إيران
اهتمت الصحف الإيرانية الصادرة اليوم، الأربعاء 16 أيلول/سبتمبر 2026، بحلول الليلة المئتين لتجمع الناس في الميادين والساحات منذ اليوم الأول لبدء الحرب واستشهاد آية الله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي. ومثّل هذا الحضور الشعبي ظاهرةً دفعت كثيرين إلى تحليل حقيقتها وغاياتها، وما تؤديه من أدوار في ظل استمرار تداعيات الحرب. كما اهتمت الصحف بالوضع القائم في المنطقة ككل، ولا سيما التطورات المرتبطة بمضيقي هرمز وباب المندب، وانعكاسات الأحداث على الاقتصاد العالمي.
وظيفة التجمعات في الشوارع
كتبت صحيفة «جوان»: «إنّ التجمعات الشعبية في جميع أنحاء البلاد، والتي بدأت بالتزامن مع الهجوم الأميركي وإعلان استشهاد الإمام الخامنئي، تقترب من ليلتها المئتين، وخلال هذه الفترة، اعتبر الناس، جنباً إلى جنب مع المجاهدين في الميدان، الشارع ساحةً للجهاد، وتواجدوا فيه باستمرار. وفي الواقع، خلال هذه الليالي المئتين، أدرك الناس دورهم إلى جانب المجاهدين في الميدان، ودعمهم لهم، ولم يتخلوا عنه».
وفي محاولة لتحليل وتوضيح أهمية هذا التواجد الشعبي في الشوارع ووظائفه، يمكن ذكر النقاط والمسائل التالية:
1. سلاح الحرب في مرحلة الصمود:
استمرار دور التجمعات الشعبية في الشوارع يأتي في وقت يسعى فيه العدو إلى فصل صفوف الشعب عن النظام، عبر تكثيف الضغوط وجرّ الحرب إلى مرحلة الصمود، وخلق حالة من الإنهاك النفسي والواقعي لدى الشعب، بما يجعله غير مبالٍ بمصير الوطن. لذلك، يمكن اعتبار وجود الشعب في الشوارع سلاحاً من أسلحة الحرب في مرحلة الصمود، وبالتالي، فإن أهميته تُضاهي أهمية الصواريخ والطائرات المسيّرة في حربٍ في مرحلة المواجهة العسكرية الشاملة.
2. منع أي تحرك للثورة المضادة:
يسعى العدو، من خلال جرّ الحرب إلى ساحة الصمود، إلى إغراق إيران في الفوضى الداخلية أولاً، ثم استئناف غاراته الجوية، لربط هجماته الخارجية بالفوضى الداخلية، بما يُصعّب على النظام السيطرة على الوضع. ومع ذلك، وكما في حربَي الاثني عشر يوماً ورمضان، يُعدّ وجود الشعب في الشوارع مؤامرةً من العدو ومنصةً لإحباط استراتيجياته، إذ يمنع وجودهم في الشوارع المحرّضين الداخليين من إظهار قوتهم.
3. تعزيز الردع:
بما أن العدو قد حدّد إشعال الفوضى في الداخل الإيراني شرطاً أساسياً لحربه المتجددة مع إيران، يمكن القول إن وجود الشعب في الشوارع له أثر بالغ في تعزيز قدرة إيران على الردع ضد جبهة العدو؛ لأنه إذا ما سلّمنا بالافتراض المذكور آنفاً، فإن عبثية أي تحركات محتملة للجماعات المعادية للثورة داخل البلاد تُعدّ مقدمةً للقضاء على مناطق تهديد العدو وإضعاف احتمالية تجدد الصراع بين العدوين الأميركي والصهيوني وإيران. لذا، فإن استمرار وجود الشعب في الشوارع يُعدّ هجوماً مباشراً على جوهر استراتيجية العدو في الفترة التي تلي وقف إطلاق النار وتوقيع مذكرة التفاهم.
4. أهمية متساوية لدور المقاتلين:
في سياق بدء واستمرار الهجمات الجوية المعادية في الحربين الأخيرتين المتتاليتين، ولا سيما حرب رمضان، ورغم أن وجود الناس في الشوارع كان له أثر بالغ في إحباط استراتيجية العدو الحربية، إلا أن تركيز الدفاع كان منصباً على المقاتلين في الميدان. أما في ظل الوضع الراهن، الذي يمكن وصفه بأنه حالة لا هي حرب ولا سلام، فإن تركيز الدفاع ينصب، بشكل أو بآخر، على الدور الرادع للناس في الشوارع. لذا، فإن أهمية دور الأفراد في الشوارع لا تقل عن أهمية دور المقاتلين داخل الخنادق والأنفاق. مع اختلاف جوهري، وهو أن كلاً منها، بوصفه مجالاً من مجالات القوة الإيرانية، أصبح محورياً في مرحلة معينة.
ختامًا، تجدر الإشارة إلى أن جميع وظائف التجمعات الشعبية هذه تعود إلى دورها في تعزيز الوحدة والتماسك الوطنيين؛ أي أن هذه التجمعات، نظرًا إلى دورها في تعزيز الوحدة والتماسك الوطنيين، تكتسب هذه الوظائف القيّمة. لذا، ينبغي بذل الجهود في إدارة هذه التجمعات بما يضمن تحقيق الوحدة والتماسك الوطنيين. وفي الوقت نفسه، ونظرًا إلى أهمية هذه الوظائف، يبدو استمرارها ضروريًا، خلافًا لبعض الآراء.
اصطياد العدو في البحر الأحمر
كتبت صحيفة «رسالت»: «إن التطورات الأخيرة في اليمن أعادتها إلى صدارة الاهتمام. فبعد تقدم أنصار الله على الساحل الغربي، وسيطرتهم على المخا وذباب، ووصولهم إلى جزيرة ميون، باتوا عمليًا على مقربة من إحدى أكثر النقاط حساسية في الجغرافيا البحرية لغرب آسيا. وفي الوقت نفسه، بدأت القوات الموالية للحكومة اليمنية، والمدعومة من السعودية، جهودًا لإعادة بناء خطوط دفاعها. وتشير التقارير الميدانية أيضًا إلى خسائر فادحة ونزوح عشرات الآلاف من اليمنيين.
ومع ذلك، لا ينبغي اختزال أهمية هذه التطورات في عدد المدن التي تم الاستيلاء عليها. فالمسألة الرئيسية في اليمن اليوم لم تعد مجرد السيطرة على الأراضي، بل السيطرة على إمكانية التأثير في مسار عالمي، وهذا ما يحوّل الحرب اليمنية من أزمة داخلية إلى جزء من معادلة قوى أوسع في غرب آسيا.
[...] لفهم مستقبل الحرب، يجب علينا أولًا أن نتجاوز مفهومًا خاطئًا شائعًا: فكرة أن أحد الطرفين هو أنصار الله والآخر جبهة موحدة ضد أنصار الله. هذا ليس صحيحًا. أنصار الله هي الفاعل الأهم في شمال وغرب اليمن؛ حركة تمكنت، على مر سنوات الحرب، من التحول من قوة داخلية إلى قوة تمتلك قدرات صاروخية وطائرات مسيّرة وبحرية. وكانت نقطة التحول في هذا المسار هي نقل جزء من قوتها من «السيطرة البرية» إلى «النفوذ في البحر»، لكن لا ينبغي اعتبار أنصار الله مجرد أداة لها دور وأثر وتأثر خارجي. لهذه الحركة جذورها الاجتماعية اليمنية وتاريخها السياسي وحساباتها الخاصة. وفي الوقت نفسه، فإن ارتباطها الاستراتيجي بالجمهورية الإسلامية الإيرانية واستفادتها من الدعم والخبرة الإيرانية حقيقة تؤكدها حتى العديد من المصادر الغربية.
على الجانب الآخر، يقف مجلس القيادة الرئاسية وقوات الحكومة اليمنية، وهدفهم الرئيسي هو استعادة المناطق الخاضعة لسيطرة أنصار الله والحفاظ على الهيكل الرسمي للحكومة، لكن هذه الجبهة ليست موحدة سياسيًا وعسكريًا. وتركز قوات طارق صالح والمقاومة الوطنية على الحفاظ على وحدة اليمن، وتختلف مصالحها السياسية عن مصالح التيارات الجنوبية والانفصالية. وتسعى القوى الجنوبية إلى تحديد مستقبل الجنوب ومدى استقلاليته، وإلى جانبها، يمتلك حزب الإصلاح شبكته السياسية والعسكرية الخاصة. وهذا التشرذم بالغ الأهمية، لأن هزيمة أنصار الله لا تتحقق بمجرد هزيمة جيش واحد، بل تتطلب تنسيق قوى متعددة لا تتفق بالضرورة على مستقبل اليمن، وهذه إحدى النقاط التي لا ينبغي إغفالها عند تحليل مستقبل الحرب.
[...] يكتسب الاستيلاء على مدينة أهمية استراتيجية بالغة عندما يغيّر موقعها المعادلة الأوسع. ومن هذه الخصائص مضيق المخا، وذباب، وميون. يربط باب المندب البحر الأحمر بخليج عدن وممر المحيط الهندي، ومن خلال البحر الأحمر، يُشكّل الطريق من آسيا إلى قناة السويس والسوق الأوروبية. وقد صنّفت «رويترز» هذا المضيق كأحد أهم معابر التجارة العالمية، وأكدت دوره المحوري في نقل الطاقة والسلع.
لذا، لا تكمن قيمة تقدم أنصار الله في الأرض التي سيطرت عليها فحسب، بل في الموقع الذي حققته. وللتأثير على الملاحة، لا حاجة إلى إعلان «إغلاق كامل» للمضيق، بل يكفي زيادة مخاطر المرور. فعندما تُطالب شركات التأمين بتعويضات أكبر، تختار السفن مسارًا أطول، ويُجبر مالك البضائع على دفع المزيد من الوقت والمال، ليُصبح هذا المضيق الجغرافي عمليًا أداة ضغط سياسية. وقد أثبتت تجربة السنوات الماضية ذلك. إذ أدت الهجمات البحرية لأنصار الله إلى تغيير العديد من الشركات الكبرى مسارها عبر البحر الأحمر، واختيارها، بدلًا من ذلك، الطريق الأطول حول أفريقيا. والآن، مع اقتراب أنصار الله من باب المندب، ارتفعت هذه القدرة إلى مستوى أعلى، حيث يلتقي باب المندب بممر هرمز.
يكمن الخطأ الأكبر في تحليل التطورات الحالية في النظر إلى باب المندب وممر هرمز بمعزل عن بعضهما. فممر هرمز هو بوابة الطاقة إلى الخليج، وباب المندب أحد الطرق الرئيسية لنقل الطاقة والسلع من المحيط الهندي إلى البحر الأحمر وأوروبا. وإذا تعرض أحد هذين الطريقين لأزمة، يمكن للسوق استيعاب بعض الضغط. لكن إذا واجه كلا الممرين خطر انعدام الأمن في الوقت نفسه، ستتحول المسألة من أزمة إقليمية إلى سلسلة من الاضطرابات في قطاعي الطاقة والتجارة العالميين.
وتزداد أهمية هذه المسألة بالنسبة إلى المملكة العربية السعودية. ففي ظل القيود المفروضة على ممر هرمز، تزداد أهمية الطرق البديلة لصادرات الرياض النفطية، بما في ذلك نقل النفط إلى البحر الأحمر. مع ذلك، إذا ما تدهورت الأوضاع الأمنية في باب المندب، فسيتعرض جزء من المسار البديل نفسه لضغوط.
وتشير التقارير الأخيرة حول الأضرار التي لحقت بخط أنابيب النفط السعودي بين الشرق والغرب وتأثيرها المحتمل على إمدادات النفط العالمية، إلى جانب التطورات في باب المندب، إلى أنه لم يعد بالإمكان فصل هاتين المنطقتين الجغرافيتين. كما تجاوزت أسعار النفط حاجز المئة دولار في ظل هذه الظروف المحفوفة بالمخاطر. وهنا، يبرز اليمن كمتغير جديد: دولة ليست المنتج الرئيسي للنفط في العالم قادرة على التأثير في أمن مسار نقل النفط. هذه هي تحديدًا قوة الموقع الجغرافي.
[...] تواجه السعودية اليوم مشكلة لا حل عسكريًا سهلًا لها. لا يمكن للرياض أن تسمح لأنصار الله بأن تصبح قوة مستقرة في محيط باب المندب، لأن مثل هذا الوضع سيؤثر في الأمن البحري والاقتصادي للسعودية لسنوات قادمة، لكن تصعيد الحرب له ثمنه أيضًا.
إذا تصاعدت العمليات الجوية والبرية، سيزداد خطر هجمات أنصار الله على البنية التحتية السعودية. وإذا تراجعت الرياض، فقد تواجه واقعًا يصعب تغييره. وهنا تبرز أهمية تجربة العقد الماضي من الحرب: فالتفوق العسكري لا يعني بالضرورة القدرة على فرض نتيجة سياسية.
ومن هذا المنظور، قد تكون تطورات اليوم اختبارًا لسياسة السعودية الإقليمية؛ اختبارًا قد لا يكمن جوابه في المزيد من القصف، بل في إعادة تعريف علاقة الرياض مع طهران ومستقبل اليمن. حتى التقارير الأخيرة عن مشاورات دول الخليج مع إيران بشأن أمن الملاحة البحرية تشير إلى أن جزءًا من المنطقة بات أقرب من أي وقت مضى إلى استنتاج مفاده أن الأمن المستدام لا يمكن أن يُطلب من واشنطن وحدها».
الديزل ضد ترامب
كتبت صحيفة «وطن أمروز»: «في سوق الطاقة، تتجه الأنظار عادةً نحو النفط الخام والبنزين؛ إذ يتصدر ارتفاع سعر برميل النفط عناوين الأخبار، ويلمس الناس ارتفاع أسعار البنزين مباشرةً في محطات الوقود. إلا أنه في هذه الأيام، أصبح وقود آخر، بهدوء ودون ضجة، أحد أهم شواغل الاقتصادين الأميركي والأوروبي: الديزل!
فبعد الحرب الأميركية على إيران، وكذلك الحرب بين أوكرانيا وروسيا، بات النفط والغاز قضية جديدة وحاسمة للغاية بالنسبة إلى الغربيين.
في الولايات المتحدة، تجاوز متوسط سعر الديزل 6 دولارات للجالون للمرة الأولى، ووصل إلى نحو 6.06 دولارات. وقبل عام، كان هذا الرقم نحو 3.71 دولارات. وفي كاليفورنيا، تجاوز متوسط السعر 8 دولارات، بل وصل سعر جالون الديزل في إحدى محطات سان دييغو إلى 9.99 دولارات؛ وهو رقم يجسد، أكثر من أي شيء آخر، الصورة الرمزية للأزمة.
مع ذلك، لا تقتصر المشكلة على ارتفاع سعر نوع واحد من الوقود فحسب؛ فالديزل يُستخدم وقودًا للشاحنات والقطارات والسفن والجرارات والآلات الثقيلة. ويعتمد عليه الغذاء الذي يصل إلى المتاجر، والحبوب التي تُحصد من الحقول، والبضائع التي تُنقل بالشاحنات من المصانع إلى المستودعات، وجزء كبير من النشاط الصناعي.
ولهذا السبب، عندما يرتفع سعر الديزل، يمتد تأثيره عاجلًا أم آجلًا من محطات الوقود إلى الشحن، وأسعار المواد الغذائية، وتكاليف الإنتاج، وفي نهاية المطاف تكلفة المعيشة.
والآن، أدت حربان كبيرتان، الحرب الأميركية ضد إيران والحرب بين أوكرانيا وروسيا، إلى تعطيل أجزاء من سلسلة إمداد النفط والمنتجات البترولية العالمية في آن واحد. ولم تعد المشكلة الرئيسية تقتصر على نقص النفط الخام فحسب، بل يعاني العالم أيضًا من نقص في طاقة التكرير وتضاؤل مخزونات المنتجات البترولية.
[...] تُعد الولايات المتحدة، ظاهريًا، واحدة من أكبر منتجي ومكرري النفط في العالم، لكن حتى هي لا تستطيع النجاة من ضغوط سوق الديزل العالمي. وتوقعت إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن تنخفض مخزونات المشتقات النفطية، التي يُعد الديزل مكونها الرئيسي، إلى أقل من 100 مليون برميل بحلول نهاية هذا الشهر، وأن تبقى دون أدنى مستوى لها في خمس سنوات.
وتعزو الإدارة ارتفاع الصادرات الأميركية إلى انخفاض إمدادات الديزل من الشرق الأوسط وروسيا والصين، وانخفاض الإنتاج في المصافي الأجنبية.
وتُظهر بيانات الإدارة الأسبوعية أن مخزونات المشتقات النفطية الأميركية بلغت نحو 106.3 ملايين برميل قبل أسبوعين. كما سُجلت مخزونات الديزل منخفض الكبريت عند نحو 96.4 مليون برميل.
وتتفاقم المشكلة مع اقتراب فصلي الخريف والشتاء، وهما موسمان يشهدان عادةً ارتفاعًا في استهلاك المشتقات النفطية في الولايات المتحدة. وفي الوقت نفسه، يُعزز موسم الحصاد الزراعي الطلب على الديزل، وتدخل المصافي في فترة الصيانة الموسمية. وحذرت إدارة معلومات الطاقة الأميركية من أن هذا المزيج قد يزيد الضغط على أسعار الديزل وحتى زيت التدفئة، مما يعني أن السوق الأميركية تدخل موسم طلب مرتفع مع مخزونات أقل من المعتاد».