو نفسه في وضعها، ما يفقد الاتفاق، بحسب رأي بويز، التوازن المطلوب بين الحقوق والالتزامات.
القرار 1701 إطار قائم لا يحتاج إلى استبدال
رأى بويز أن العودة إلى القرار الدولي 1701 تشكل نقطة أساسية، في أي مقاربة جدية للملف، مشيرًا إلى أن هذا القرار لم يقتصر على وقف الأعمال العدائية أو تنظيم الوضع الميداني في الجنوب، أيضًا أرسى قاعدة سياسية واضحة تقوم على أن أي مسار للتهدئة أو التسوية يجب تضمنه إطارًا الشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة. وأضاف أن الإشكالية الأساسية، في بعض الطروحات المطروحة اليوم، تكمن في محاولة تجاوز هذا الإطار القائم أصلًا والذهاب إلى ترتيبات جديدة خارج المرجعية الدولية، في حين أن القرار 1701 نفسه يشكّل، بحسب تعبيره، أرضية صالحة يمكن البناء عليها بدل استبدالها أو الالتفاف عليها. وشدد على أن الإطار الدولي موجود ومحدد، ولا يحتاج إلى إعادة اختراع آليات موازية قد تفتح الباب أمام تعقيدات إضافية بدل حلّ الإشكال القائم.
خطورة التعهد بما لا تستطيع الدولة تنفيذه
انتقل بويز إلى نقطة أخرى، يعدها أخطر ما يمكن أن يرافق أي اتفاق أو تفاهم من هذا النوع، وهي مسألة التعهدات التي قد تتجاوز قدرة الدولة اللبنانية الفعلية على التنفيذ. وأوضح أن أي التزام تفاوضي لا يأخذ، في الحسبان، التوازنات الداخلية والقدرات الواقعية للمؤسسات اللبنانية، قد يؤدي لاحقًا إلى أزمة تطبيقية تتحول من مشكلة قانونية إلى أزمة سياسية داخلية. وأشار إلى أن الدولة عندما تذهب إلى التفاوض، في ظل ظروف ضاغطة، قد تجد نفسها أمام التزامات يصعب تنفيذها على الأرض، ما يفتح الباب أمام نتائج عكسية، أبرزها إضعاف موقع الدولة بدل تعزيزه، وإظهارها أمام الخارج وكأنها غير قادرة على الوفاء بما وقّعت عليه. وبيّن أن هذا النوع من الالتزامات قد يمنح الطرف الآخر، وهو الاحتلال "الإسرائيلي"، ذريعة دائمة للضغط على لبنان أو لفرض شروط إضافية، بحجة عدم تنفيذ البنود المتفق عليها.
العلاقة مع المقاومة.. عنصر أساسي في أي تفاوض
في سياق متصل، شدد بويز على أن أي مسار تفاوضي يتعلق بقضايا سيادية كبرى؛ لا يمكن أن يُدار بمعزل عن التوازنات الداخلية اللبنانية، فبرأيه تجاهل هذا البعد يضعف موقف الدولة التفاوضي. أوضح أنه من الخطأ الدخول في أي مفاوضات، من دون تفاهم داخلي واسع، يشمل مختلف القوى الأساسية في البلاد، وفي مقدمتها المقاومة التي تمثل ثقلًا ميدانيًا وسياسيًا على الأرض. ويكمل بأن التفاهم الداخلي لا يعني بالضرورة التوافق السياسي الكامل، لكنه يفرض على الأقل وجود حد أدنى من التنسيق حيال الثوابت الوطنية، ما يضمن عدم تحويل المفاوضات إلى عامل انقسام داخلي. في هذا السياق، رأى أن أي تفاوض لا يستند إلى وحدة موقف لبناني واضحة يصبح أكثر عرضة للضغط الخارجي، ويضعف قدرة الدولة على الدفاع عن مصالحها في مواجهة الطرف الآخر.
التحذير من تفكك الموقف الداخلي
كذلك حذّر بويز من أن غياب التنسيق الداخلي، قبل الدخول في أي مسار تفاوضي، يؤدي إلى إضعاف موقع لبنان التفاوضي، كما قد يخلق انقسامات داخلية تُستثمر سياسيًا في الخارج. وأشار إلى أن أحد أخطر تداعيات هذه المقاربات هو فتحها الباب أمام توترات داخلية غير محسوبة، في وقت يحتاج فيه لبنان إلى أعلى درجات الاستقرار السياسي. وأكمل بأن أي اتفاق لا يحظى بحد أدنى من الإجماع الداخلي قد يتحول لاحقًا إلى مصدر أزمة داخلية؛ بدل أن يكون حلًا للأزمة القائمة.