نقاط على الحروف
باحث في الشؤون اللبنانية والسورية
أخيرًا، تحاول سلطة بعبدا إظهار "صحوةٍ متأخرةٍ" إزاء المفاوضات المباشرة مع العدو "الإسرائيلي"، بعدما فقدت هذه السلطة الحاضنة الشعبية لدى مختلف المكونات اللبنانية تقريبًا، إثر التنازلات التي قدمتها للعدو، من دون حصولها على أي ضمانات جدية لبدء انسحاب قواته من الأراضي اللبنانية المحتلة، ووقف عدوانه الذي يطاول المواطنين اللبنانيين ويمحو قراهم وممتلكاتهم.
إذًا، وبعدما استدركت أنها باتت في خطر وآيلة إلى السقوط إذا بقيت على غيّها واستمرت في وضعها الانبطاحي أمام العدو، تحاول إيهام الرأي العام اللبناني بأنها تعوّض عن التنازلات والتفريط بالسيادة اللبنانية أمام العدو خلال جلسات ما سُمّي بـ "اتفاق الإطار" التي انعقدت في واشنطن في الأسابيع الفائتة، وبعد البدء بالمحادثات اللبنانية - "الإسرائيلية" المتعلقة بالشق التنفيذي أو التقني لمقررات الاتفاق المذكور، التي انعقدت في روما في الأيام الفائتة.
قبل ذهابها إلى روما، سرّبت السلطة إلى وسائل إعلام قريبة منها تمسكها بانسحاب العدو من بعض القرى المحتلة في الجنوب، المسماة بـ "التجريبية"، وروّجت أنها "لن تشارك في الاجتماع ما لم ينفّذ العدو انسحابًا من منطقتين تجريبيتين ويسلّمهما إلى الجيش اللبناني، باعتبار ذلك اختبارًا أوليًا لصدقية التزامه بما تم الاتفاق عليه في واشنطن".
غير أن الوفد اللبناني شارك في محادثات روما من دون أن تنسحب قوات العدو من أي منطقة محتلة في الجنوب، ما يؤشر بوضوح إلى أن المواقف "السيادية" لسلطة بعبدا أشبه بـ "قنابل صوتية"، ومادة للاستهلاك الداخلي ليس إلا، وتسجيل مواقف "بطولية" وهمية يختفي مفعولها عند أي تدخل أميركي يأتي، كالعادة، لمصلحة العدو "الإسرائيلي"، الذي لا ينفّذ بدوره أي التزام من الالتزامات التي طالبت بها سلطة بعبدا قبل مشاركتها في مفاوضات روما، بخاصة بدء انسحاب قوات الاحتلال مما يُعرف بـ "المناطق التجريبية" المتفق عليها.
وهذا الموقف يذكرنا بما كان عليه موقف رئيس الجمهورية قبل لقاءات واشنطن، إذ اعتبر أنه لن يفاوض قبل وقف إطلاق النار، لكن المحادثات حصلت، والعدو لم يلتزم بوقف إطلاق النار حتى تاريخه. ويطرح هذا المسار تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين المواقف السياسية المعلنة والقدرة الفعلية على ترجمتها إلى نتائج ملموسة، وحول قدرة السلطة على إحداث تغيير عملي في الوقائع الميدانية أو في سلوك العدو في الجنوب، وهو ما لا يبدو أن السلطة قادرة عليه، ما يعني أنه "مسار استسلامي لا غير"، بحسب خبير في العلاقات الدولية.
ولا ريب أن رئيس الوزراء "الإسرائيلي" يستغل ضعف سلطة بعبدا، وعدم اكتراثه لها ولكل ما تطلقه من مواقف خُلّبية، وفوقيته عليها، وسيوظف كل ذلك في انتخابات الكنيست "الإسرائيلي" في تشرين الثاني المقبل، بحسب رأي خبير في الشأن الدولي. ويستبعد أن يُقدم العدو على تنفيذ أي مطلب من مطالب سلطة بعبدا.
وفي سياق "الصحوة المتأخرة" لهذه السلطة أيضًا، يحاول عون أن يُبدي تراجعًا عن اندفاعه الأعمى إلى المفاوضات غير المتكافئة مع العدو، التي عُقدت في واشنطن، من خلال تسميته "اتفاق الإطار" بـ "صيغة الإطار"، بعدما لمس أنه فقد الدعم الداخلي له ولمواقفه وإجراءاته.
وهنا تسأل مصادر سياسية معنية: "لماذا لم تطلق السلطة المذكورة هذه المواقف، وتتمسك بالالتزام بها قبل انعقاد ما يُسمى بـ "اتفاق الإطار"؟". وتقول: "لا ريب أن هذا التراجع ناجم عن قناعة لدى هذه السلطة بأن الاتفاق المطروح لن يذهب إلى حيّز التنفيذ على الإطلاق، وليس اقتناعًا منها بما تقول، فنجاح أي عملية تفاوضية لا يرتبط فقط بصياغة الاتفاقات، بل أيضًا بتوافر آليات تنفيذ وضمانات تتيح تحويل التعهدات إلى إجراءات قابلة للقياس والتحقق، وهو ما لم تحصل عليه السلطة"، تختم المصادر.
وعن حقيقة الوضع والحديث عن انسحاب الاحتلال من ما يُسمى بـ "المناطق التجريبية"، يوضح مرجع سياسي مطّلع على تطورات الأوضاع في الجنوب أن "55 ألف عائلة لبنانية لم تغادر أصلًا بعض قرى الجنوب التي استهدفها العدو على مدى الأشهر الخمسة الفائتة، كقرية فرون، على سبيل المثال لا الحصر، فهي ليست محتلة، بل لم يغادرها أهلها. وكذلك صريفا، وبرج قلويه، والغندورية".
ويختم المرجع بالقول: "كل ما تقوم به سلطة بعبدا لا قيمة عملية له، وهي تحاول أن تصنع إنجازًا وهميًا من لا شيء".