اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي  الآثار (غير) المرئيّة لحرب إيران: مديونية أميركا تتجاوز 40 تريليون دولار

مقالات مختارة

لماذا رفضت المقاومة تسليم «علي الطاهر»؟
🎧 إستمع للمقال
مقالات مختارة

لماذا رفضت المقاومة تسليم «علي الطاهر»؟

41

حسين الأمين- صحيفة "الأخبار"

رغم كثرة الحديث أخيراً عن فكرة تسليم مرتفعات علي الطاهر إلى الجيش اللبناني، لتجنّب تصعيد وشيك، قد يفتح الباب على معركة واسعة، إلا أنه، بحسب معلومات المعنيين بالاتصالات، فقد سبق لرئيس الجمهورية جوزيف عون أن طرح الصيغة نفسها على «حزب الله» قبل نحو شهر، مقترحاً إخلاء الموقع وانتشار الجيش فيه، على قاعدة أن ذلك «يسحب الذريعة من إسرائيل ويمنعها من مواصلة عملياتها العسكرية». يومها، أبلغ الحزب عون رفضاً كاملاً للمُقترح، انطلاقاً من فهم لدى المقاومة بأن المسألة لا تتعلّق بمصير موقع عسكري واحد، بل بالمعادلة التي يراد تكريسها على امتداد الأراضي اللبنانية.

وفي الأيام الأخيرة، عاد الطرح نفسه بصيغة أكثر وضوحاً، مترافقاً مع ضغط عسكري إسرائيلي أكبر. ونقلت «هيئة البث الإسرائيلية» عن مسؤول أميركي أنه تمّ «ربط وقف إطلاق النار في الجنوب بانسحاب حزب الله من مرتفعات علي الطاهر وتسليمها للجيش اللبناني». وبذلك، بدا أن واشنطن تبنّت عملياً الشرط الإسرائيلي. ويُلاحظ في الآونة الأخيرة محاولة أميركية - إسرائيلية لبناء نمط، حيث يحدّد العدو الموقع الذي يريد إخلاءه، ويتولّى الأميركيون الضغط على الدولة، ثم يُطلب من الجيش اللبناني تسلّمه تحت تهديد استمرار القصف أو التوغّل البري، علماً أن نمطاً مشابهاً حاول العدو تكريسه خلال فترة الـ«15 شهراً» الفاصلة بين حربي 2024 و2026. حينها طالب العدو بتفتيش منازل وممتلكات خاصة في الجنوب، وفي حال لم يُستجب لطلباته، كان يهدّد بقصف المبنى وهدمه على رؤوس ساكنيه.

في الأثناء، يواصل العدو إحاطة منطقة علي الطاهر بحصار ناري واسع ومتواصل، ويُطبِق استخبارياً على المنطقة بأسرها، بالتوازي مع ضخّ روايات عن مُنشآت تحت الأرض ومقاومين مُحاصرين ومخزون إمداد يكفي لأسابيع أحياناً، أو أنه شارف على النفاد، أو أنه انتهى كما في روايات أخرى. فيما لهذه الروايات وظيفة عملياتية وسياسية، مثل تحويلها إلى تبرير للقصف المتواصل من جهة، وتقديم تسليم التلّة بوصفه «حلاً إنسانياً» أو «تسوية تحفظ ماء الوجه»، فيما يبقى الهدف الفعلي انتزاع الموقع من دون دفع كلفة اقتحامه. وقد أظهرت المواجهات الأخيرة، ولا سيما استهداف القوة الهندسية الإسرائيلية العاملة في المنطقة، وسقوط إصابات في صفوفها، أن الاحتلال الكامل لتلك التلال، ليس عملية مجانية كما يحاول العدو الإيحاء.

في المقابل، ينطلق موقف الحزب من معادلة معاكسة تماماً، فإذا قُدّر لهذه التلة أن تسقط، فليكن ذلك بعد قتال وصمود، لكن لن يكون الأمر عبر الاستسلام. فالانسحاب الطوعي، في ظلّ غياب أي ضمانة مُلزمة، لا ينزع الذريعة من إسرائيل، بل يثبّت فاعلية التهديد ويدفعها إلى تكراره. كما أن دخول الجيش اللبناني إلى الموقع لا يضمن، في ذاته، امتناع العدو عن قصفه أو اجتياحه أو طلب تفتيشه. وقد قدّمت التجربة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الأول في تشرين الثاني 2024 ما يكفي من الأدلة على أن إسرائيل لا ترى في انتشار الجيش قيداً على حركتها.

الجيش قد يجد نفسه، من حيث لا يريد، في موقع الجهة التي تتسلّم مواقع المقاومة بناءً على لوائح إسرائيلية


ولا تملك السلطة برئاسة عون نفسه، أجوبة شافية عن مجموعة من الأسئلة الجوهرية؛ فماذا يحصل إذا أخلى الحزب الموقع وانتشر الجيش فيه، ثم ادّعت إسرائيل أن هناك منشآت لم تُفكّك، أو أن أسلحة بقيت مُخبّأة، أو أن مقاتلين عادوا إليه؟ ومن يضمن ألّا يطلب جيش الاحتلال دخوله «للتحقّق»، أو ألّا يتم القصف بذريعة إزالة تهديد مُفترض؟

كذلك، لا تقدّم واشنطن أيّ ضمانة تتجاوز الوعود السياسية التي أثبتت الوقائع أنها قابلة للتراجع كلّما رفعت تل أبيب سقف مطالبها. والأخطر أن الجيش قد يجد نفسه، من حيث لا يريد، في موقع الجهة التي تتسلّم مواقع المقاومة بناءً على لوائح إسرائيلية، فيما يرفض العدو الانسحاب الكامل ويحتفظ لنفسه بحرية العمل في أي مكان وزمان.

والإشكالية الأساسية هنا، تتجاوز مستقبل موقع علي الطاهر نفسه. فقبول المُقترح يعني إقراراً بحقّ إسرائيل في تعيين المواقع العسكرية والأمنية التي تريد إخلاءها داخل لبنان، ثم فرض تسليمها للجيش اللبناني تحت وطأة النار. وإذا نجحت هذه الآلية مرّة، فلن يبقى ما يمنع تكرارها في مناطق أخرى، يريدها العدو بشدّة، مثل معسكرات المقاومة في إقليم التفاح والبقاع الغربي، أو جبال وتلال صافي وجبال الرفيع والريحان، أو أي موقع آخر في الجنوب والبقاع والهرمل. وتكشف التحرّكات العسكرية الإسرائيلية بمجملها، أن الهدف ليس معالجة «تهديد موضعي» مزعوم في علي الطاهر، بل فتح منفذ عملياتي باتجاه النبطية وإقليم التفاح وجبل الريحان.

وتكتسب السابقة هذه - لو تحقّقت – خطورة إضافية من كون مرتفعات علي الطاهر تقع شمال نهر الليطاني. فهي تقع خارج النطاق الجغرافي الذي حدّده القرار 1701. ومن هنا، لا تنفصل معركة علي الطاهر عن المسعى الإسرائيلي الأوسع لتعديل الحدود الفعلية للقرار الدولي، إن لم يكن ممكناً تعديله أو إلغاؤه. فبدلاً من اقتصار صلاحياته على منطقة جنوب الليطاني، وبحضور «القوات الدولية»، يجري توسيعها تدريجياً إلى شمال النهر، مع إلغاء دور «اليونيفل».

ويبدو الحزب مهتماً في توضيح أن لا مشكلة لديه مع انتشار الجيش على كلّ الأراضي اللبنانية. فالحزب سبق أن سلّم الجيش عشرات المواقع والمُنشآت جنوب الليطاني ضمن ترتيبات مُتّفق عليها. لكنّ المسألة اليوم تبدو مختلفة، حيث الخلاف يدور حول الجهة التي تقرّر توقيت الانتشار وأهدافه وحدوده، فهل يحصل ذلك في سياق «استراتيجية دفاعية» وقرار لبناني داخلي، أم استجابةً لإنذار إسرائيلي تتولّى الولايات المتحدة نقله؟ وهل يدخل الجيش إلى موقع أخلاه الحزب ضمن تسوية متكاملة تضمن انسحاب العدو ووقف اعتداءاته، أم تتراجع المقاومة خطوة، فيما تبقى إسرائيل مُحتلة ومتأهّبة لتقديم لائحة أهداف جديدة؟

لذلك، يرى الحزب أن تسليم علي الطاهر لن يقفل جبهة، بل سيفتح جبهات كثيرة. ولن يحمي الموقع بالضرورة من الاحتلال، بل سيُعفي إسرائيل من كلفة السيطرة عليه ويمنحها نموذجاً قابلاً للتعميم. أمّا الرهان على أن تكتفي تل أبيب بهذه المرتفعات، فيتجاهل طبيعة الاستراتيجية الإسرائيلية القائمة على توسيع المطالب كلّما تحقّق مطلب سابق من دون مقابل. وما يبدأ اليوم بعلي الطاهر قد ينتقل غداً إلى صافي والرفيع، ثم إلى البقاع والهرمل، بذريعة واحدة تتبدّل أسماؤها ولا يتبدّل مضمونها: ثمّة «تهديد» في مكان ما، وعلى اللبنانيين إزالته، وإلّا تولّت إسرائيل ذلك بنفسها.

الكلمات المفتاحية
مشاركة