اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي  من الطائرات الورقية... إلى معبر «إيرز»: غزة ملعباً للمزايدات الانتخابية

مقالات مختارة

 الآثار (غير) المرئيّة لحرب إيران: مديونية أميركا تتجاوز 40 تريليون دولار
🎧 إستمع للمقال
مقالات مختارة

 الآثار (غير) المرئيّة لحرب إيران: مديونية أميركا تتجاوز 40 تريليون دولار

49

سلام محمد- صحيفة "الأخبار"

تجاوز الدين الأميركي 40 تريليون دولار، فيما تُفاقم الحرب على إيران أعباء العجز عبر زيادة الإنفاق العسكري وارتفاع كلفة الاقتراض وخدمة الدين. وبينما ترفع الحرب الضغوط على المالية الأميركية، تتزايد التحذيرات من تحوّل أزمة الدين إلى عبء اقتصادي طويل الأمد.

ليست مشكلة الدَّين الحكومي في الولايات المتحدة حديثة العهد، بل هي تعود إلى سنوات عدّة سابقة، إلّا أنها باتت اليوم تهدّد بحدوث «نوبة قلبية اقتصادية»، في ما لو استمرّ العجز المالي على حاله، وذلك وفقاً لتعبير أحد أشهر المستثمرين الأميركيين. لا بل إن القائم بأعمال المراقب العام الأميركي حذّر سابقاً وبوضوح من أن «الدَّين المتزايد يزيد من خطر حدوث أزمة مالية، وحان وقت التحرّك». والحال أن قِدم الظاهرة التي تحوّلت تدريجياً، تحت ضغط سياسات داخلية وخارجية، إلى مشكلة تراكمية فشلت الإدارات المتعاقبة في معالجتها والتحكّم بها، لا يقلّل من تأثيرات الحرب على إيران، التي، بحسب توقّعات الاقتصاديين، ستجعل تلك المشكلة تبدو أكثر حدّة - ولا سيما أن الكلفة المباشرة للعمليات العسكرية تجاوزت إلى الآن، وفق بعض التقديرات البحثية غير الرسمية، نحو 40 مليار دولار -، فضلاً عن تأثيراتها الاقتصادية الأخرى.

التحوّل إلى مشكلة مُزمنة

كيف تعاني الولايات المتحدة من عجز دائم في موازنتها، بينما هي لديها أكبر اقتصاد عالمي؟ بدايةً، لا بدّ من الإشارة إلى أن الدَّين الحكومي لا علاقة به بحجم الاقتصاد، وإنّما هو تعبير مباشر عن الفجوة المتشكّلة بين النفقات والإيرادات المتحقّقة. والدَّين ليس دوماً سلبياً، ولا سيما عندما يُستخدم لزيادة الإنتاجية، ويكون مضبوطاً ولا يتحوّل إلى عبء كبير. الإجابة على السؤال السابق تتلخّص في سببَين: الأوّل، ميل الحكومات الأميركية إلى الإنفاق المتزايد على برامجها ومشاريعها الداخلية والخارجية، والذي تغريها في المضيّ فيه القدرة الكبيرة على الاقتراض بسبب قوة اقتصادها وعملتها (الدولار)، وعمق سوق سندات الخزينة لديها - على الرغم من أن تلك القدرة ليست بلا حدود -. أمّا السبب الثاني، فهو الأزمات الاستثنائية التي عاشتها البلاد، وتسبّبت بحدوث عجوزات كبيرة، من خوضها حروباً خارجية كلّفت مليارات الدولارات، إلى الانتكاسات الاقتصادية التي عاشتها كالأزمة المالية العالمية لعام 2008، وأزمة جائحة «كوفيد-19» لعام 2020، وغيرهما.

الأهمّ أن هذه العجوزات استمرّت في التفاقم حتى بعد انتهاء تلك الظروف، وصولاً إلى الوقت الراهن، إذ بحسب تقديرات مكتب الميزانية في «الكونغرس»، فإن العجز الفيدرالي المتوقَّع لعام 2026، بلغ، في تقدير شهر شباط/ فبراير الماضي (أي قبل الحرب على إيران)، نحو 1.9 تريليون دولار. وعلى ذلك، فمن المتوقّع أن يبلغ مجموع العجوزات بين عامَي 2026 و2035، نحو 23.1 تريليون دولار، وهو رقم سيكون بحاجة إلى تعديل في ظلّ التبعات الاقتصادية للحرب على إيران.

المشكلة ليست في أن حجم الدَّين صار كبيراً فقط، وإنّما في كلفة خدمته، التي تحوّلت إلى بند متضخّم في الموازنة العامة، إذ تشير تقديرات مكتب الميزانية إلى أن صافي مدفوعات الفائدة على الدَّين سوف يتجاوز تريليون دولار في عام 2026 - مقابل نحو 970 مليار دولار في عام 2025 -، وأن يرتفع إلى نحو 2.1 تريليون دولار سنوياً في عام 2036، حيث ستصل الفوائد إلى 4.6% من الناتج المحلّي وقتذاك. ولا يقتصر اختلال الجهود الحكومية الرامية إلى ضبط عجز الموازنة، على قصورها عن زيادة الإيرادات بعيداً عن سندات الخزينة وبنسبة مساوية لزيادة النفقات فقط، وإنما يمتدّ إلى فشلها أيضاً في إدارة عملية ضبط النفقات أو تخفيضها. فمثلاً، منذ بدء ولايته الحالية، سعى الرئيس دونالد ترامب إلى تقليص بعض النفقات، داخلياً وخارجياً، فكان أن أوقف في هذا الإطار عمل بعض برامج المساعدات، وخفّض من مساهمة الولايات المتحدة في موازنة هيئة الأمم المتحدة ومنظّماتها ووكالاتها، وغير ذلك. لكن ما تمّ تخفيضه لا يقارَن، بأيّ حال، بزيادات الإنفاق في مجالات أخرى.

زيادة الدَّين بهذا الشكل، ستكون لها عواقب مالية دائمة

يبقى السؤال الأهمّ حالياً هو: كيف ستؤثّر حرب إيران على مشكلة الدَّين الحكومي الأميركي؟ هل ستحوّلها إلى أزمة مستعصية وطويلة الأمد في ضوء الإنفاق المتزايد على الحرب والتوقّعات باستمرارها؟ أم أن ارتفاع أسعار النفط والغاز سيُسهِم في منع تفاقم تلك المشكلة؟ للاحتمال الأول ما يبرّره فعلياً؛ فالحرب على إيران أثّرت سلباً على الاقتصاد الأميركي من خلال ما يلي:

-زيادة الإنفاق العسكري المباشر وغير المباشر؛ إذ تتحدّث التقديرات، وفق ما ذُكر آنفاً، عن كلفة أولية للحرب تتجاوز 40 مليار دولار، فيما من المتوقّع أن تواصل هذه الكلفة ارتفاعها جرّاء استمرار أجواء التصعيد وانتشار الحشود العسكرية الأميركية في منطقة الخليج، فضلاً عن فاتورة إعادة بناء المخزونات التي استُنزفت خلال العمليات العسكرية، وإصلاح القواعد والمنشآت التي دمّرتها الصواريخ والمُسيّرات الإيرانية. والجدير ذكره، هنا، أن الإدارة الأميركية طلبت تمويلاً إضافياً قدره 87.6 مليار دولار، يُخصَّص منه نحو 70 مليار دولار للإنفاق العسكري المباشر.

- ارتفاع أسعار النفط على خلفية تعطُّل الإمدادات النفطية عبر مضيق هرمز. وهو ارتفاع تسبَّب بزيادة معدّل التضخم، وجعَل من مسألة خفض أسعار الفائدة يبدو أمراً أصعب بكثير من ذي قبل. وبالتالي، فإن الحكومة الأميركية قد تكون مضطرّة إلى دفع أسعار فائدة أعلى عند طرحها لسندات دين جديدة، أو إعادة تمويل سندات قديمة، وهو ما يعني مزيداً من ارتفاع كلفة خدمة الدين.

- التوقّعات بإمكانية تراجع الإيرادات الضريبية نتيجة لانخفاض نموّ الناتج المحلي الإجمالي، المتأثّر بارتفاع أسعار النفط. صحيحٌ أن هذا الارتفاع زاد من إيرادات شركات النفط والغاز الأميركية وأرباحها، وقد يرفع بعض الإيرادات الضريبية للحكومة، إلّا أنه في المقابل أثّر سلباً على كلفة الإنتاج وتقديم الخدمات في جميع القطاعات الاقتصادية والإنتاجية.

أمّا في خصوص الاحتمال الثاني، فالولايات المتحدة هي بالفعل إحدى أهم الدول المُنتِجة والمُصدِّرة للنفط والغاز، وقد اتّجهت منذ بداية الحرب إلى زيادة كمية صادراتها النفطية بغية التخفيف من تأثيرات إغلاق مضيق هرمز، وهو ما أكسب شركاتها مزيداً من الإيرادات والأرباح؛ وبالتالي، قد يُسهِم هذا الأمر في زيادة قيمة بعض الإيرادات الضريبية للحكومة. لكن هنا، لا بدّ من الإشارة إلى ملاحظتَين: الأولى، أن مساهمة قطاع التعدين، بما يشمل استخراج النفط والغاز، في الناتج المحلّي الإجمالي الأميركي لا تتجاوز 1.4%؛ ولذلك، فإن ارتفاع أسعار النفط يعني فرض تكاليف إضافية على عمل قطاعات حيوية من مثل: النقل، الطيران، التصنيع، البتروكيماويات، الزراعة، وغيرها. أمّا الملاحظة الثانية، فمرتبطة بإجراءات الدعم التي قد تضطرّ الحكومة الأميركية إلى اتّخاذها، بغية تخفيف عبء فاتورة ارتفاع أسعار المشتقات النفطية، ولا سيما البنزين، عن كاهل بعض القطاعات.

القادم أسوأ بكثير

مع اقتراب حجم الدين الفيدرالي المُحتفَظ به لدى الجمهور، والبالغ نحو 31.3 تريليون دولار في نيسان/ أبريل الماضي، من حجم اقتصاد البلاد، أطلق مكتب المحاسبة الحكومية الأميركية تحذيراً من أنه إذا لم يتمّ اتخاذ أيّ إجراء لتقليل العجز كلّ عام، سينمو الدَّين المُشار إليه بأكثر من ضعف نموّ الناتج المحلي خلال السنوات العشر القادمة، ليصل إلى نحو 123% من حجم الناتج في عام 2036. إلّا أن مجريات الأشهر التالية، وتحديداً تطورات الحرب على إيران، جاءت في وقت يتزايد فيه إجمالي الدَّين الوطني الأميركي، الذي تجاوَز أخيراً 40 تريليون دولار، بما يشمل الدَّين الحكومي المُحتفَظ به داخل مؤسّسات الحكومة، والمختلف عن الدَّين الفيدرالي المُحتفَظ به لدى الجمهور. ولذلك، لا يمكن اعتبار الزيادة بين الرقمَين قفزة ناتجة من الحرب على إيران وحدها.

زيادة الدَّين بهذا الشكل، ستكون لها عواقب مالية دائمة؛ إذ قد تؤدّي ديون الحكومة الفيدرالية في النهاية إلى خفض مستوى المعيشة لجميع الأميركيين. ولذلك، يقرّ المكتب بأن «هناك حاجة إلى استراتيجية طويلة الأمد لوضع الأمّة على مسار مالي مستقرّ. وكلّما طال انتظارنا للقيام بذلك، زادت الحاجة إلى اتّخاذ إجراءات درامية، وزادت العواقب ألماً على الأميركيين». ويقترح أن تتضمّن تلك الاستراتيجية: تغيير سياسة الضرائب والإنفاق - بما فيها الإنفاق الإلزامي والإنفاق الضريبي - لتقليل العجز السنوي، اعتماد هدف وقواعد للدَّين تُوجِّه قرارات صانعي السياسات بشأن الميزانية، ومعالجة الفجوات المالية في صناديق الضمان الاجتماعي والتأمين الصحي وبرامجهما، والتي من المُقرّر أن تُنفَّد في عامَي 2032 و2033 على التوالي.

المُلاحظ في معظم ما يكتبه الاقتصاديون ورجال الأعمال الأميركيون حول مشكلة الدَّين، أنهم يتجنّبون الإشارة إلى أثر الحروب العسكرية الخارجية التي شنّتها بلادهم خلال العقود الماضية، في تفاقم ظاهرة الدَّين الحكومي، علماً أن هذه الحروب غالباً ما تُموَّل بالاقتراض إلى جانب الإيرادات العامة، والأهمّ أنها تكون على حساب بعض أوجه الاستثمار المدني، فتكون النتيجة رفع قيمة الدين الحكومي وكلفته، من دون تقديم عائد مالي مباشر إلى الخزانة يمكّن من سداد الدَّين، أو عائد استثماري أو إنتاجي مُستدام.

الكلمات المفتاحية
مشاركة