اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي أمطار غزيرة وسيول تغمر طرقات ومنازل في البقاع الغربي 

خاص العهد

ديون تتراكم و
🎧 إستمع للمقال
خاص العهد

ديون تتراكم و"هيبة" تتآكل.. المعالم الأولى للهزيمة الأميركية في الحروب الخارجية

74

في ظلّ التداعيات المتواصلة للعدوان الصهيو أميركي على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، تتراكم المؤشرات على تصاعد الأعباء التي تواجهها الولايات المتحدة على المستويات العسكرية والاقتصادية والسياسية، بالتوازي مع بلوغ الدين الوطني الأميركي أكثر من 40 تريليون دولار، واستمرار التحذيرات من تداعيات العجز المالي المتفاقم.

وفي هذا السياق، تبرز أسئلة جوهرية حول قدرة واشنطن على مواصلة الانخراط في حروب ومواجهات متعددة، في وقت تستنزف فيه مواردها العسكرية وتتزايد كلفة التزاماتها الخارجية، فيما يتبدل المزاج السياسي والشعبي الأميركي تجاه الدعم المفتوح لـ"إسرائيل".

وتتخذ هذه المعطيات أهمية إضافية في ضوء ما طرحه الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم في خطابه الأخير، لناحية الحديث عن ضرورة انتظار ظهور معالم الخسارة الأميركية وتداعيات المواجهة، وهو ما يفتح بابًا واسعًا لقراءة المؤشرات التي بدأت تتشكل في الاقتصاد الأميركي، وفي حسابات واشنطن العسكرية والسياسية، وفي قدرتها على الاستمرار في إدارة جبهات متعددة في آن واحد.

من هنا، تأتي قراءة الدكتور عبد الحليم فضل الله، رئيس المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق لموقع العهد الإخباري، لتفكك هذه المؤشرات، من انتقال واشنطن من لغة الحرب إلى الضغط الاقتصادي، إلى تصاعد كلفة الحروب، وتفاقم أزمة الدين، وتبدل الرأي العام الأميركي، وصولًا إلى حدود قدرة الولايات المتحدة على مواصلة دعم "إسرائيل" بالوتيرة نفسها، وما يمكن أن تتركه هذه التحولات من انعكاسات على مستقبل المواجهة ومسار المنطقة.

الدكتور فضل الله رأى أن مؤشرات الخسارة الأميركية في المواجهة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية بدأت تتكشف على أكثر من مستوى، مشيرًا إلى أن عودة واشنطن إلى أدوات الضغط الاقتصادي بعد اللجوء إلى الخيار العسكري تعكس، في جانب أساسي منها، عجز الولايات المتحدة عن خوض حروب طويلة ومكلفة، ولا سيما في مواجهة دولة تمتلك قدرات عسكرية واقتصادية وإرادة سياسية متماسكة.

وأوضح  أن "هناك أكثر من مؤشر يمكن الاستناد إليه للقول إن الولايات المتحدة تواجه خسائر وتحديات متزايدة"، لافتًا إلى أن المؤشر الأول يظهر على مستوى المنطقة، حيث انتقلت واشنطن من لغة الحرب والمواجهة العسكرية المباشرة مع إيران إلى العودة مجددًا إلى سياسة الضغط الاقتصادي، بالتوازي مع خطاب تصعيدي وتهويلي.

وأضاف إن هذه السياسة ليست جديدة، بل تشبه إلى حد كبير ما اعتمدته الولايات المتحدة خلال السنوات الماضية، ولا سيما في عهد الرئيس دونالد ترامب الأول، حين رُفعت شعارات الضغط الأقصى والعقوبات غير المسبوقة، من دون أن تتمكن واشنطن من كسر إرادة الجمهورية الإسلامية أو دفعها إلى تقديم التنازلات التي كانت تريدها.

العودة إلى العقوبات بعد فشل الخيار العسكري

بحسب فضل الله، فإن عودة الولايات المتحدة إلى سياسة الضغط الاقتصادي تؤشر إلى أن الخيار العسكري لم يحقق النتائج التي كانت واشنطن تراهن عليها، مؤكدًا أن "العودة إلى سياسة الضغط الاقتصادي تعني فشل الحرب".

وأشار إلى أن التجربة الأميركية خلال العقود الماضية تثبت أن واشنطن لا تفضّل خوض مواجهات عسكرية طويلة، وهو ما ظهر في تعامل الإدارات الأميركية المتعاقبة مع إيران، حيث تجنّب جورج بوش الابن الدخول في حرب مباشرة معها، بينما اتجه باراك أوباما إلى المسار التفاوضي، في حين فضّل ترامب خلال ولايته الأولى الضغط الاقتصادي على المواجهة العسكرية.

وأضاف أن الولايات المتحدة "لا تستطيع خوض مواجهات طويلة، وبالخصوص مع قوة مقتدرة وجاهزة وحاضرة ولديها حس وطني ومبدئي كالجمهورية الإسلامية".

ورأى أن ما يجري اليوم يؤكد أن العقوبات والضغوط الاقتصادية لم تؤدِّ في السابق إلى إخضاع إيران، بل إن الجمهورية الإسلامية تمكنت خلال سنوات العقوبات من تطوير قدراتها واستجماع عناصر القوة التي مكّنتها من مواجهة واشنطن اليوم.

لبنان يكشف أيضًا ارتباك واشنطن

ولفت فضل الله إلى أن مؤشرًا آخر على التخبط الأميركي يظهر في لبنان، من خلال "تضارب التصريحات الأميركية تجاه لبنان وتجاه المواجهة وتجاه المقاومة"، معتبرًا أن هذا التخبط يعكس عدم وضوح البوصلة الأميركية، بل ضياعها، في ما يتعلق بالملف اللبناني.

وأشار إلى أن متابعة التصريحات والمواقف الصادرة عن المسؤولين الأميركيين، وما ينقل عن دوائر صنع القرار في واشنطن، تظهر أن خيار المواجهة العسكرية في لبنان لم يحقق الأهداف التي كانت الولايات المتحدة تراهن عليها، موضحًا أن الحرب لم تتمكن من كسر قرار المقاومة أو تغيير توجهاتها، كما لم تتمكن الأدوات السياسية من تحقيق ما عجزت الحرب عن تحقيقه.

وقال إن "ذلك يمثل مؤشرًا إضافيًا على فشل المقاربة الأميركية، وإنْ كانت الحسابات "الإسرائيلية" قد تكون مختلفة"، مشددًا على ضرورة التمييز بين الموقف الأميركي والموقف "الإسرائيلي" عند قراءة مسار المواجهة.

أزمة اقتصادية بنيوية

وفي البعد الاقتصادي، أكد فضل الله أن المؤشرات أصبحت أكثر وضوحًا، مشيرًا إلى أن الدين الأميركي وصل إلى مستويات هائلة، وأن جزءًا أساسيًا من أسبابه يرتبط بالحروب والتدخلات العسكرية المتواصلة، إلى جانب المواجهات الاقتصادية والفوضى في إدارة الدولة الأميركية.

وأشار إلى أن الولايات المتحدة لا تواجه أزمة عابرة يمكن تجاوزها بسهولة، بل "أزمة بنيوية" بدأت تتضح بصورة أكبر منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008، مع استمرار نمو الدين وتراجع عدد من المؤشرات الاقتصادية.

وأوضح أن الدين الأميركي يبلغ نحو 40 تريليون دولار، وأن استمرار الاتجاه الحالي قد يدفعه إلى مستويات أعلى بكثير خلال السنوات المقبلة، بما يفرض أعباء متزايدة على الاقتصاد الأميركي ويؤثر في أسعار الفائدة والنمو والثقة بالعملة الأميركية ودورها الدولي.

وشدد على أن ذلك لا يعني أن الولايات المتحدة تتجه حتمًا إلى الانهيار، قائلًا إن "أميركا في نهاية المطاف اقتصاد ضخم وقوي ومركزي في العالم"، لكنها في المقابل تواجه أزمة غير مسبوقة يصعب تجاوزها بالوسائل التقليدية.

وأضاف أن استمرار واشنطن في خوض "حرب بعد حرب، ومواجهة بعد مواجهة، وحرب عسكرية بعد حرب عسكرية، وحرب تجارية بعد حرب تجارية"، من شأنه أن يستنزف إمكاناتها ومواردها ويسرّع تدهور مؤشراتها الاقتصادية.

فاتورة الحرب على إيران

وفي هذا السياق، أشار فضل الله إلى أن التقديرات المتداولة تتحدث عن كلفة مباشرة للحرب على إيران تبلغ نحو 40 مليار دولار، من دون احتساب الخسائر غير المباشرة، بما في ذلك استنزاف مخزون الأسلحة وتكاليف إعادة تسليح القوات وتطوير المنظومات العسكرية.

وأضاف أن إدخال هذه العناصر في الحساب يرفع الكلفة بصورة كبيرة، لافتًا إلى أن الدراسات الاقتصادية الأميركية نفسها أظهرت في السابق حجم الخسائر التي تكبدها الاقتصاد الأميركي نتيجة الحروب والتدخلات الخارجية.

واستشهد بتقديرات اقتصادية تشير إلى أن الحروب الأميركية، ولا سيما غزو العراق والتدخلات العسكرية الأخرى، ألحقت خسائر اقتصادية ضخمة بالولايات المتحدة، مؤكدًا أن المشكلة اليوم لا تكمن في ضعف الاقتصاد الأميركي من حيث الحجم والقدرات، بل في استنزاف هذه القدرات نتيجة السياسات العسكرية والاقتصادية المتواصلة.

لماذا يركز الأميركيون على الكلفة الاقتصادية للحروب؟

وحول التركيز الأميركي على الخسائر الاقتصادية للحروب، رأى فضل الله أن السبب يعود بصورة أساسية إلى التأثير المباشر للاقتصاد في مزاج الناخب الأميركي. وقال إن "الولايات المتحدة تعيش دورة انتخابية مستمرة، مع انتخابات نصفية ثم رئاسية، ما يجعل السياسيين الأميركيين شديدي الحساسية تجاه المؤشرات الاقتصادية الداخلية".

وأوضح أن السنوات الأولى من ولاية الرئيس الأميركي تكون عادة مخصصة بدرجة أكبر لمعالجة الملفات الخارجية، بينما تصبح السنوات اللاحقة مرتبطة بصورة متزايدة بالاستعداد للانتخابات المقبلة والتركيز على الداخل.

وفي هذا الإطار، رأى أن إدارة ترامب استهلكت جزءًا كبيرًا من النصف الأول من ولايتها في مواجهات تجارية واقتصادية، قبل أن تتوج ذلك بمواجهة عسكرية واقتصادية مع إيران، الأمر الذي سيترك آثارًا سياسية على الحزب الجمهوري خلال المرحلة المقبلة.

وأشار إلى أن الجمهوريين قد يواجهون خسائر في الانتخابات النصفية، ولا سيما في مجلس النواب، الأمر الذي سيدفع الإدارة الأميركية إلى تخصيص الجزء المتبقي من الولاية لمحاولة معالجة آثار السياسات الاقتصادية والعسكرية السابقة.

ما الذي يجب مراقبته؟

وفي ما يتعلق بالمؤشرات التي ينبغي مراقبتها خلال المرحلة المقبلة لمعرفة حجم الخسائر الأميركية واتجاه السياسة في واشنطن، حدد فضل الله مجموعة من العوامل الأساسية.

وأوضح أن أول هذه المؤشرات هو موازنات التسلح التي يقرها الكونغرس، وما إذا كانت واشنطن ستواصل تخصيص أموال ضخمة للإنفاق العسكري، إضافة إلى مراقبة نفوذ شركات النفط والطاقة في القرار الأميركي، ولا سيما في ظل تأثير ارتفاع أسعار النفط في الاقتصاد الأميركي والعالمي.

كما دعا إلى مراقبة أسعار الوقود ومعدلات التضخم داخل الولايات المتحدة، فضلًا عن طبيعة التحولات السياسية داخل المجتمع الأميركي.

وأشار إلى أن المشهد السياسي الأميركي لم يعد ينحصر في الصراع التقليدي بين الجمهوريين والديمقراطيين، إذ بدأت تتشكل داخل الحزبين، ولا سيما داخل الحزب الديمقراطي، تيارات تعارض استمرار الدعم المفتوح لـ"إسرائيل".

ولفت إلى وجود تيار جمهوري أيضًا يعارض هذا الدعم، وإنْ كانت دوافعه مختلفة، وترتبط في جانب منها بالأولوية للمصالح الأميركية الداخلية وعدم تحميل الولايات المتحدة أعباء خارجية إضافية.

تحول في الرأي العام الأميركي

ورأى فضل الله أن التحول في الرأي العام الأميركي يمثل مؤشرًا بالغ الأهمية، مشيرًا إلى أن هذا التحول بدأ منذ سنوات طويلة، ولا سيما بين الأجيال الشابة.

وأوضح أن مواقف قطاعات واسعة من الشباب الأميركي تجاه القضية الفلسطينية و"إسرائيل" شهدت تغيرًا ملحوظًا، وأن ما ظهر خلال السنوات الأخيرة من اتساع التعاطف مع الفلسطينيين ورفض السياسات "الإسرائيلية" لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة مسار تراكمي بدأ قبل أكثر من عقدين.

وأضاف أن الرأي العام الأميركي بدأ يدرك أن دعم "إسرائيل" لا يقتصر على مساعدات مالية، بل ينطوي أيضًا على التزامات سياسية وعسكرية، وقد يضع الولايات المتحدة في مواجهة مع أجزاء واسعة من العالم ويحمّلها كلفة إضافية.

ورأى فضل الله أن الولايات المتحدة باتت أكثر اضطرارًا إلى إعطاء الأولوية لحماية جنودها وقواعدها ومصالحها المباشرة، بدل الانخراط غير المحدود في حماية "إسرائيل".

وأوضح أن واشنطن استنزفت جزءًا مهمًا من رصيدها السياسي والثقة الدولية بها، معتبرًا أن "الثقة هي رأسمال مهم في السياسة"، وأن هذا الرصيد شهد تراجعًا ليس فقط لدى الخصوم والأعداء، وإنما أيضًا لدى بعض حلفاء الولايات المتحدة.

وأضاف أن الولايات المتحدة تواجه كذلك تراجعًا في جاذبيتها الثقافية والسياسية، فيما أصبحت مضطرة إلى التعامل مع تبعات السياسات "الإسرائيلية" في ظل الجرائم والانتهاكات الصهيونية المرتكبة في المنطقة.

وأشار إلى أن هذا التحول بدأ ينعكس حتى داخل الحزب الجمهوري، حيث بات بعض المرشحين أكثر حذرًا في مقاربة العلاقة مع اللوبي المؤيد لـ"إسرائيل"، خشية أن تتحول هذه القضية إلى عبء انتخابي عليهم.

وختم فضل الله بالتأكيد أن الولايات المتحدة تقف أمام مرحلة مراجعة صعبة، وأن استمرار الحروب والمواجهات الاقتصادية والعسكرية سيزيد الضغوط عليها، مشددًا على أن واشنطن ستضطر، عاجلًا أم آجلًا، إلى إعادة تحديد أولوياتها، وتحديد ما إذا كانت تريد الاستمرار في خوض صراعات خارجية مكلفة أم التركيز على معالجة أزماتها البنيوية الداخلية.

الكلمات المفتاحية
مشاركة