خاص العهد
تفضح خطابات السلطة اللبنانية تقصيرها في حماية مواطنيها، وتكشف عجزها عن تحويل ما تقوله عن المفاوضات و"اتفاق الإطار" إلى واقع يردع العدوان ويحمي الناس. عندما نسمع في تصريحات رئيس الجمهورية جوزاف عون حديثًا عن أهمية المفاوضات وما يسمى بـ"اتفاق الإطار"، ووصف الرئيس الأميركي بـ"الصديق"، يظنّ الشعب اللبناني أن دونالد ترامب يسعى إلى إرضائه، وأنه يمارس ضغطًا حقيقيًا على بنيامين نتنياهو لوقف العدوان على لبنان.
الوقائع على الأرض ترسم صورة مغايرة تمامًا. فالمواطنون في لبنان ينامون على عدوان ويستفيقون على آخر، وكأن الاعتداءات "الإسرائيلية" باتت خبرًا يوميًا لا تملك السلطة حياله سوى تسجيل المواقف وإصدار بيانات الإدانة. وآخر هذه الاعتداءات ما جرى أمس السبت، على بلدتي أنصار ودير الزهراني الجنوبيتين، والذي راح ضحيته أحد عشر شهيدًا وعدد من الجرحى، في مشهد لا يترك كثيرًا من المساحة للالتباس حول حجم العجز الرسمي عن حماية المواطنين.
استمرار هذا الواقع يفضح، في نظر منتقدي السلطة، ما يرونه تواطؤًا وتساهلًا مع العدو، ويكشف أن السلطة لا تفعل ما يكفي لحماية المواطنين، وتسعى إلى استرضاء أسيادها الأميركيين، ومن خلفهم ربيبتها "إسرائيل"، بينما يدفع المواطن اللبناني الثمن من أمنه وحياته ودمه.
السلطة اللبنانية فشلت في رهانها على التفاوض المباشر
والسؤال الذي لا تستطيع بيانات الإدانة أن تجيب عنه يبقى: أين الدولة حين يحتاج المواطن لحمايتها؟
الوزير السابق مروان شربل، وفي حديث لموقع "العهد" الإخباري، يرى أن السلطة اللبنانية لم تنجح في المسار الذي انتهجته، ولم تستطع أن تحقق شيئًا، بعدما راهنت على التفاوض المباشر وعلى ما سُمّي "اتفاق الإطار"، من دون أن تتمكن حتى الآن من تحويل هذا المسار إلى واقع يحمي لبنان واللبنانيين.
ويقول شربل إن دور السلطة يقتصر اليوم على محاولة تطبيق "اتفاق الإطار"، مؤكدًا أن الأمر يبقى مرهونًا بالموقف الأميركي، فإذا لم تكن الولايات المتحدة الأميركية جدية وتمارس أقصى ما تستطيع من ضغط على "إسرائيل"، فلن نصل إلى أي نتيجة. المسألة، في تقديره، لا تتعلق فقط بما تستطيع السلطة اللبنانية أن تفعله، وإنما بمدى استعداد واشنطن لممارسة ضغط فعلي على "إسرائيل" لوقف اعتداءاتها.
ويعتبر شربل أن المشهد الإقليمي والدولي تحكمه، في هذه المرحلة، حسابات انتخابية وسياسية، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة و"إسرائيل" أمام استحقاقات انتخابية، وأن ترامب ونتنياهو بحاجة إلى بعضهما البعض لتعزيز مواقفهما. وهذا الاحتياج المتبادل، بحسب شربل، يستغله نتنياهو في التصعيد داخل لبنان لتحسين صورته السياسية في الداخل وخدمة أهدافه الانتخابية، معتبرًا أن احتمال تصعيده أكثر يبقى قائمًا.
طريق الحلّ ما زال بعيدًا
وفي ظل هذا الواقع، لا يرى شربل للسلطة اللبنانية دورًا فعليًا يتجاوز استنكار الاعتداءات ومتابعة ملف التفاوض، ويقول إن المطلوب، في الحد الأدنى، أن تضغط الولايات المتحدة على "إسرائيل" لوقف نسف المنازل والاعتداء على المواطنين الأبرياء والعزّل. أما إذا لم يحصل هذا الضغط، فلا تكون السلطة اللبنانية قد فعلت شيئًا حتى الآن.
ولا يخفي شربل أن الطريق أمام الحل ما يزال طويلًا، محذرًا من التعويل على نتائج سريعة من خلال التفاوض مع "إسرائيل"، ويؤكد أنه لا يمكن انتظار حل القضية مع إسرائيل خلال شهر أو شهرين، لأن القضية طويلة وتحتاج إلى وقت حتى تُحل.
لا تأثير للسلطة اللبنانية على الولايات المتحدة و"اسرائيل"
ويضع شربل جوهر المشكلة في عجز السلطة اللبنانية عن التأثير في الطرفين "الإسرائيلي" والأميركي معًا. فهي، من جهة، لم تستطع رد "إسرائيل" ومنعها من ارتكاب الجرائم، ومن جهة أخرى لم تتمكن من إقناع الولايات المتحدة بالضغط على "إسرائيل" لمنع نتنياهو من ارتكاب جرائمه وقتل الأبرياء وجرف المنازل وهدم القرى والبلدات. ولذلك، يخلص إلى أن السلطة اللبنانية لم تحقق أي شيء.
ومن هنا، يقول شربل إنه يتوقع استمرار الوضع على حاله حتى نهاية العام، لأن المنطقة، في رأيه، دخلت فعليًا في موسم الانتخابات، بما يحمله ذلك من حسابات داخلية ستطغى على أي اعتبارات أخرى. ولذلك يتوقع أن يبقى الوضع على حاله من الآن وحتى نهاية السنة.
وفي موازاة ذلك، هناك تعويل من جهة لبنانية على التفاهم بين إيران والولايات المتحدة الذي حصل في إسلام آباد، فيما تبدو الدولة، بحسب شربل، متأملة ومتّكلة على "اتفاق الإطار"، رغم أن هذا الاتفاق لم يحقق لها شيئًا حتى الآن.
وربما، وفق هذا التقدير، لا يبقى أمام لبنان سوى الانتظار إلى ما بعد الانتخابات، حين تتضح صورة المشهد السياسي في كل من الولايات المتحدة و"إسرائيل"، خصوصًا أن نتنياهو مهدّد بالسقوط، فيما يواجه ترامب احتمال عدم الحصول على الأكثرية. عندها فقط يمكن أن تتضح الاتجاهات، وأن يظهر كيف يمكن أن تنعكس التحولات الأميركية و"الإسرائيلية" على لبنان، وما إذا كان "اتفاق الإطار" سيبقى عنوانًا لتسوية مؤجلة، أم أن الوقائع ستفرض مسارًا آخر.