اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي كتاب جديد يحذر من انجرار أميركا خلف جنون "إسرائيل"

مقالات

علي الطاهر… العقدة
🎧 إستمع للمقال
مقالات

علي الطاهر… العقدة "الإسرائيلية" التي لم تُحسم

237

Former Lebanese government coordinator to UNIFIL .Former Director General of Administration . Former President of the Permanent Military Court

عميد متقاعد في الجيش اللبناني/ منسق الحكومة اللبنانية السابق لدى قوات الطوارئ الدولية 
ورئيس المحكمة العسكرية السابق  

ليست كل التلال في جنوب لبنان متساوية في الحساب العسكري "الإسرائيلي". بعضها يرتبط بالحدود، وبعضها بالسيطرة النارية، وبعضها بالمراقبة. أما مرتفعات علي الطاهر، فيبدو أنها تجمع هذه الوظائف كلها، ولذلك تحولت من موقع جغرافي في شمال الليطاني إلى واحدة من أكثر النقاط إثارة للجدل في الحسابات "الإسرائيلية" تجاه لبنان.

ما يكشف أهمية علي الطاهر ليس فقط القصف "الإسرائيلي" المتكرر عليها، ولا محاولات التقدم عدة مرات نحوها وفشلها، بل الطريقة التي تتحدث بها الصحافة "الإسرائيلية" عن المنطقة: أنفاق، بنى تحت الأرض، عمليات هندسية، بقاء عسكري، واحتمال توسيع السيطرة، بالتوازي مع مفاوضات يفترض أن يكون عنوانها انسحاب القوات "الإسرائيلية" وانتشار الجيش اللبناني.

وهنا تحديدًا تكمن القصة. "إسرائيل" لا تتعامل مع علي الطاهر كهدف عسكري عابر، بل كعقدة استراتيجية تريد أن تحسم مستقبلها قبل أن تحسم مستقبل انتشارها في جنوب لبنان.

ما أهمية علي الطاهر؟

تكتسب المرتفعات أهميتها من موقعها المشرف على مساحة واسعة من الجنوب، وفي مقدمتها النبطية ومحيطها. وهذا الموقع يمنح من يسيطر عليها قدرة على المراقبة والسيطرة النارية على نطاق واسع.

"إسرائيل" تعتبر المنطقة جزءًا من منظومة عسكرية تحت الأرض، وأن عملياتها لم تقتصر على قصف سطح المرتفعات، بل اتجهت إلى كشف وتدمير أنفاق ومنشآت تحت الأرض.

ويجري الحديث في "إسرائيل" عن استمرار الضغط العسكري على عناصر تقول إنهم موجودون داخل أنفاق في سلسلة علي الطاهر، وعن إصرار الجيش "الإسرائيلي" على (تطهير) هذه الأنفاق وتدميرها، باعتبارها ذات أهمية عملياتية.

هذه الرواية "الإسرائيلية" مهمة، ليس لأنها تثبت بالضرورة كل الادعاءات "الإسرائيلية"، بل لأنها تكشف كيف تنظر المؤسسة العسكرية "الإسرائيلية" إلى علي الطاهر.

فإذا كانت المنطقة تحتوي، وفق الرواية "الإسرائيلية"، على منظومة تحت الأرض، فهذا يعني أن السيطرة عليها لا تنتهي بالوصول إلى قمة التلة. المطلوب "إسرائيليًا" يصبح السيطرة على الأرض، وتفكيك ما تحتها، ومنع إعادة استخدام المنطقة مستقبلًا.

من القصف إلى التفجير

الأكثر دلالة أن التصعيد "الإسرائيلي" حول علي الطاهر  لم يعد مقتصرًا على الغارات، هي تقارير عن صحيفة معاريف تحدثت عن استكمال خبراء الهندسة في الجيش "الإسرائيلي" تمشيط الأنفاق وانتظار موافقة المستوى السياسي على تفجير واسع، مع تقديرات عسكرية "إسرائيلية" بأن قوة الانفجار قد تكون كبيرة إلى درجة إحداث اهتزاز محسوس في المنطقة. وهذه نقطة تستحق التوقف.

عندما ينتقل الجيش من استهداف مواقع محددة إلى التحضير لتدمير بنية تحت الأرض على نطاق واسع، فهذا يعني أن المعركة لم تعد معركة نار فقط، بل معركة على الجغرافيا نفسها.

"إسرائيل" تريد أن تجعل ما تحت الأرض غير قابل للاستخدام، وما فوق الأرض تحت سيطرتها أو تحت مراقبتها.

عقدة تعود من الماضي

علي الطاهر ليست جديدة على الحسابات "الإسرائيلية". فالمنطقة كانت من المواقع التي اكتسبت أهمية خلال الاحتلال "الإسرائيلي" السابق للجنوب، وكانت من المواقع التي ارتبطت بالانسحاب "الإسرائيلي" عام ٢٠٠٠. ولذلك فإن عودة القوات "الإسرائيلية" إليها بعد أكثر من ربع قرن تحمل دلالة تتجاوز العملية العسكرية الحالية.

إنها عودة إلى جغرافيا سبق أن أثبتت "إسرائيل" أنها تعتبرها مهمة لأمنها العسكري.

لكن المفارقة أن "إسرائيل"، بعد تجربة الاحتلال الطويلة في الجنوب، تعرف أيضًا أن السيطرة على المرتفعات لا تعني بالضرورة السيطرة على الأرض المحيطة بها.

وهذا ربما يفسر سبب اعتمادها اليوم على مزيج من القصف، والعمليات البرية المحدودة، والهندسة، والضغط السياسي.

لماذا رفض لبنان إدخال علي الطاهر في التجربة؟

هنا تدخل علي الطاهر مباشرة في قلب المفاوضات، فالمرحلة التي يجري فيها اختبار انتشار الجيش اللبناني في بعض المناطق الجنوبية تتزامن مع استمرار الخلاف حول المناطق التي ستنسحب منها "إسرائيل"، وتلك التي تريد الاحتفاظ بها.

فإن المرحلة التجريبية الحالية اختيرت في مناطق ترى "إسرائيل" أنها مناسبة لاختبار قدرة الجيش اللبناني على منع عودة حزب الله، فيما تحتفظ "إسرائيل" بسيناريوهات أخرى تتضمن التقدم والسيطرة على مناطق إضافية إذا رأت أن الظروف الأمنية تستوجب ذلك. كما تحدثت التقارير عن بقاء قوات "إسرائيلية" في الجنوب لأسابيع، مع إعداد الجيش لمجموعة من السيناريوهات المتناقضة، من الانسحاب إلى التقدم.

ومن هنا يمكن فهم أهمية الموقف اللبناني الرافض إدخال علي الطاهر في هذه المعادلة.

فإذا أصبحت علي الطاهر جزءًا من (المناطق التجريبية)، فإن الأمر قد يتحول من تجربة انسحاب وانتشار إلى تجربة لإعادة تعريف قواعد الوجود "الإسرائيلي" داخل لبنان، ودفع الجيش اللبناني إلى التصادم مع المقاومة.

"إسرائيل" تريد أن تقول عمليًا: الانسحاب لا يكفي، يجب أولًا معالجة ما تعتبره تهديدًا عسكريًا، وضمان عدم عودة البنية العسكرية إلى المنطقة.

أما لبنان فيريد أن يقول: الانسحاب "الإسرائيلي" هو الذي يجب أن يكون نقطة البداية، وليس نتيجة لشروط "إسرائيلية" جديدة.

وهذا هو جوهر الاشتباك السياسي.

هل تريد "إسرائيل" البقاء؟

هنا تصبح الصورة أكثر وضوحًا. عندما يتحدث مسؤولون "إسرائيليون" ووسائل إعلام "إسرائيلية" عن بقاء الجيش في جنوب لبنان، وعن إعداد القوات لسيناريوهات (التقدم واحتلال مناطق إضافية)، وعن استمرار العمل على الأنفاق، فإن الحديث لم يعد عن عملية عسكرية محدودة زمنيًا فقط.

بل نحن أمام تصور أمني "إسرائيلي" طويل الأمد للجنوب اللبناني. وهذا لا يعني بالضرورة أن "إسرائيل" اتخذت قرارًا نهائيًا باحتلال علي الطاهر، لكن يعني أن خيار السيطرة عليها لم يعد مستبعدًا من الحسابات العسكرية "الإسرائيلية".

وهنا يجب التمييز بين أمرين:

الاحتلال الكامل للمرتفعات، وإبقاء المنطقة تحت ضغط عسكري دائم يسمح "لإسرائيل" بالتأثير في من يدخلها وما يجري فيها. الثاني قد يكون أقل كلفة على "إسرائيل" من الأول، وربما أكثر قابلية للتسويق دوليًا.

ماذا يعني الحديث عن (الضوء الأخضر الأميركي)؟

تداولت وسائل إعلام عربية نقلًا عن الإعلام "الإسرائيلي" حديثًا عن انتظار "إسرائيل" ضوءًا أخضر أميركيًا لمواصلة القتال أو توسيعه في لبنان. وكانت "يديعوت أحرونوت" قد نقلت في نيسان عن تفاهم أميركي ـ "إسرائيلي" يسمح بفصل الجبهة اللبنانية عن ملفات إقليمية أخرى ومواصلة العمليات في لبنان.

إن الموقف الأميركي يشكل أحد مفاتيح القرار "الإسرائيلي".

فالجيش "الإسرائيلي" يستطيع القصف وتنفيذ عمليات محدودة من دون انتظار قرار بحرب شاملة، لكن الانتقال إلى عملية برية كبيرة واحتلال مرتفعات ذات أهمية استراتيجية قد تكون له تبعات سياسية أكبر بكثير.

لذلك فإن السؤال الذي يجب مراقبته ليس فقط: هل تقصف "إسرائيل" علي الطاهر؟

بل: هل بدأت "إسرائيل" إعداد البيئة العسكرية والسياسية لعملية برية واسعة فيها؟

وحتى الآن، هناك مؤشرات تستحق المتابعة، لكنها لا تكفي وحدها لإعلان أن القرار اتخذ.

لماذا تخشى "إسرائيل" عامل الوقت؟

ثمة ما هو أكثر أهمية في بعض التحليلات "الإسرائيلية": عامل الوقت.

كاتب ومحلل عسكري "إسرائيلي" حذر من أن الوقت ينفد أمام "إسرائيل" لتدمير أنفاق علي الطاهر الاستراتيجية، في إشارة إلى اعتقاد داخل الأوساط "الإسرائيلية" بأن أي تأخير قد يسمح بإعادة بناء القدرات العسكرية أو تغيير طبيعة الواقع الميداني.

وهذه الفكرة تفسر جانبًا كبيرًا من التصعيد.

"إسرائيل" لا تريد أن تنتهي المرحلة الحالية بانسحابها ثم تكتشف بعد أشهر أن البنية التي تقول إنها استهدفتها قد أعيد بناؤها.

لذلك تحاول، وفق منطقها الأمني، أن تترك خلفها أرضًا مختلفة عن تلك التي دخلتها.

وهنا يصبح القصف جزءًا من استراتيجية أوسع: تدمير البنية، تفكيك الأنفاق، منع إعادة الانتشار، ثم التفاوض على شكل الانسحاب.

عقدة عسكرية أم ورقة تفاوضية؟

في الواقع، علي الطاهر هي الاثنتان معًا. عسكريًا، تريد "إسرائيل" المرتفعات لأنها تشرف على عمق جنوبي واسع.

أمنيًا، تقول إنها تريد القضاء على البنية التحتية تحت الأرض. سياسيًا، تريد أن تجعل الانسحاب مشروطًا بضمانات تتعلق بالجيش اللبناني وحزب الله.

وتفاوضيًا، تريد أن تتحول علي الطاهر من أرض يجب أن تنسحب منها إلى ورقة تفاوضية يمكن استخدامها للحصول على تنازلات مقابلة.

وهذا ما يجعلها أخطر من مجرد موقع عسكري.

هل نحن أمام معركة جديدة؟

المؤشرات الحالية لا تسمح بالجزم بأن "إسرائيل" قررت شن عملية برية شاملة. لكنها تسمح باستنتاج أكثر حذرًا وأهمية: علي الطاهر أصبحت واحدة من المناطق التي تحتفظ "إسرائيل" بشأنها بخيار التصعيد العسكري كأداة ضغط وكخيار عملياتي في الوقت نفسه. فالجيش "الإسرائيلي" سبق أن أعلن السيطرة على المنطقة، ثم استمر في العمل حولها، ثم عاد إلى الحديث عن الأنفاق والبنية التحتية، فيما تصاعد القصف، واستمرت التقارير عن الاستعداد لعمليات هندسية واسعة. هذا التراكم يصعب اعتباره صدفة. وإذا أضيف إليه الحديث "الإسرائيلي" عن بقاء القوات في الجنوب وإعداد سيناريوهات للتقدم واحتلال مناطق جديدة، فإن الصورة تصبح أكثر إثارة للقلق.

لماذا علي الطاهر؟

لأن من يملك علي الطاهر لا يملك تلة فقط؛ إنه يملك عينًا على النبطية، وموقعًا متقدمًا للمراقبة، وارتفاعًا مهمًا في الحسابات النارية، ومنطقة تقول "إسرائيل" إن تحتها بنية عسكرية واسعة، وورقة يمكن استخدامها في رسم شكل الانسحاب والانتشار في الجنوب. ولهذا تبدو المعركة حول علي الطاهر مختلفة عن كثير من المعارك الأخرى.

"إسرائيل" لا تريد فقط تدمير ما تقول إنه موجود تحت الأرض. إنها تريد أن تضمن أن الواقع فوق الأرض وتحتها لن يعود إلى ما كان عليه قبل الحرب.

وهنا تكمن خطورة المرحلة المقبلة. فإذا بقيت "إسرائيل" في علي الطاهر، ولو تحت عناوين أمنية مؤقتة، فإن ذلك قد يتحول إلى نقطة ارتكاز لوجود "إسرائيلي" طويل الأمد.

وإذا انسحبت منها، فإن السؤال سيكون: هل انسحبت فعلًا من دون شروط، أم تركت خلفها ترتيبات أمنية تجعلها حاضرة من دون جنود؟

أما إذا اختارت "إسرائيل" الهجوم مجددًا، فإنها تكون قد قررت اختبار واحدة من أكثر مناطق الجغرافيا الجنوبية حساسية، مع ما يعنيه ذلك من احتمال فتح مواجهة جديدة حول موقع لم تستطع "إسرائيل" تاريخيًا أن تحوله بسهولة إلى مساحة خاضعة لها.

لهذا، فإن علي الطاهر ليست معركة على تلة، إنها معركة على شكل جنوب لبنان بعد الحرب. ومن يراقب ما يجري هناك لا ينبغي أن ينظر فقط إلى عدد الغارات أو حجم القصف. عليه أن يراقب السؤال الأهم: هل تريد "إسرائيل" من علي الطاهر موقعًا تنسحب منه، أم موقعًا تنطلق منه لإعادة رسم حدودها الأمنية داخل لبنان؟

الكلمات المفتاحية
مشاركة