عربي ودولي
رأى روبرت كاغان، في مقالة نشرتها مجلة "ذا أتلانتيك"، أن إيران، وبمساعدة أميركية غير مقصودة، أعادت رسم ميزان القوى في الشرق الأوسط والخليج، مؤكدًا أن القوة المهيمنة في المنطقة من الآن فصاعدًا ستكون إيران، وليس الولايات المتحدة أو "إسرائيل".
وقال كاغان، إن العالم تعامل على مدى أعوام مع إيران "مقيدة"، لكنه سيكتشف الآن إيران محررة من القيود. وأضاف أن طهران لا تحتاج إلى اتفاق مع الولايات المتحدة، وأن الفرضية التي تقول إن إيران "ضعيفة" و"فقيرة" وستضطر في النهاية إلى تقديم تنازلات أمام القوة الأميركية وفتح مضيق هرمز، أثبتت أنها في غير محلها.
وأشار الكاتب الذي يعد من أبرز الخبراء الأميركيين، إلى أن إيران صمدت طوال هذه الفترة ولم تقدم أي تنازلات، بل كشفت نقطة ضعف الولايات المتحدة، والمتمثلة، في وهن جيران إيران.
ورأى أن نقطة التحول جاءت في منتصف آذار/مارس الماضي، عندما استهدفت "إسرائيل" حقل بارس للغاز، وردت إيران باستهداف مجمع رأس لفان للغاز في قطر.
وأوضح أن هذا الهجوم كشف أن إيران، رغم عدم قدرتها على هزيمة الولايات المتحدة في حرب جوية، تمتلك صواريخ وطائرات مسيّرة قادرة على إلحاق أضرار كافية بمنشآت النفط والغاز في الخليج، بما يمكن أن يدخل العالم في أزمة اقتصادية طويلة الأمد.
وأضاف أن دول الخليج أدركت ذلك فورًا، وكذلك الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي أوقف استهداف منشآت الطاقة الإيرانية وطلب من "إسرائيل" القيام بالمثل. وقال إن ترامب سرعان ما أنهى الحرب دون الحصول على أي تنازلات إيرانية، مشيرًا إلى أنه، رغم تهديداته اللاحقة، لم يصدر أمرًا واحدًا باستهداف منشأة طاقة إيرانية.
مذكرة التفاهم وانقلاب ميزان القوة
واعتبر كاغان أن ذلك كان كافيًا لتغيير ميزان القوة بين إيران والولايات المتحدة، واصفًا مذكرة التفاهم بأنها "نصر إيراني واضح".
وقال إن المذكرة تنص على أن الجمهورية الإسلامية وحدها ستجري الترتيبات المتعلقة بالمرور الآمن للسفن التجارية عبر مضيق هرمز، لافتًا إلى أنها لم تنص على العودة إلى الوضع الذي كان قائمًا قبل الحرب، كما لم تمنح الولايات المتحدة أي دور في مستقبل إدارة المضيق.
وبحسب الكاتب، صنفت المذكرة إيران باعتبارها اللاعب الوحيد، إلى جانب سلطنة عمان، في هذا الملف، كما سمحت لطهران بالحصول على مستحقات من الدول مقابل المرور الآمن بعد مرور ستين يومًا.
ورأى أن مذكرة التفاهم دوّنت "الهزيمة التي تلقتها الولايات المتحدة في آذار/مارس الماضي"، عندما أدرك ترامب أنه لا يستطيع، أو لا يريد، شن مزيد من الهجمات على منشآت الطاقة في المنطقة.
في المقابل، قال إن القادة الإيرانيين لا يرون، على ما يبدو، أنهم بحاجة إلى مذكرة التفاهم.
واشنطن تخشى التصعيد أكثر من طهران
وتابع كاغان أن الأفعال الأميركية كشفت بوضوح أن واشنطن تخشى التصعيد أكثر مما تخشاه إيران، ليس فقط في الوقت الراهن، وإنما أيضًا في المستقبل.
وحذر من أن ذلك يفرض قيودًا على ما يمكن للولايات المتحدة القيام به حتى في النزاعات منخفضة الوتيرة، لأن أي عمل عسكري ضد إيران ينطوي على خطر الصعود على سلم التصعيد، وهو ما لا تريده الولايات المتحدة.
ورأى أن "النظام" الإيراني الذي ينشأ من الحرب يعاد تشكيله من جانب رجال يؤمنون بأن إيران صمدت أمام محاولة أميركية "إسرائيلية" لتدميرها، وأن التحدي وليس المساومة هو الذي أدى إلى النصر.
وأضاف أنه، نظرًا إلى أن "إسرائيل" والولايات المتحدة ستهاجمان إيران على الأرجح في المستقبل، سواء جرى التوصل إلى اتفاق أم لا، فإن مضيق هرمز يشكل أقوى وأضمن عامل ردع.
وبيّن أن المضيق يمثل عاملًا أساسيًا في تفكيك النظام العالمي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة، وكذلك في تغيير نظام اقتصادي إقليمي وعالمي صُمم لإقصاء إيران وإفقارها.
العقوبات أمام اختبار المصالح الاقتصادية
وأشار كاغان إلى أن إستراتيجية العقوبات التي استخدمت على مدى عقود لعزل إيران استندت إلى التعاون الدولي، مضيفًا أن الدول التي تعتمد على مضيق هرمز، مثل اليابان وكوريا الجنوبية، ستجد نفسها أمام خيار بين ضمان الحصول على إمدادات النفط والمشاركة في العقوبات الأميركية.
وتساءل عما إذا كانت هذه الدول ستختار التضامن مع واشنطن على حساب مصالحها الاقتصادية، مستبعدًا أن يكون نظام العقوبات العالمي قابلًا للاستمرار في النظام الجديد الذي ترسمه إيران.
ورجح الكاتب أن تحافظ إيران على السيطرة على تدفق النفط لبضعة أعوام على الأقل، محذرًا من أن التوقعات الأكثر تفاؤلًا تشير إلى أن إنشاء معابر بديلة تلتف على مضيق هرمز سيستغرق هذه المدة.
لكنه تساءل في الوقت نفسه عما إذا كانت مثل هذه المشاريع ستبصر النور أصلًا، مشيرًا إلى أن خطوط الأنابيب الجديدة والموانئ ومنشآت الطاقة ستكون معرضة أيضًا للصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية.
وطرح تساؤلًا آخر حول ما إذا كانت إيران ستقف مكتوفة الأيدي فيما تنشئ الدول المجاورة طرقًا للتحرر مما وصفه بـ"سيطرة" إيران.
إيران بعد الحرب.. قوة تتجاوز السلاح النووي
وختم كاغان بالقول إن العالم أمضى عقودًا وهو يتخوف مما قد تفعله إيران في حال حصولها على سلاح نووي، لكنه بات الآن أمام مصدر قلق يحمل أبعادًا أكبر بكثير، يتمثل في إيران التي استطاعت هزيمة الولايات المتحدة، ولم تعد تخشى الهجوم الأميركي، وتسيطر على منطقة الخليج.
ورأى الأسلحة النووية وحدها لم تكن لتمنح إيران مثل هذه القوة، لكن الحرب "الأميركية "الإسرائيلية" الفاشلة" هي التي أعطتها هذه القوة، وغيّرت موازين المنطقة ومستقبل النظام الإقليمي والدولي المحيط بها.