نقاط على الحروف
لا يدور الصراع حول مضيق هرمز اليوم حول حرية الملاحة أو أمن إمدادات الطاقة فحسب، بل حول إعادة رسم موازين القوة في الخليج وغرب آسيا. فالمضيق تحوّل إلى أداة سياسية تستخدمها إيران لإعادة تعريف قواعد الردع والنفوذ، بينما ترى الولايات المتحدة أن منع هذا التحول ضرورة للحفاظ على النظام الإقليمي الذي تستند إليه مصالحها ومصالح حلفائها، وفي مقدمتهم "إسرائيل". ومن هنا، فإن انعكاسات الصراع على هرمز تتجاوز الاقتصاد العالمي لتطال الأمن القومي "الإسرائيلي" بصورة مباشرة وغير مباشرة.
تدرك إيران أن ميزان القوى التقليدي لا يميل لمصلحتها في مواجهة الولايات المتحدة و"إسرائيل"، ولذلك نقلت مركز الثقل من ميدان التفوق العسكري إلى ميدان الترابط الاقتصادي العالمي. فهي لا تحتاج إلى إغلاق المضيق بصورة دائمة، بل يكفي أن تجعل الملاحة فيه رهينة قدرتها على التأثير، وأن تفرض معادلة مفادها أن أمن الخليج لا يمكن ضمانه من دون أخذ مصالحها في الاعتبار. وبهذا المعنى، يصبح هرمز وسيلة لانتزاع اعتراف سياسي بدور إيران الإقليمي، وليس مجرد ورقة ضغط عسكرية.
بالنسبة لـ"إسرائيل"، تكمن الخطورة في أن نجاح هذه المعادلة يعني تآكل أحد أهم مرتكزات أمنها القومي، وهو استمرار الهيمنة الأميركية على النظام الأمني في "الشرق الأوسط". فمنذ عقود، استندت الإستراتيجية "الإسرائيلية" إلى افتراض أن الولايات المتحدة قادرة على حماية طرق التجارة والطاقة، وردع القوى الإقليمية، وفرض قواعد الاشتباك. أما إذا باتت إيران تمتلك القدرة على تعطيل الملاحة أو فرض شروطها على حركة السفن، فإن ذلك سيعني عمليًا انتقال جزء من زمام المبادرة الإستراتيجية من واشنطن إلى طهران.
ولا يقتصر التأثير على الجانب العسكري، بل يمتد إلى البيئة السياسية التي تعمل فيها "إسرائيل". فكلما ازدادت كلفة المواجهة مع إيران على الاقتصاد العالمي، ارتفعت الضغوط الدولية لتجنب الحروب الواسعة والبحث عن ترتيبات تراعي المصالح الإيرانية. وهذا يحد من هامش الحركة "الإسرائيلي"، لأن أي عملية عسكرية واسعة قد تُقاس لاحقًا ليس فقط بنتائجها الميدانية، بل أيضًا بتأثيرها على أمن الطاقة والتجارة الدولية.
وفي المقابل، يمنح الصراع حول هرمز إيران فرصة لتعزيز مكانتها لدى دول الخليج. فهذه الدول، رغم استمرار اعتمادها على الشراكة الأمنية مع الولايات المتحدة، تدرك أن أي مواجهة مفتوحة قد تجعل منشآتها النفطية وموانئها في قلب الاستهداف. وكلما تعزز هذا الإدراك، ازدادت الحاجة الخليجية إلى بناء قنوات تفاهم مع طهران. ومن منظور "إسرائيلي"، فإن أي تراجع في مستوى الاصطفاف الإقليمي ضد إيران يمثل تطورًا إستراتيجيًا يقلص من فاعلية شبكة الشراكات التي عملت "تل أبيب" وواشنطن على بنائها خلال السنوات الأخيرة.
كما أن معركة هرمز لا تبقى محصورة في الخليج، بل تمتد إلى البحر الأحمر وباب المندب، حيث تستطيع إيران، عبر حلفائها، توسيع دائرة الضغط على التجارة الدولية. وهذا يضاعف التحديات أمام "إسرائيل"، التي تعتمد بصورة متزايدة على الممرات البحرية للتجارة والاستيراد والتصدير. فكلما اتسعت رقعة التهديدات البحرية، ازدادت الحاجة "الإسرائيلية" إلى توزيع مواردها العسكرية بين أكثر من جبهة، الأمر الذي يرفع كلفة الردع والدفاع في آن واحد.
والأهم أن الصراع على المضيق يعكس تحولًا في طبيعة القوة الإقليمية. فبدلًا من السعي إلى السيطرة على الأرض، باتت إيران تستخدم الجغرافيا لفرض نفوذ سياسي. وإذا نجحت في تثبيت معادلة أن استقرار الملاحة لا يتحقق إلا بموافقتها، فإنها تكون قد راكمت نفوذًا يتجاوز حدودها العسكرية، ويمنحها قدرة أكبر على التأثير في قرارات القوى الدولية والإقليمية.
لذلك، فإن معركة هرمز ليست معركة على ممر بحري، بل على هوية النظام الأمني في غرب آسيا. فنجاح الولايات المتحدة في تحييد الورقة الإيرانية يعني الحفاظ على البيئة الإستراتيجية التي تستند إليها "إسرائيل"، بينما يمنح نجاح إيران في تحويل المضيق إلى أداة نفوذ دفعة لمشروعها الإقليمي، ويؤسس لمنطقة أكثر تعددية، تتراجع فيها الهيمنة الأميركية تدريجيًا لمصلحة توازنات جديدة.
من هنا، يصبح هرمز بالنسبة إلى "إسرائيل" أكثر من مجرد قضية تتعلق بأسعار النفط أو أمن الملاحة؛ إنه اختبار لمستقبل ميزان القوى الذي قامت عليه إستراتيجيتها الأمنية لعقود. فالمضيق ليس الهدف الحقيقي للصراع، بل الأداة التي قد تعيد رسم موازين النفوذ في المنطقة، وما يترتب على ذلك من انعكاسات مباشرة على الأمن القومي "الإسرائيلي" وعلى البيئة الإستراتيجية التي تعمل ضمنها.