مقالات مختارة
بعد 1000 يوم على السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، واندلاع الحرب التي ما لبثت أن امتدّت وتوسّعت، لا تبدو المنطقة البتّة، كما كانت قبل ذلك اليوم. فقد سجّلت عملية «طوفان الأقصى» لحظة كاشفة ومؤسِّسة في سجلّ الصراع مع العدوّ "الإسرائيلي"؛ إذ أطلقت حرباً طويلة، وفتحت أبواب الإقليم على سلسلة تحوّلات أمنية وسياسية وعسكرية، امتدّت من غزّة والضفة الغربية إلى لبنان وسورية والعراق وإيران، ووضعت المشروع الصهيوني، كما «محور المقاومة»، أمام اختبارات غير مسبوقة.
في قطاع غزّة، ذهبت "اسرائيل" إلى أقصى ما يمكنها من عنف وإجرام، محوّلةً الحرب إلى إبادة مفتوحة، تنوّعت وجوهها بين قتل جماعي، وتجويع، وتهجير متكرّر، وتدمير منظّم للمدن والمخيمات، وملاحقة للصحافيين والأطباء والمسعفين، في محاولة لاستهداف المجتمع الفلسطيني بأكمله، في تماسكه وذاكرته وقدرته على البقاء. وامتدّ العنف "الإسرائيلي" إلى القدس والضفة الغربية أيضاً، حيث دشّن العدوّ سياسات استيطانية أوسع، ومارس الحدّ الأقصى من الضغوط العسكرية والأمنية على مدن الضفّة وبلداتها ومخيماتها، وصولاً حتّى تجريف بعضها وتهجير أهلها.
غير أن هذا العنف، على اتساعه وإفراطه، لم يفلح في محو أثر الصدمة الأولى التي حفرت عميقاً في الوعي "الإسرائيلي"، في حين خرجت "اسرائيل" من الحرب مثقلة بوصمة الإبادة، وأكثر انكشافاً أمام سؤال العجز عن الحسم، والابتعاد أكثر فأكثر عن تحقيق «النصر المطلق».
أما في لبنان، حيث بادرت المقاومة منذ اليوم الأول إلى مساندة غزّة، فرغم فداحة خسائرها في حرب أيلول 2024، وما نتج منها من ارتدادات، عاد «حزب الله» إلى الميدان مجدّداً، مثبتاً، في المنازلة الأخيرة، قدرة عالية على التعافي وإعادة التنظيم، ومتمكّناً، على هول الخسائر، من كسر دائرة نتائج الحرب السابقة التي كرّست احتلالاً لجزء من الجنوب، وحرية قتل يومي على طول البلاد وعرضها، ودافعاً، بإسناد من إيران، بالملف اللبناني إلى طاولة التفاوض الكبرى.
وبالنسبة إلى إيران، فقد حملها اتساع العدوان "الإسرائيلي" على مغادرة سياسة «الصبر الاستراتيجي»، والانتقال إلى المواجهة المباشرة، مع حافزية مرتفعة نسبياً. ومع الهجمات الصاروخية وبالطائرات المسيّرة التي ثبتت فاعليتها في الجولة الأخيرة، وتحويل مضيق هرمز وأمن الطاقة إلى جزء من «معادلة الاشتباك» الإقليمية، فرضت طهران قاعدة جديدة: أيّ مساس بأمنها لن يبقى محصوراً في جغرافيا إيران أو"إسرائيل"، بل سيمتدّ مباشرة إلى المصالح الأميركية والغربية في المنطقة وما وراءها. وبذلك، أفهمت طهران المعنيين بأن في مقدورها خنق اقتصاد العالم، وهزّ استقرار أسواق الطاقة والمال، كما لم يحدث من قبل.
على الضفّة الأخرى من المشهد، راحت "اسرائيل" تعيد تعريف عقيدتها الأمنية، على قاعدة أن الحرب لم تعُد وسيلة لخدمة السياسة، بل غاية قائمة بذاتها؛ وأن الميدان وحده، وما يتحقّق فيه، هو معيار النجاح. وهي روّجت لـ"درّة تاج» ما استخلصته من تجربة السابع من أكتوبر المريرة، أي سياسة «المناطق الأمنية العازلة» داخل غزّة ولبنان وسوريا. لكنها، في التطبيق، اصطدمت بحدود قاسية وصارمة؛ إذ لا قدرة لديها على حرب مفتوحة بلا كلفة اقتصادية واجتماعية، ولا استقلال فعلياً عن الولايات المتحدة في السلاح والذخيرة والغطاء السياسي، ولا إمكان لتحويل الإنجازات التكتيكية إلى انتصار إستراتيجي مستدام. وهكذا، وجد رئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، نفسه أسير شعارات رفعها، وأهداف وعد بتحقيقها، إلا أنه فشل في بلوغها، وهو ما بات يهدّد مستقبله السياسي بأكمله.
ولم يكن اليمن والعراق وسورية خارج هذا الزلزال؛ ففي حين استطاع اليمن، بمعارك الإسناد المتتالية، فرض نفسه لاعباً رئيساً ضمن محور المقاومة، وإجبار الولايات المتحدة على التراجع عن معركة لم تستطع حصد أيّ نتائج منها، وجد العراق نفسه ساحة غير ثانوية لاشتباك بين فصائل المقاومة والولايات المتحدة وإسرائيل، وهو ما يحاول هضم نتائجه هذه الأيام، على المستويَين الأمني والسياسي. أما في سوريا، فأدى سقوط النظام السابق، نهاية عام 2024، إلى قطع إحدى أهمّ ركائز الإسناد الجغرافي والسياسي للمقاومة، وفتح الباب أمام حضور "إسرائيلي" غير مسبوق في الجنوب السوري، وأمام محاولات أميركية لإعادة هندسة التوازنات من دمشق إلى بيروت.
هكذا، تُنبئ 1000 يوم من الحرب بمرحلة إقليمية جديدة، تبدو فيها "اسرائيل" أكثر توحّشاً، لكنها أقلّ قدرة على فرض نهايات حاسمة، وإيران ومحورها أثقل كلفة وجراحاً، لكنهما أكثر حضوراً على مستويَي الردع والتماسك، فيما تَظهر المنطقة كلها على أعتاب نظام أمني - سياسي جديد، لم تُكتب قواعده النهائية بعد.