اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي زوار الأربعين لـ"العهد": الأمام الحسين (ع) يجمعنا ويوحدنا لمواجهة الطغيان والاستبداد

مقالات

المغاربة يفرون من جنة أميركا والاتفاقيات الإبراهيمية المزعومة!
🎧 إستمع للمقال
مقالات

المغاربة يفرون من جنة أميركا والاتفاقيات الإبراهيمية المزعومة!

189

كاتب من مصر

فتحت مأساة الهجرة الجماعية لنحو 60 ألف مهاجر مغربي إلى مدينة سبتة، بابًا كبيرًا من التساؤلات المشروعة حول أسباب ودلالات هذا التدفق الهائل وكأنه فرار جماعي من سجن كبير.

ورغم قصر المسافة بين الحدود المغربية من شاطئ مدينة الفنيدق المغربية وبين أقرب نقطة حدودية بحرية لسبتة وهي رصيف تراجال، والتي تتراوح بين 2 و3 كيلومترات فقط، فإن هناك فيما يبدو مسافة معنوية كبرى، وفرقًا هائلًا استشعره هؤلاء المهاجرون الذين خاضوا مجازفةً محفوفةً بالهلاك وغير مضمونة العواقب لترك بلد لا يخوض حربًا ولا صراعًا، بل وتجمعه بأميركا و"الكيان الإسرائيلي" علاقات صداقة وتطبيع.

وهنا يقفز السؤال الأبرز: هل وعود الرخاء التي وُعدت بها دول التطبيع، والجنة التي وُعد بها الموقعون على "الاتفاقيات الإبراهيمية" أصبحت حبرًا على ورق، وحولت هذه الدول لدول طاردة لسكانها؟

هنا من الملائم مناقشة هذه القضية عبر عناوين عدة موجزة في ما يأتي:

تحول الهجرة لظاهرة في المغرب:

لا يعدّ هذا الحادث الأليم، وما رافقه من سقوط للضحايا بمثابة حادث طارئ، بل هو حلقة في سلسلة طويلة من محاولات وأشواق الهجرة، فقد أعاد تدفق المهاجرين التذكير بأزمة العام 2021، حين وصل أكثر من 10 آلاف مهاجر إلى سبتة قادمين من المغرب خلال يومين بالتزامن حينها مع أزمة دبلوماسية بين البلدين.

والأمر لا يقتصر على مدينة سبتة والتي تعد مدينة متنازعًا عليها ويرى المغرب أنها مدينة مغربية محتلة تخضع جبريًا لاحتلال إسباني، فهي مجرد معبر لأوروبا وللاستفادة من نظام الشينغن، وقد تحولت الهجرة لظاهرة أجبرت مراكز الأبحاث على دراستها والخروج بتقارير لافتة عنها.

وعلى سبيل المثال، يقول تقرير مغربي أعدته المندوبية السامية للتخطيط، إن الدافع الاقتصادي يعتبر السبب الرئيسي للرغبة في الهجرة، حيث يشكل المحفز الأول لـ73.5% من الراغبين في الهجرة، تأتي بعده الأسباب الاجتماعية بنسبة 21.8%.

وكشفت نتائج دراسة استطلاعية حديثة أنجزها "البارومتر العربي" تحت عنوان "الرأي العام تجاه الهجرة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا" أن نسبة المغاربة الراغبين في الهجرة وصلت إلى 35%. ويقول التقرير إن 55% من الشبان المغربيين، الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عامًا، عبَّروا عن رغبتهم في الهجرة. ومن النقاط المهمة في هذه الدراسة المستوى التعليمي للراغبين في الهجرة، حيث سجَّلت أن 42% من الحالمين بالخروج من المغرب هم من الحاصلين على التعليم الجامعي، و33% منهم من الحاصلين على التعليم الثانوي أو أقل.

إلا أن الأخطر هو طريقة مغادرة البلاد، حيث يقول التحقيق إن 53% من المغاربة الذين يفكرون في الهجرة أكدوا أنهم "قد يغادرون المملكة حتى إذا لم تتوفر لهم الأوراق والتصاريح اللازمة لذلك"، ما يعني الهجرة السرية أو غير النظامية.

معالم الأزمة المغربية:

من مجمل التقارير الاقتصادية والسياسية، يمكن تلخيص الأزمة في المغرب بأن هناك تصاعدًا للفقر والهشاشة وسط المغاربة، وشكوى للمواطنين من تفشي الفساد في أجهزة الدولة ومؤسساتها، وتتعمق الأزمة الاجتماعية التي أرهقت كاهل البلاد في ظل فراغ سياسي غير مُعلن يُنذر بأفق غير واضح المعالم.

وتؤكد مجموعة من الباحثين الاقتصاديين، على أن الأزمة ليست نتيجة الجفاف والحرب في أوكرانيا أو وباء كوفيد أو الأزمات العالمية فحسب، بل إنها نابعة أساسًا من الطبيعة الريعية للاقتصاد المغربي، والتي يسود فيها الفساد والاحتكار وانتهاز الفرص من لدن الجهات السياسية النافذة، وتنتفي فيها مقومات المنافسة الحرة، في ظل نظام سلطوي ينعدم فيه الفصل بين السلطة والثروة.

ومن بين 20 دولة عبر العالم، حل المغرب في المركز السابع عشر للدول الأكثر مديونية لدى صندوق النقد الدولي، وأشار تقرير للبنك الدولي إلى أن المغرب ما زال يعتمد كثيرًا على التمويل الخارجي، ما يجعله عرضة لصدمات خارجية.

وأعلن المغرب مؤخرًا، أن معدل البطالة في البلاد بلغ 13% خلال عام 2025. وكان المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي المغربي قد أفاد، في أيار/ مايو 2024، بأن نحو 1.5 مليون من الشباب والشابات، الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عامًا، خارج سوق العمل، في حين يبلغ عدد سكان المملكة نحو 36.8 مليون نسمة.

علاقات تاريخية مع أميركا و"اتفاقيات إبراهيمية" مع الكيان:

ورغم العلاقات التاريخية المميزة بين المملكة المغربية وأميركا، والاتفاقيات الإبراهيمية مع "الكيان الإسرائيلي"، فإن أزمة المغرب تتصاعد، وهو ما ينفي صحة كل وعود الرخاء التي يمنّي بها الشيطان الأميركي أولياءه.

فعلى مستوى العلاقات مع أميركا، لخصت وزارة الخارجية الأميركية الأمر بالتأكيد على المكانة التاريخية التي يحتلها المغرب في علاقات الولايات المتحدة الخارجية، معتبرة المملكة أقدم حليف لواشنطن في ظل شراكة دبلوماسية تمتد لنحو 250 عامًا، وظلت قائمة رغم التحولات السياسية والدولية الكبرى التي شهدها العالم منذ القرن الثامن عشر.

بل يعد المغرب أول من اعترف باستقلال أميركا، حيث يقول التاريخ إن قرار المغرب الاعتراف بالولايات المتحدة عام 1777 لم يكن خطوة عابرة، بل جاء تعبيرًا عن رؤية استراتيجية للسلطان سيدي محمد بن عبد الله، جمعت بين توسيع النفوذ التجاري، وتعزيز المكانة الدبلوماسية للمملكة، وبناء شراكة مبكرة مع الدولة الأميركية الناشئة، قبل أن تحظى باعتراف معظم القوى الكبرى.

وعلى مستوى العلاقة مع "الكيان الإسرائيلي"، فالأمر يسبق قرار التطبيع الإبراهيمي بعقود، حيث هناك ما يقرب من ستة عقود من التعاون الوثيق والسري في المسائل الاستخباراتية والعسكرية بين المملكة و"الكيان الإسرائيلي" رغم رفض الشعب المغربي وانتمائه الصادق للقضايا العربية والإسلامية واعتزازه بفلسطين.

ومنذ العاشر من ديسمبر/كانون الأول 2020 عندما أعلن المغرب عقد صفقة سياسية رعتها الولايات المتحدة، تضمنت اعترافًا أميركيًا بسيادة المغرب على جزء كبير من الصحراء الغربية، ودخول المغرب رسميًا في مسار "اتفاقيات أبراهام"، جرى تصوير هذا القرار بأنه إنجاز دبلوماسي واقتصادي، ولكن كشفت تداعياته الفعلية مع الوقت عن حجم الكلفة السياسية والاجتماعية، وهو مصير كل دولة أقدمت على التطبيع بمعزل عن إرادة شعبها وبوعود فضفاضة للرخاء.

والخلاصة، أن ما حدث بالمغرب هو نموذج مكرر لكل من يفرط في الثوابت ويرتهن للأميركي و"الكيان الإسرائيلي" ويستمد شرعيته من الخارج، وهو نذير لكل من يحاول تكرار التجربة، فلا يستقيم منطق الفرار من الجنة، بل يكون الفرار من سجن أو حريق كبير.

الكلمات المفتاحية
مشاركة