عين على العدو
قال الكاتب في الشؤون السياسية في صحيفة "معاريف" الصهيونية، إيلي ليئون، إن المفاوضات المتعثرة بين الولايات المتحدة وإيران بشأن فتح مضيق هرمز وقضايا أخرى تعكس ما يصفه خبراء أمن "إسرائيليون" بالأخطاء الاستراتيجية التي ارتكبتها "إسرائيل" والولايات المتحدة، سواء أثناء الحرب التي خاضتاها ضد إيران أو بعدها.
وأضاف ليئون: "يكتب كبير محللينا، بن كسبيت، في موقع "أل مونيتور"، أنه الآن، بعدما انتقل التركيز الدبلوماسي المباشر من البرنامج النووي الإيراني إلى حرية الملاحة في مضيق هرمز، يقدّر العديد من المسؤولين "الإسرائيليين" أن "إسرائيل" خرجت من الحرب وهي في موقع استراتيجي أضعف مما كانت عليه قبل الهجوم على إيران، بحسب ما أفاد به موقع "أل مونيتور"."
وأشار ليئون إلى أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو زعم، يوم الأربعاء، أن إيران صنعت سلاحًا نوويًا، وذكر هذا الاستنتاج مبررًا للحرب ضد الجمهورية الإسلامية، وقد رفض خصومه السياسيون هذا التصريح، ووصفوه بأنه محاولة لإعادة كتابة التاريخ وإثارة الخوف لدى الجمهور قبل الانتخابات التي ستجرى في موعد أقصاه 27 أكتوبر.
ولطالما ادعى نتنياهو أن سياسته منعت إيران من امتلاك سلاح نووي، لكنه قال في مقابلة مع القناة 14 إن "إسرائيل" اضطرت مرتين إلى مهاجمة إيران "من أجل إنقاذنا من الإبادة بواسطة قنابل ذرية كانت لديهم بالفعل، ومن يدري من منا كان سيبقى على قيد الحياة". وعندما سئل عما إذا كانت "إسرائيل" قد تهاجم إيران للمرة الثالثة، أجاب نتنياهو: "طالما أنني رئيس للوزراء، فلن يكون لدى إيران سلاح نووي".
ولم يطرح المحاور سؤال المتابعة البديهي: إذا كانت إيران تمتلك بالفعل سلاحًا نوويًا، كما ادعى نتنياهو للتو، فكيف يمكنه، في الوقت نفسه، أن يضمن ألا يكون لديها سلاح نووي مرة أخرى ما دام يتولى منصبه؟
وعندما سئل عن تصريحات نتنياهو، قال غادي آيزنكوت، رئيس الأركان السابق وعضو مجلس كابينيت الحرب السابق، في مؤتمر يوم الأربعاء: "إيران لم تمتلك أبدًا سلاحًا نوويًا. أنا أعرف جيدًا كل المعلومات الاستخباراتية... نتنياهو يختلق واقعًا، ويصنع تهديدات، وبهذه الطريقة يخيف الجمهور "الإسرائيلي"". وفي المناسبة نفسها، وافق أيضًا رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت، ووصف تصريح نتنياهو بأنه "كذب"، واتهمه بـ"إعادة هندسة التاريخ بأثر رجعي".
وتابع المراسل في صحيفة "معاريف" قائلًا: "من المتوقع أن تؤدي الروايات المتناقضة بين قادة "إسرائيل" إلى تعميق انعدام الثقة القائم بين "إسرائيل" وأجزاء من إدارة ترامب. وقد انعكس هذا انعدام الثقة، يوم الخميس، في تقرير أفاد بأن "إسرائيل" فكرت في اغتيال مسؤولين إيرانيين كبار مشاركين في المفاوضات مع الولايات المتحدة".
هذا، وأفادت صحيفة "نيويورك تايمز" بأن مسؤولين أميركيين كانوا يخشون أن تستهدف "إسرائيل" وزير الخارجية عباس عراقجي ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف خلال مفاوضات وقف إطلاق النار التي بدأت في نيسان/أبريل.
وقال مصدر أمني "إسرائيلي" رفيع لـ"أل مونيتور"، طالبًا عدم الكشف عن هويته: "هذا يتجاوز حد السخف. إنه غير منطقي، وغير واقعي، وغير معقول. والهدف الوحيد من هذا التقرير هو خلق احتكاك بين "إسرائيل" والولايات المتحدة، وتحريض جهات أميركية ضد ما يُعرض على أنه مغامرة "إسرائيلية"".
ورغم النفي الرسمي، يأمل العديد من المسؤولين "الإسرائيليين"، في أحاديث مغلقة، أن تطيل إيران أمد المفاوضات المتعثرة، وأن تحبط الأميركيين بما يكفي لكي يستأنف الرئيس ترامب العمل العسكري، أو على الأقل يعيد الحصار البحري الكامل والعقوبات القاسية على إيران.
وبصرف النظر عن رواية الاغتيال المزعومة، فقد ساهمت "إسرائيل"، بلا شك، في الشكوك الأميركية بشأن نواياها. فقد صرح وزير الحرب يسرائيل كاتس مرارًا بأن "إسرائيل" تستعد لهجوم أحادي الجانب على إيران.
وينقل ليئون عن عدد من المصادر السياسية والأمنية في "إسرائيل" أن الخطاب المتشدد لكاتس يهدف أساسًا إلى تعزيز مكانته قبل الانتخابات التمهيدية في حزب الليكود الشهر المقبل. ومع ذلك، فإن كاتس لم يقدّم تصريحاته بهذه الصيغة علنًا.
وفي حين تستمر المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، يعيد المسؤولون في "إسرائيل" تقييم النتائج الأوسع للحرب. وفي هذه الأثناء، أعادت الجنازة الرسمية المرتقبة للمرشد الأعلى آية الله (السيد) علي خامنئي إلى الواجهة الإحباط "الإسرائيلي" من اغتياله، الذي، بدلًا من إسقاط حكم طهران، عزز سياسيًا مكانة الحرس الثوري الإسلامي، الذي تبدو مواقفه الآن أكثر تطرفًا.
وأشار ليئون إلى أن مسؤولًا عسكريًا "إسرائيليًا" رفيعًا يقول: "على الأقل كنا نعرف أين نقف أمام خامنئي. كانت لديه خطوط حمراء، وكانت لديه استراتيجية، وكان متزنًا إلى حد ما. كان هناك قدر معين من الاستقرار في الجنون الإيراني. أما القيادة الحالية فهي أقل استقرارًا بكثير، وأكثر تطرفًا، وأقل قابلية للتوقع. إنهم مخمورون بالقوة والغطرسة، ومقتنعون بأنهم انتصروا على كل من أميركا و"إسرائيل"".
وقد قوبلت تصريحات ترامب خلال مقابلة مع شبكة CNBC، يوم الخميس، التي قال فيها إن إيران "وافقت تقريبًا على كل ما كنا نحتاج إليه"، بالتشكيك من جانب مسؤولين أمنيين ودبلوماسيين "إسرائيليين".
وأضاف: "قال مسؤول دبلوماسي "إسرائيلي" رفيع: ما بدأ حربًا على البرنامج النووي الإيراني، والصواريخ الباليستية، والإرهاب، تحول إلى حملة لضمان حرية الملاحة عبر مضيق هرمز". وأضاف: "من وجهة نظر "إسرائيل"، فإن هذا فشل استراتيجي، وهو يعقد أيضًا الجبهات الأخرى"، والمقصود بهذه "الجبهات" في الأساس لبنان.
وقال المسؤول الدبلوماسي "الإسرائيلي" إنه إذا أحرزت واشنطن وطهران تقدمًا حقيقيًا، فمن المتوقع أن يضغط ترامب على نتنياهو لسحب قوات الجيش "الإسرائيلي" من جنوب لبنان كجزء من ترتيب أوسع مع إيران. ووفقًا للمصدر، فإن موافقة نتنياهو على الاتفاق الإطاري التاريخي بين إسرائيل ولبنان، الذي تم التوصل إليه في واشنطن في 26 يونيو، والذي ينص على انسحاب "إسرائيلي" في نهاية المطاف، كانت تهدف إلى تقديم الانسحاب على أنه إنجاز دبلوماسي "إسرائيلي" وليس إملاءً أميركيًا.
وأكد ليئون أن نتنياهو يدخل أكثر الحملات الانتخابية حسمًا في مسيرته السياسية، في وقت يشعر فيه مؤيدوه القدامى بالإحباط من فشله في تحقيق "النصر المطلق" الذي وعد به على إيران ووكلائها، حزب الله في لبنان وحماس في غزة. وقال المسؤول الدبلوماسي: "نتنياهو يعد ذريعة لقاعدته السياسية المحبطة. إنه يعلم أن كثيرين لن يشتروا هذه الرواية، لكنه لا يملك خيارًا آخر".
ولا يزال كثير من سكان شمال "إسرائيل"، الذين أُجلوا من منازلهم خلال القتال مع حزب الله، لم يعودوا إليها بعد، وقد تحطم شعورهم بالأمان بعد ما يقرب من ثلاث سنوات من الصراع. ومن المرجح أن تُجرى الانتخابات المقبلة بالتزامن مع الذكرى الثالثة لهجوم حماس في 7 أكتوبر 2023، الذي أشعل حربًا إقليمية.
وفي هذا الأسبوع، بينما أحيت "إسرائيل" مرور ألف يوم على الهجوم، سعى نتنياهو إلى إعادة تشكيل الرواية بالإصرار على أن إيران كانت تمتلك سلاحًا نوويًا.
ويتفق خبراء "إسرائيليون" وأجانب، على نطاق واسع، على أن إيران اقتربت من إنتاج يورانيوم مخصب بدرجة عسكرية، لكنها لم تمتلك بعد سلاحًا نوويًا، أي أنها لم تنجز عملية تحويل المادة الانشطارية إلى رأس نووي قابل للإطلاق.
وترى معظم التقديرات أن ذلك كان سيستغرق ما بين 12 و18 شهرًا إضافيًا. وقال مسؤول سابق في المؤسسة الأمنية "الإسرائيلية": "إيران لم تكن قد وصلت إلى تلك المرحلة. هذا هو تقدير معظم أجهزة الاستخبارات في أنحاء العالم". ورفض التكهن بسبب إقدام نتنياهو، بناءً على ذلك، على إطلاق مثل هذا الادعاء.
وختم ليئون بالقول: "يقول منتقدو نتنياهو إن تصريحاته الأخيرة تهدف بدرجة أقل إلى وصف صورة الاستخبارات، وبدرجة أكبر إلى إعادة تشكيل الرواية السياسية. ويقولون إنه، بعد أن أخفق في تحقيق "النصر المطلق" الذي وعد به على إيران ووكلائها الإقليميين، فإنه يسعى ليس فقط إلى إقناع "الإسرائيليين" بأنه منع كارثة وجودية، بل أيضًا إلى إقناعهم بأنه وحده لا يزال مؤهلًا بصورة حصرية للقيام بذلك مرة أخرى إذا دعت الحاجة. أما ما إذا كانت حجته ستلقى صدى لدى الناخبين، فسيتضح ذلك خلال الأشهر المقبلة".