اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي "وتعاونوا".. يدٌ تمتدّ للإغاثة ولإعادة الحياة في الجنوب

نقاط على الحروف

 المنازل أنفاق.. هكذا يخدم الإعلام رواية العدو
🎧 إستمع للمقال
نقاط على الحروف

 المنازل أنفاق.. هكذا يخدم الإعلام رواية العدو

71

دكتوراه في علوم الإعلام والاتصال 

لماذا بنى حزب الله الأنفاق؟ لا يُطرح السؤال في سياق التشكيك بجدوى هذه المنشآت التي لم تُحفر لأنها هواية للعيش تحت الأرض، ولا لأنّ من اختاروا بناءها كانوا يبحثون عن عالم مظلم بعيدًا عن الحياة فوقها. فالأنفاق في أي مواجهة، ليست سوى جزء أساسي من منظومة عسكرية للدفاع والهجوم. والحق يُقال، إنّ أبناء تلك الأرض التي جُبلوا بحبها وعانوا ما عانوه من الاحتلال لعقود طويلة، لم يعدموا وسيلة لمواجهة هذا الاحتلال، فكانت الأنفاق، إحدى تلك الوسائل لمجابهة عدو يمتلك تفوقًا كبيرًا في سلاح الجو والتجسس. وعليه، فإنّ بناء هذه الأنفاق التي جُبلت بعرق المجاهدين لم يكن ترفًا أو مشروعًا للانفصال عن الأرض، بل كان جزءًا من تصور عسكري يقوم على كيفية خوض المعركة وتقليل الخسائر.

لكنّ اللافت أنّ بعض الخطاب الإعلامي -وكعادته- لم يتعامل مع الأنفاق باعتبارها عنصرًا من عناصر المواجهة مع الاحتلال، بل نقلها إلى مساحة أخرى، فقد حوّلها إلى ما يعتبره دليلًا على وجود "دويلة" موازية. وهنا عود على بدء. يعود المنطق نفسه إلى الواجهة، وكأنّ من حفر هذه الأنفاق فعل ذلك حبًا بالعيش في الظلام، وكأنّ هؤلاء المجاهدين يحلو لهم العيش في الأنفاق والكهوف، ليبنوا دولة موازية هناك.  والمخيف في الأمر، أنّ اللعب على المصطلحات لشيطنة الجهة التي بنت الأنفاق، لم يقف عند هذا الحد، بل ربط بين هذه الأنفاق والمنازل المدنية، في سردية خطيرة لا تجد تفسيرًا لها سوى أنها تُشكّل نوعًا من التحريض على استهداف الجيش "الإسرائيلي" للمزيد من المنازل المدنية، عبر هدمها ونسفها وإحراقها، كما يفعل يوميًا في جنوب لبنان.

ولكي لا يبقى الحديث في دائرة العموميات، يكفي التوقف عند مقال نشرته صحيفة "نداء الوطن" تحت عنوان: "من فوق الأرض دولة... ومن تحتها دويلة: سنوات من الحفر فكيف بنى حزب الله جمهوريته السرية؟". يشكّل المقال المذكور نموذجًا دالًا على هذا النوع من الخطاب الإعلامي. منذ البداية، يضع عنوان المقال القارئ أمام ثنائية حادة: الدولة في الأعلى مقابل كيان موازٍ في الأسفل، قبل تقديم أي نقاش أو معلومات تفصيلية. وهذا ما يسمى في تحليل الخطاب الإعلامي بالتأطير المسبق، حيث يحدد العنوان زاوية القراءة قبل الدخول في مضمون النص.

وقد استهلت الصحيفة المقال بالقول: "بينما كان اللبنانيون ينظرون إلى ما يحدث فوق الأرض على مدى سنوات من أزمات سياسية مفتعلة وانهيار اقتصادي ممنهج وتعطيل لمؤسسات الدولة، كانت قصة أخرى تكتب في العمق. قصة لا ترى بالعين المجردة، بل تقاس بالأمتار تحت الصخور والجبال، حيث نشأت بنية عسكرية وأمنية متكاملة، حفرت بصمت على مدى أكثر من عقدين. بناء الأنفاق لم يميز بين منازل مدنية ومناطق أثرية، والأنفاق الاستراتيجية أسفل قلعة الشقيف دليل على ذلك باعتبارها إحدى النقاط التي اكتسبت أهمية عسكرية في أكثر من مواجهة، وقد شكلت مقرًا مركزيًا لوحدة "بدر" في جنوب لبنان، بتمويل من النظام الإيراني..".

لا يتعامل المقال مع الأنفاق باعتبارها نتاجًا لسياق عسكري نشأ على مدى عقود من المواجهة، بل يقدّمها بوصفها مشروعًا منفصلًا عن ظروف نشأتها. فبدل البحث في سؤال: لماذا تلجأ القوى العسكرية إلى هذا النوع من التحصينات؟ ينتقل مباشرة إلى القول: "هكذا، كلما ضعفت الدولة فوق الأرض، تمددت "الدولة الموازية" تحتها". وبهذا الطرح، يُصوّر المقال الأنفاق على أنها نقيض للدولة، لا باعتبارها جزءًا من بنية عسكرية نشأت في سياق المواجهة مع الاحتلال، وهو ما ينقل النقاش من تحليل الظاهرة العسكرية إلى إصدار حكم سياسي عليها.

لكن الأخطر من كل ذلك أنّ المقال لا يكتفي بمناقشة قضية الأنفاق من زاوية سياسية أو عسكرية، بل ينتقل إلى بناء سردية تربط بصورة متكررة بين هذه الأنفاق والمنازل المدنية، الأمر الذي يثير تساؤلات جدية حول حدود المسؤولية المهنية في تناول قضايا تمس مناطق مأهولة بالسكان، فيتوسع كاتب المقال بالتحليل والربط، ويطلق العنان لمخيلته، لرسم خريطة ذهنية تربط الأنفاق بالمنازل المدنية، عبر الإيحاء بأن هذه المنازل تشكل غطاءً أو امتدادًا لتلك المنشآت، ويقدم المناطق التي يُقال إن هذه المنشآت موجودة فيها باعتبارها بيئات مشبوهة. 

وقد تكررت الإشارة إلى المنازل المدنية أو ربط البنية العسكرية بالمجال المدني ثلاث مرات بشكل مباشر: في بداية المقال حيث قال الكاتب "بناء الأنفاق لم يميز بين منازل مدنية ومناطق أثرية...". هنا يضع الكاتب منذ البداية فكرة وجود تداخل بين الأنفاق والحيّز المدني. وفي منتصف المقال، أعاد التأكيد على الفكرة حيث قال: "اكتشاف مداخل لأنفاق أو منشآت عسكرية داخل أو بمحاذاة منازل ومبانٍ مدنية..."، وهذه إشارة مباشرة إلى وجود منشآت عسكرية مرتبطة بمبانٍ مدنية.

وفي الفقرة التالية  كتب: "لم تكن بعض المنازل مجرد مساكن، بل شكلت، في حالات محددة، غطاء لفتحات أو ممرات تؤدي إلى منشآت تحت الأرض...". في هذه العبارة، بدا الكاتب أكثر مباشرة في انتزاع صفة المدنية عن المنازل، فهو لم يكتف بالحديث عن قرب الأنفاق من المنازل، بل نقل بعض المنازل من كونها أماكن سكنية إلى كونها جزءًا من البنية العسكرية.

ولم يكتف المقال باستحضار العنصر المدني ثلاث مرات فقط، فوظيفة هذا العنصر داخل السردية كانت أكبر من عدد مرات ذكره، إذ ثمّة إشارات غير مباشرة وردت من خلال عبارات مثل "النسيج المدني" حين يقول الكاتب: " (...) عن اكتشاف مداخل لأنفاق أو منشآت عسكرية داخل أو بمحاذاة منازل ومبانٍ مدنية، الأمر الذي طرح بقوة تداخل البنية العسكرية مع النسيج المدني". 

كما تظهر الإشارة نفسها في عبارة "في كل مكان يتواجد فيه حزب الله"، التي وردت في الفقرة الآتية: "ويعتبر مراقبون عسكريون أن هناك مئات الأنفاق كاملة التجهيزات في كل مكان يتواجد فيه حزب الله". وهنا تبرز إشكالية التعميم في الخطاب المستخدم، إذ لا يميز المقال بوضوح بين الوجود التنظيمي أو الاجتماعي لحزب الله وبين وجود بنية عسكرية، كما لا يفرّق بين المدنيين المنتمين إلى بيئة مؤيدة للحزب وبين أي نشاط عسكري محتمل. وبهذا الانتقال، تصبح البيئة المدنية نفسها جزءًا من دائرة الاشتباه. 

اللعب على معزوفة التنمية

 كما يستخدم المقال أرقامًا ضخمة حول كلفة الأنفاق، حيث يقول: "تكشف تقديرات عسكرية ودراسات متخصصة أن إنشاء مثل هذه الشبكات يحتاج إلى استثمارات كبيرة كلفتها الإجمالية تتراوح بين مئات الملايين ومليارات من الدولارات". ثم يبني عليها استنتاجات اجتماعية واقتصادية، من دون عرض مصدر واضح لهذه التقديرات أو منهجية احتسابها، ما يجعل الرقم يؤدي وظيفة خطابية في تعظيم حجم القضية أكثر من كونه معلومة قابلة للتحقق. وفي هذا السياق، لا يتوقف المقال عند توصيف الأنفاق كمنشآت عسكرية، بل ينتقل إلى مقاربة اقتصادية تقوم على مقارنة كلفة هذه المنشآت بحاجات الدولة اللبنانية، فيقول: "ولو خصص جزء من هذه الأموال لتحديث البنية التحتية اللبنانية، لكان بالإمكان إنشاء عشرات المدارس...". هنا يعتمد الكاتب أسلوب المقارنة الافتراضية، إذ يضع الإنفاق العسكري في مواجهة مباشرة مع قطاعات اجتماعية واقتصادية يعاني منها اللبنانيون منذ عقود طويلة، وهذه مقارنة غير منطقية بتاتًا. 

الترويج لهذه السردية لم ينحصر في مقال واحد، فقد روّجت لها الصحيفة أيضًا في مقال آخر نشرته في اليوم نفسه،  تحت عنوان: "أنفاق حزب الله: العهود شريكة ومسؤولة أيضًا"، حيث عمد المقال الثاني إلى توظيف موضوع الأنفاق سياسيًا واقتصاديًا، محاولًا تقديم الأنفاق بوصفها عنوانًا لفشل الدولة، ودليلًا على قيام "دولة موازية"، ومحمّلًا الحكومات اللبنانية المتعاقبة مسؤولية نشوء هذا الواقع، حيث كتبت الصحيفة "ليست قضية الأنفاق التي شيّدها حزب الله مجرد مسألة عسكرية أو أمنية، بل هي عنوان لفشل الدولة اللبنانية والعهود والحكومات المتعاقبة في فرض سيادتها على كامل أراضيها. فوجود شبكة أنفاق بهذا الحجم، استغرق بناؤها سنوات طويلة، لم يكن ليتم لولا حالة من التغاضي السياسي أو العجز الرسمي عن تطبيق الدستور وحصر السلاح والقرار العسكري بيد الدولة".

ولم يكتفِ المقال بذلك، بل انتقل إلى عقد مقارنات اقتصادية، متحدثًا عن كلفة تقديرية لشبكة الأنفاق وصلت إلى نحو عشرين مليار دولار، ثم بنى عليها استنتاجات مفادها أنه لو أُنفقت هذه الأموال على المدارس والمستشفيات والبنى التحتية، لكان واقع لبنان مختلفًا. وهي مقاربة تعتمد على فرضيات وأرقام لم يرفقها المقال بمصادر موثقة أو بمنهجية واضحة لاحتسابها، قبل أن يبني عليها أحكامًا سياسية واقتصادية واسعة. 
 
غير أن هذه المقاربة تغيب عنها أسئلة أخرى مرتبطة بسياق نشوء هذه الأنفاق، وطبيعة المواجهة التي أفرزت الحاجة إلى بناء قدرات عسكرية، لتختزل النقاش في معادلة اقتصادية أحادية: أموال للأنفاق في مقابل أموال للتنمية، في محاولة واضحة "لاستغباء" القارئ واللعب على أوجاعه الاقتصادية، وتتعامى الصحيفة عن حقيقة أنّه وكما تسعى الدول جاهدة لتأمين التنمية الاقتصادية والاجتماعية تصرف أموالًا طائلة في سبيل ميزانية الدفاع عن الوطن.

الكلمات المفتاحية
مشاركة