خاص العهد
شكلت أحداث النزوح الجماعي غير المسبوقة التي شهدتها مدينتا سبتة ومليلية المحتلتان، محطة فارقة وصدمة مدوية هزت الرأي العام المغربي والدولي. فقد تدفق عشرات الآلاف من الشباب والقاصرين والأسر في مشاهد ليلية ونهارية دراماتيكية نحو الشواطئ والحدود، مسجلين أكبر موجة نزوح جماعي في تاريخ الهجرة المعاصرة نحو الثغرين، وسط خسائر بشرية فادحة ومآسٍ إنسانية أثارت سيلًا من التساؤلات والتأويلات.
الاحتقان الاجتماعي وانسداد الآفاق
تجاوز الحدث في أبعاده مجرد محاولات تقليدية للهجرة غير النظامية، ليتحول إلى لغز معقد تتجاذبه تفسيرات متباينة، إذ أجمعت جل القراءات الحقوقية والتقارير الميدانية على أن الانفجار البشري مرده الأساسي إلى تراكمات اقتصادية واجتماعية عميقة، قوامها البطالة والفقر واتساع الفوارق المجالية والطبقية، وفقدان الثقة لدى جيل كامل من الشباب في المستقبل. وقد تحولت الرغبة في الهروب الجماعي إلى شكل من أشكال الغضب والاحتجاج الصامت على واقع التهميش.
التوتر مع إسبانيا
من جهة أخرى طرحت الدوائر الإعلامية والسياسية الدولية تساؤلات حارقة حول توقيت الحدث، وما إذا كان الأمر مرتبطًا بشكل أو بآخر برسائل ضغط جيوسياسي في خضم التوتر الإقليمي والدولي المستمر، لا سيما مواقف الحكومة الإسبانية المتقدمة نسبيًا من بعض القضايا الإقليمية والدولية ومنها تطورات الشرق الأوسط ومناهضة سياسات الكيان الصهيوني. وفي هذا السياق، استغل اليمين المتطرف الأوروبي والأميركي الأزمة للترويج لخطابات تحريضية وتصوير الحدث كأداة "ضغط ديموغرافي"، في الوقت الذي غابت فيه التوضيحات الرسمية الشاملة لحسم هذه الفرضيات، ما ترك المجال مفتوحًا أمام التأويلات.
مواقف الأحزاب السياسية والهيئات الحقوقية
أثارت الفاجعة ردود فعل واسعة النطاق داخل المغرب وخارجه. فقد حمّلت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان والهيئات الحقوقية الدولةَ المغربية المسؤولية السياسية الكاملة عن هذه الأوضاع الكارثية، منتقدة الاقتصار على المقاربة الأمنية الصرفة ومحذرة من التوظيف السياسي لملف الهجرة والألم الإنساني كأوراق مناورة دبلوماسية. كما طالبت بفتح تحقيق مستقل ونزيه وترتيب المسؤوليات وكشف مصير العشرات من الضحايا والمفقودين.
ردود الفعل الحزبية والسياسية
انقسمت المواقف بين أحزاب مغربية دعت إلى مقاربة تنموية جذرية لإنقاذ شباب المناطق الشمالية والشرقية، وأخرى طالبت بضرورة حماية الحدود وصون العلاقات الاستراتيجية، بينما علت أصوات حقوقية وسياسية تطالب بفتح نقاش مؤسساتي برلماني جدي بعيدًا عن سياسة الهروب للأمام.
وفي قراءته النقدية للتعاطي الرسمي مع الأزمة، سجل الفاعل الحقوقي والسياسي محمد الغفري موقفًا حاسمًا عبّر عن امتعاض الشارع الحقوقي، مؤكدًا أن بلاغات وزارة الداخلية ظلت حبيسة "الرواية الأمنية المحضة" وتجاهلت العمق الإنساني والسياسي للحدث.
وقال الغفري في تحليله لتداعيات الفاجعة في تصريح لـ"العهد" الإخباري: "إن ما وقع ليس مجرد محاولة هجرة عابرة، بل هو حدث سياسي واجتماعي وإنساني كبير يستدعي قراءة تتجاوز المقاربة الأمنية الضيقة".
أضاف: "إن تدفق عشرات الآلاف في ظرف ساعات معدودة يسائل سياسات الدولة في توفير الحد الأدنى من الكرامة والعدالة الاجتماعية. وما يزيد من عمق المأساة هو تباين أرقام الضحايا وغياب أجوبة واضحة حول الأسباب البنيوية للبطالة وانسداد الآفاق، ما يجعل هذا الملف يستحق تحقيقًا برلمانيًا وقضائيًا وحقوقيًا مستقلًا يكشف الحقيقة كاملة، إنصافًا لأرواح الضحايا وعائلاتهم، وحماية لمستقبل آلاف الشباب الذين لا ينبغي أن يبقى البحر هو أفقهم الوحيد".
وتعيد أحداث سبتة ومليلية لسنة 2026 طرح إشكالية التنمية العادلة والدمج الحقيقي للشباب في صلب السياسات العمومية لحكومة مغربية عولت على التطبيع الصهيوني رغمًا عن إرادة الشعب المغربي. وقد أثبت التطبيع يومًا بعد يوم ارتهان المغرب للتبعية والمحور الصهيو-أميركي .