نقاط على الحروف
كاتب من مصر
المفارقة المؤسفة التي تتمثل في استئثار السلطة اللبنانية، بدعوى السيادة، بمسار التفاوض المباشر مع العدو رغم فشله الراهن والتاريخي، ورفض مسار التسوية الإقليمية الشاملة بين أميركا وإيران والذي يضمن حلًّا وردعًا وضمانات كبرى لتحقيق السيادة اللبنانية بشكل عملي، تفتح الباب لمناقشة فكرة الوطنية والسيادة، وما إذا كان انتماء حركات المقاومة وعلى رأسها المقاومة في لبنان روحيًا ومرجعيًا لولاية الفقيه والتحالف والصداقة بين حركات المقاومة والجمهورية الإسلامية يتناقض مع الوطنية والانتماء للبنان واليمن وفلسطين والعراق وسائر دول المحور؟
لقد دأب خصوم وأعداء المقاومة وإيران على الترويج لفكرة تصدير الثورة الإسلامية، والتشكيك في ولاء حركات المقاومة لأوطانها، والترويج لفكرة انتماء عابر للأوطان يضع مفهوم السيادة ومصلحة الوطن في أولويات متأخرة، وهو لعب على وتر الدعايات الاستعمارية التي تخص استخدام إيران لحركات المقاومة كأذرع لها للتمدد الإقليمي على حساب دول المنطقة.
فيما أغفلت هذه الدعايات التدخل الخليجي الفعلي في تشكيل الحكومات وفرضها، وتمويل حركات سياسية، بل وميليشيات طائفية لزعزعة الاستقرار وفرض النفوذ، ناهيك عن التدخلات الأمريكية والغربية العلنية وسيطرتها على القرارات الوطنية.
وهنا، نحن لانقارن تدخلًا أمريكيًا أو خليجيًا بتدخل إيراني، لأن إيران لا تتدخل من الأساس في القرارات الوطنية لحركات المقاومة، ولا تفرض سياسات، ولا تمول ميليشيات تسعى للسيطرة على السلطة لتكون تابعًا مباشرًا يحكم باسم الجمهورية الإسلامية.
والمتابع لكل خطابات حزب الله، يرصد البعد الوطني لهذا الخطاب والحرص على وحدة الوطن ومراعاة السيادة ومؤسسات الدولة وتجنب الفتن وابتلاع الكثير من التجاوزات في حق الحزب وجمهوره، ومطالبة الجماهير بالصبر والبصيرة حفظًا للوطن.
وهذا الأمر نراه في اليمن، والتي تتحرك مقاومتها تحركات مسؤولة تحفظ المصلحة اليمنية وتتحرك باستقلالية تامة، وهذا الأمر ينسحب على قرارات حركات المقاومة كافة، والتي تستفيد من قوة الوحدة والتحالف ومن الرعاية والتعاون الإيراني لتحقيق مشروعها وأجندتها الوطنية.
وهنا، لابد من مناقشة عدة عناوين، ولو بشكل مختصر لإيضاح بعض الأمور التي قد تلتبس على الجماهير في مفاهيم الانتماء لولاية الفقيه، أو التحالف مع قوة إقليمية تدعم التحرر الوطني، والفوارق بينها وبين التبعية، وكذلك عدم التعارض بين النظرة الوحدوية والأممية للمقاومة الإسلامية وبين الانتماء للأوطان وحفظ السيادة الوطنية.
أولًا: في مفهوم الوطنية والسيادة:
هناك عدة تعريفات للوطنية والسيادة سواء في العلوم السياسية أو علم الاجتماع، وكلها تجمع، رغم التمايزات في مصطلحاتها وصياغاتها، على مضمون يفيد بأن الوطنية هي ارتباط عاطفي بالوطن واعتزاز به والرضا والاستعداد لبذل الجهد والتضحيات لحمايته ورفعته. وكذلك السيادة تنقسم إلى سيادة داخلية وخارجية، ومضمونها هو سيطرة الشعب والحكومات على القرارات الداخلية والخارجية، وأن تكون المؤسسات الوطنية هي صاحبة الإرادة والاستقلال في إدارة شؤون الوطن، وهو ما يتطلب استقلالًا وعدم الخضوع لاحتلال الأرض ولا الابتزاز الاقتصادي.
ثانيًا: الجمهورية الإسلامية بوصفها رائدة التحرر الوطني:
الجمهورية الإسلامية منذ نجاح الثورة، وهي تقدم نفسها على أنها دولة سياسية ولم تطرح التوسع على حساب أي جار، كما أنها التزمت بمواثيق الأمم المتحدة وقدمت نفسها سياسيًا بوصفها دولة حرة مستقلة ونموذجًا للاستقلال الوطني وحماية المستضعفين، وقد شكّلت تحالفاتها الخارجية مع حركات المقاومة الشرعية التي تسعى لتحرير أوطانها، بموجب القانون الدولي، وبالتالي فهي راعٍ للتحرر الوطني، في دور مماثل للدور الذي مارسته مصر في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، عندما دعمت المقاومات ومنها دعم الثورة الإسلامية نفسها.
وهذا الدعم لحركات التحرر يعني دعمًا لسيادة هذه الدول؛ لأنه مساعدة على نيلها للاستقلال الحقيقي وإدارة شؤونها، بمعزل عن الاستكبار العالمي الذي أعلنت إيران مواجهته وملاحقته.
وأثبتت إيران، أنها لا تدعم أي قوة غير شرعية، ولم تسعَ لإحداث انقلابات في أي دولة حتى في تلك الدول التي تعلن الخصومة والعداء معها، كما أنها لم تتدخل سياسيًا حتى على مستوى فرض حكومات أو وزراء أو مناصب.
ثالثًا: هل يتعارض الانتماء الروحي مع الانتماء الوطني؟
ويحلو لخصوم وأعداء المقاومة إشاعة، أن الانتماء الروحي والعقائدي لإيران وولاية الفقية يعد تجاوزًا لأبعاد الوطنية وتعارضًا معها، وهنا لابد من القول، إنه بالفعل يتجاوز البعد الوطني لأبعاد إنسانية أشمل، ويفكر في مصلحة جماعية إنسانية لا تقتصر على مصالح الوطن فقط والتي قد تتعارض أحيانًا مع مصالح الآخرين، ولكن هذه النظرة الإنسانية الشاملة للمصلحة العامة لا يمكن أن تتعارض مع مصلحة الوطن، لأن القوام الإنساني العام لفلسفة المصلحة لا يتجاهل الجزئيات، أي أن السعي لتحقيق حرية الإنسان ورفعته بشكل عام، يضم في داخله حرية المواطن ورفعة الوطن، وهنا لا يستقيم أي منطق للتعارض.
والأمر الآخر، في ما يخص الخلافات والتباين في الرؤى السياسية بين مكونات الوطن الواحد، فإن جميع الأوطان والشعوب لديها موالاة ومعارضة، وتناوب للحكم، وكل مكون أو حزب سياسي يحمل رؤية وطنية وأيدلوجية سياسية، تارة يمينية وتارة يسارية، وتارة وسطية، وهنا يمكن اعتبار الانتماء لولاية الفقيه بمنزلة رؤية وطنية حزبية يرى معتنقوها أنها السبيل الأمثل لرفعة الوطن وحمايته واستقلاله، وهي لا يتم فرضها بقوة السلاح على بقية المكونات، ناهيك عن أن المقاومة لم تتنازع على السلطة والحكم، ولو قُدر لها يومًا أن تصل للسلطة باختيار شعبي وتوافق سياسي فهذه هي رؤيتها وبرنامجها الوطني لإدارة لبنان أو اليمن أو العراق أو أي دولة، فيما لم تعلن المقاومة رغبتها في اعتلاء السلطة، وإنما تعلن أنها مقاومة وطنية للتحرير وحماية الوطن وسلاحها موجه للعدو وليس سلاحًا انقلابيًا، وعقيدتها هي العقيدة الإنسانية الشاملة في مقابل عقائد أخرى لمكونات قد ترى في الشيوعية أو الليبرالية أو الرأسمالية أنها الرؤية الأمثل للمصلحة الوطنية.
رابعًا: أين تكمن المصلحة الوطنية للدول؟
تكمن المصلحة الوطنية للدول في الاستفادة من كل العوامل المتاحة لتمكين سيادتها ونهوضها، والدول ليست جزرًا منعزلة، وإنما تقتضي الأوضاع الجيوسياسية نظم التحالفات وتشكيل معادلات للردع وإستراتيجيات دفاعية تحمي سيادتها ومصالحها.
وفي حالات استثنائية مثل وجود الكيان الصهيوني بأطماعه الاستعمارية التوسعية ووجود قوة إمبراطورية استعمارية راعية له، فإن هناك أوضاعًا استثنائية يجب أن توفرها الدول، مثل وجود حركات للمقاومة تردع أطماع العدو، وبناء جيوش قوية تحمل عقيدة دفاعية صلبة وواضحة في اتجاه التحرير وحماية السيادة، وعند إعاقة الولايات المتحدة لهذا البناء القوي للجيوش، يتعين على الفرقاء السياسيين الاتفاق على إستراتيجية دفاعية تستفيد من المقاومة.
وفي سياق التحالفات الخارجية، يجب أن تركز هذه التحالفات على الأصدقاء الحقيقيين الذين يمكنهم الضغط لتوفير الحماية عبر قوة ردعهم الإقليمي وليس القطيعة أو العداء معهم لصالح علاقات مع أصدقاء لأميركا والكيان، أثبتت الحوادث والمحطات التاريخية عجزهم عن التأثير في العدو وفشلهم في تحرير أي بقعة مغتصبة أو انتزاع أي حق مسلوب، بل هم من يحتاجون إلى حمايتهم من الغدر والابتزاز الأمريكي والصهيوني.
والخلاصة، أن حركات المقاومة في المنطقة وعلى رأسها المقاومة الإسلامية في لبنان هي أعلى أشكال الوطنية الحقيقية، وهي من ارتقت بالوطنية من نطاق الشعارات الفضفاضة الشكلية، إلى نطاق التضحيات العملية بالنفس والمال والأهل والممتلكات لحماية السيادة والاستقلال الوطني، وأن الجمهورية الإسلامية لا تشكل قوة استعمارية بل ضحت بعلاقاتها الدولية وتحملت الحصار والعدوان في سبيل حماية استقلال هذه الدول، ورغم أن الجمهورية الإسلامية هي صاحبة عقيدة ولاية الفقيه، فإنها ذاتها تمارس أعلى درجات الوطنية بحماية إيران ووحدة شعبها وتقدمه لتكون إيران نموذجًا لما يجب أن تكون عليه الدول الوطنية، وقدوة حقيقية للانتماء الوطني.