عربي ودولي
كاتب من العراق
يتهيأ معظم العراقيين للاحتفال بيوم الثلاثين من أيلول-سبتمبر الجاري، باعتباره يومًا وطنيًا، ومناسبة تاريخية مهمة، تتمثل بانتهاء الوجود الأجنبي في البلاد، واستعادة السيادة الوطنية الكاملة، والشروع بمرحلة جديدة، سوف تكون حافلة بالكثير من الاستحقاقات والعديد من التحديات، التي تستدعي مواجهتها والتغلب عليها قدرًا كبيرًا من الحكمة، وحسن التدبير، والتكاتف والتعاون، ونكران الذات، والقفز على المصالح الضيقة الخاصة، من أجل المصالح الوطنية العامة.
ويرتبط إنهاء الوجود الأجنبي، وانسحاب قوات التحالف الدولي من البلاد، بملف حصر أو تنظيم السلاح بيد الدولة، أو هكذا يراد له، وهذا موضوع حيوي وحساس، تتباين –وربما تتقاطع في بعض الأحيان– بشأنه الرؤى والتصورات، ناهيك عن محاولات أطراف خارجية في توجيهه بالشكل الذي يخدم مصالحها، ويتيح لها تمرير وتسويق أجنداتها بطرق وأساليب ووسائل مخادعة وغادرة.
ولا شك أن المؤشرات غير قليلة، على أن الولايات المتحدة الأميركية ومعها أطراف أخرى، تضغط أو تشترط نزع سلاح كل فصائل المقاومة، مقابل إنهاء وجودها العسكري، ودعم ومساعدة الحكومة العراقية في الاضطلاع بمهامها ومسؤولياتها. وهذا الاشتراط غير المعقول ولا المبرر، يأتي في سياق هدف استراتيجي أكبر وأوسع وأشمل، يتمثل بتفكيك وإنهاء محور المقاومة، كجزء من أجندة محاصرة إيران وإضعافها، وقطع ما تطلق عليه الأوساط السياسية والإعلامية الغربية بـ"أذرعها" في المنطقة، في إشارة إلى حزب الله اللبناني، وحركة أنصار الله اليمنية، والحشد الشعبي وقوى المقاومة الإسلامية العراقية، وحتى بعض قوى المقاومة الفلسطينية. وهي –أي الولايات المتحدة– ترى أن استحقاق إنهاء الوجود الأجنبي، كمطلب وطني عراقي، يمثل أفضل فرصة، لطرح وفرض خيار نزع سلاح فصائل المقاومة، وبالتالي تحييد جبهة العراق في محور المقاومة بطريقة هادئة ومقبولة شعبيًا وسياسيًا.
بيد أن الأمر ليس بهذه البساطة التي تحاول واشنطن تسويقها وترويجها، لأن فصائل المقاومة التي تشكلت وتبلورت وتسلحت في ظل ظرف حساس وخطير مرت به البلاد في العام 2014، واضطلعت بأدوار مهمة، وقدمت تضحيات كبيرة، لا يمكن لها أن تقبل هكذا بإلقاء وتسليم سلاحها كيفما اتفق، وكأن شيئًا لم يكن. بل إنها وضعت شرطًا واضحًا ومحددًا وصريحًا، ألا وهو إنهاء كل مظاهر الوجود الأجنبي على الأراضي العراقية، المتمثل بالقوات الأميركية، والقوات التركية، وقوات حزب العمال الكردستاني المعارض (PKK)، وتشكيلات المعارضة الإيرانية المتواجدة في إقليم كردستان العراق، ناهيك عن نزع سلاح بعض تشكيلات قوات البيشمركة المرتبطة ارتباطًا مباشرًا بالأحزاب الكردية الرئيسية، وتحديدًا الحزب الديمقراطي الكردستاني، والاتحاد الوطني الكردستاني، وقوات حماية سنجار.
وفوق ذلك، ترى فصائل المقاومة، أن استعادة السيادة الوطنية الكاملة، لا تكتمل بخروج القوات الأجنبية فحسب، وإنما بفرض هيمنة الدولة وسيطرتها على الأجواء العراقية، وبناء منظومات دفاع جوي وقوة جوية قادرة على التصدي لأي عدوان، وكذلك تحرير المال العراقي من سطوة وتحكم بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي.
وللوهلة الأولى، ربما يفهم أن فصائل المقاومة، من خلال هذه الاشتراطات، لا تريد التخلي عن سلاحها أبدًا، لكن قراءة مضامين المواقف المعلنة من قبلها، يؤشر إلى أنها تلتقي مع الحكومة في رؤيتها المتمثلة بتحقيق السيادة الوطنية الكاملة، إلا أنها تختلف معها في بعض التفاصيل والجزئيات والتوقيتات.
ويبدو أن الإطار التنسيقي نجح إلى حد كبير في بلورة تصور موضوعي وواقعي وعملي، وفي تجسير الهوة بين الطرفين، من خلال طرح فكرة تنظيم وحصر السلاح، عبر تسليمه إلى هيئة الحشد الشعبي، باعتبارها جهة رسمية حكومية، وإحدى المفاصل الأمنية الأساسية الرسمية في منظومة الدولة، وعدم التقيد بتاريخ الثلاثين من أيلول-سبتمبر الجاري، موعدًا نهائيًا لإنجاز هذه المهمة، بل عدّه نقطة الشروع بها، وإعطاء فسحة زمنية كافية لذلك، كأن تكون ستة أشهر أو حتى عامًا كاملًا، وهذا أمر طبيعي جدًا بالنسبة لملف حيوي وكبير، لا ينبغي التعاطي معه بانفعال وتسرع، واستجابة وإذعان لضغوط وإملاءات خارجية، بقدر الأخذ بعين الاعتبار مجمل ظروف وحقائق الواقع العراقي.
فسلاح فصائل المقاومة، الذي كان له دور محوري وفاعل في هزيمة تنظيم "داعش" الإرهابي، وحماية المقدسات والمواطنين ومنع انهيار الدولة والنظام السياسي، لا يمكن أن يخضع في تنظيمه وتكييفه مع قوانين وسياقات الدولة، للإرادات والأجندات والمشاريع الخارجية، ولا يمكن أن يكون عرضة للمساومات والصفقات السياسية القائمة على مبدأ الربح والخسارة، إنما ينبغي أن يكون بأيدي أمينة، ويخضع للتنظيم والحصر متى ما توفرت الظروف المناسبة وتحققت مطالب واشتراطات قوى الفصائل ومعها القوى الوطنية المختلفة.
ويقع في خطأ فادح من يذهب إلى خيار تسليم ونزع السلاح، ويتناسى ويغفل أو يتغافل، ويغض الطرف عن مخططات خطيرة، يراد من ورائها خلط الأوراق، وإفراغ العراق من شيء اسمه المقاومة، فهذا لا ينسجم بالمرة مع مجمل حقائق ومعطيات الواقع العراقي والإقليمي، وكذلك لا يتوافق مع ضرورة التحسب لكل التهديدات والتحديات والمخاطر المحدقة بالعراق والمنطقة، وبالتحديد قوى وجماهير محور المقاومة.