مقالات
أثبت النموذج اليمني، بقيادة السيد عبد الملك الحوثي و"حركة أنصار الله"، في صراعه المتدفق مع المملكة العربية السعودية وتحالفها (2014-2022)، والمواجهة مع التحالف الغربي، أميركا وبريطانيا ومعهما الكيان "الإسرائيلي" (2023-2026)، أن القوة العسكرية العظمى ليست قدرًا حاسمًا في إنهاء الصراع لصالحها، بل يمكن مواجهتها بحرب غير متماثلة، وممارسة تأثير إستراتيجي يقلل من فاعلية التحالف العدواني الغربي والإقليمي، وتحويل قوته المادية الهائلة إلى وزن ميت غير قادر على تحقيق الأهداف السياسية والأمنية والاقتصادية، ما يسهم في تغيير موازين الردع داخل منطقة غرب آسيا.
العزم اليمني
كما أبرز طول مدة الحرب على اليمن وقساوتها، على مدى عقد وعامين، خاصية الشخصية اليمنية، وميزتها التفاضلية بصفة "العزم". إن ميزة العزم هذه تتوسط مفهومي القوة والقدرة، ويغدو العزم مضاعفًا للقوة في التحول من "الإمكانية" إلى "التطبيق"، حيث تتكفل القدرة بتحويل الموارد والعزم إلى نتائج إستراتيجية وميدانية حاسمة.
صحيح أن اليمن، حاليًا، تحت قيادة "حركة أنصار الله"، ليس قوة إقليمية في أدبيات العلاقات الدولية، لافتقاره إلى توافر عدة شروط بنيوية شاملة، كغياب الاعتراف الدولي والمؤسسي في المنظمات الدولية والإقليمية، كالأمم المتحدة والجامعة العربية، وغياب الشمولية في عناصر قوته، وضعف مقومات البنية التحتية، ومحدودية القدرة على تشكيل النظام الإقليمي والتأثير المباشر في قضاياه بصفته صانعًا أو ضامنًا له، فضلًا عن الرزوح تحت أزمة اقتصادية وإنسانية حادة وطويلة. لكنه، بالتأكيد، ذو ثقل استثنائي لا يمكن تجاهله، وقوة تأثير وتعطيل ذات تدخل إقليمي رادع بأدوات غير متكافئة تنعكس على الملاحة الدولية وشرايين التجارة العالمية، وتفوق حجمه الاقتصادي والمؤسسي بأضعاف.
إن التلازم بين القوة والعزم والقدرة المحققة أدى إلى حظر الملاحة البحرية، وتعطيل الموانئ، وإجبار الخصم أو العدو على ردود أفعال مكلفة، والتأثير اقتصاديًا بما فرض على شركات الشحن الكبرى الالتفاف حول إفريقيا عبر طريق رأس الرجاء الصالح. كما نجم عن هذا التلازم استنزاف التكنولوجيا العسكرية العالمية المتقدمة بأكلاف باهظة، ولا سيما الصواريخ الاعتراضية على أنواعها، وإثبات محدودية القوة العدوانية، وإن كانت الأولى عالميًا، فضلًا عن زعزعة الاستقرار الاقتصادي والسياسي والأمني في المدار الإقليمي.
نجح اليمنيون في استخدام مبدأ "العزم الفيزيائي" بفاعلية، عبر اختيار نقطة ارتكاز محددة ومفصلية في التجارة العالمية تضغط على العالم أجمع، عبر السيطرة على خطوط الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وهو أحد أهم الممرات البحرية في العالم، الأمر الذي يمد اليمن بميزة إستراتيجية بالغة الأهمية.
كما استفاد اليمنيون من افتقارهم إلى بنية تحتية تقليدية، فقد أدى الغياب التاريخي للبنى التحتية المتطورة ونمط الرفاه الحديث إلى تشكيل مرونة مجتمعية فريدة، حيث لم تكن الصدمات الناجمة عن الحرب كفيلة بإصابة الحياة اليومية بالشلل الكلي، بل حفزت بدائل ذاتية يعتمد فيها المجتمع على نمط معيشي صلب وقادر على التأقلم. كما أسهم استغلال البيئة الجبلية المعقدة في صعدة وصنعاء وحجة، واعتماد الأنفاق والكهوف، في الحد من تأثير الضربات العدوانية عليهم، وجعلها مكلفة ماليًا، وتقييد تأثير التفوق الجوي للتحالف العدواني، وجعله دون جدوى حاسمة.
كما تميز اليمنيون بجدلية العلاقة الوثيقة بين القيادة والحضور الجماهيري والتعبئة الشعبية، ليبقى العزم السياسي والشعبي صلبًا في التحمّل والاستمرار.
روح الانتقام واللحظة الإقليمية
من نافل القول إن نظام المملكة العربية السعودية هو "الطرف المعتدي والمحاصر" لليمن، والمتحكم في المنافذ والثروات. وفي هذا السياق المبني على ميزة العزم المقاوم، تأتي دعوة اليمن الحاسمة، مؤخرًا، إلى ضرورة فتح مطار صنعاء الدولي أمام جميع الوجهات، من دون استثناء أو قيود، ورفض الخطوات الشكلية أو محاولات الالتفاف، عبر اتفاق وتنسيق مباشر مع الجهات المختصة في صنعاء ومن دون شروط، مع التأكيد على أن المسألة لم تعد تقتصر على المطار فحسب، بل تشمل جميع الملفات الإنسانية الضاغطة والعالقة. وستفشل كل محاولات بعض أطراف المجتمع الدولي التي تصب في استمرار الحصار والعدوان على اليمن، عبر إعطاء السعودية غطاء بصفتها وسيطًا.
لذلك، حشد اليمن زخمه الشعبي عبر الخروج المليوني، الذي مثل تفويضًا مطلقًا للقيادة، واستعدادًا كاملًا لتنفيذ أي خيارات عسكرية لكسر الحصار، مع الاستمرار في النفير والإعداد، والجهوزية الدائمة لقوات التعبئة في رفد الجيش اليمني بالأفراد حتى انتزاع جميع الحقوق.
إن ممارسة الحصار البحري، أو التهديد به من قبل اليمن، اعتمادًا على صيغة الحرب غير المتناظرة لتعطيل الملاحة ضد المملكة العربية السعودية وخنقها في البحر الأحمر، عكس تحولًا إستراتيجيًا كبيرًا في الصراع الإقليمي.
انطلق التهديد اليمني بالحصار البحري من قاعدة التعامل بالمثل، وفق معادلة "الحصار بالحصار"، حيث رأت صنعاء أن استمرار القيود الاقتصادية والإنسانية، والتحكم بحركة مطار صنعاء وموانئ الحديدة، يمنحها الحق في فرض معادلة مقابلة، باستهداف السفن المتجهة إلى الموانئ السعودية، ما يؤدي إلى منع أو تهديد السفن التجارية وناقلات النفط المتجهة إلى الموانئ السعودية المطلة على البحر الأحمر، مثل ميناء جدة الإسلامي وميناء جازان، كما يؤدي إلى محاولة شل الحركة التجارية والاقتصادية للموانئ الحيوية الغربية للمملكة، وعزلها تمامًا عن حركة التجارة القادمة من المحيط الهندي وبحر العرب.
ويعلم أنصار الله أن أي اضطراب في هذا الممر يرفع كلفة التأمين البحري والشحن عالميًا، ما يضغط على المجتمع الدولي للتدخل والضغط على الرياض لتقديم تنازلات، وكأداة لفرض شروط سياسية واقتصادية لإنهاء ملف الحرب بشكل كامل وتثبيت مكاسب صنعاء.
إن جعل اليمن الملاحة في جنوب البحر الأحمر مخاطرة غير محسوبة للشركات التجارية العالمية ينعكس بتداعيات اقتصادية وإستراتيجية على السعودية، عبر إجبار الرياض على تحويل مسار جزء كبير من تجارتها ووارداتها إلى موانئ الخليج العربي (الشرقية)، وهو ما يرفع تكاليف النقل الداخلي واللوجستيات، ويؤخر سلاسل الإمداد. كما يهدد المشاريع الطموحة للمملكة على ساحل البحر الأحمر، مثل مشاريع نيوم والبحر الأحمر السياحية. وينعكس أيضًا في رفع أسعار النفط عالميًا نتيجة المخاوف من انقطاع الإمدادات، ولا سيما إذا ارتبط ذلك بتنسيق إقليمي أوسع يشمل مضيق هرمز.
إن عزم اليمن على هذه المواجهة يأتي على ميقات جبهة المقاومة، بتحريك أوراق التصعيد، ضمن مرحلة روح الانتقام البرزخية بين المعركة على النقاط والحرب الوجودية، بعد فشل أولي لمذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية، وجوابًا على اعتداءات المملكة العربية السعودية، ليدخل العالم برمته في لحظة مفصلية تعيد إنتاج موازين القوى، على أن تبقى الأصالة لأبناء المنطقة لا للشياطين الأجانب عنها، حيث تقع تحت إرادتهم القدرة على التحكم بإغلاق مضيقي هرمز وباب المندب، وتقع تحت نيرانهم القواعد الأميركية والكيان الغاصب، فيقع مثلث الطاغوت في الفخ، لتكون النهاية، وإن طال الزمن، أمام شرق أوسط جديد مقاوم.