اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي كيف يتماهى الإعلام مع الدعاية "الإسرائيلية" لمهاجمة المقاومة والطوفان؟

مقالات مختارة

هل يمكن أن تتكرّر المجاعة الكبرى؟
🎧 إستمع للمقال
مقالات مختارة

هل يمكن أن تتكرّر المجاعة الكبرى؟

60

كريم حداد - صحيفة الأخبار

لم تبدأ مجاعة الحرب العالمية الأولى في لبنان يوم ظهر الجائعون في الشوارع، بل بدأت قبل ذلك بوقت طويل، عندما أخذت قدرة المجتمع على الاحتمال تتآكل تدريجياً. تعطّلت التجارة، جُنّد الرجال، صودرت الحيوانات والمحاصيل ووسائل النقل، ضعفت التحويلات المالية، ارتفعت الأسعار وانتشرت المُضاربة والاحتكار، ثم جاء الجراد ليضرب الإنتاج الزراعي. لم يكن هناك سبب واحد صنع المجاعة، بل تراكم من الصدمات جعل كل أزمة تغذّي الأخرى حتى تحوّل الجوع من احتمال بعيد إلى واقع اجتماعي واسع.

لهذا لا ينبغي أن نفهم السؤال عن إمكان تكرار المجاعة في لبنان اليوم باعتباره انتظاراً لنسخة مطابقة لما جرى قبل أكثر من قرن. لبنان تغيّر، والعالم تغيّر، ووسائل النقل والتجارة والإغاثة والاتصال أصبحت مختلفة جذرياً. لكن الآلية التي تقود المجتمعات إلى الجوع لم تختفِ. فالمجاعة لا تحتاج بالضرورة إلى اختفاء الطعام من الأسواق. يكفي أن يصبح الطعام موجوداً، فيما يفقد عدد متزايد من الناس القدرة على شرائه والوصول إليه.

وهنا يكمن التشابه المُقلِق مع الحاضر اللبناني. فقد أثبتت تجربة الحرب الكبرى أن الجوع لم يصب الجميع بالطريقة نفسها. من امتلك المال أو الأرض أو العلاقات أو القدرة على التنقل حصل على فرص أفضل للنجاة، فيما كان الفقراء أول من دفع الثمن. ومع استمرار الأزمة تآكلت الطبقة الوسطى أيضاً، وتحوّلت عائلات كانت قادرة على إعالة نفسها إلى أسر تعيش على حافة الفقر والجوع.

هذا الاحتمال قائم اليوم بطريقة مختلفة. فلبنان يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد لتأمين غذائه، فيما يعاني اقتصاده منذ سنوات من تراجع الدخل والقوة الشرائية. والحروب المتكررة ألحقت أضراراً بالزراعة، ولا سيما في الجنوب، كما أن ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل والشحن ينعكس مباشرة على أسعار المواد الغذائية. فإذا اجتمعت حرب طويلة مع تعطّل طرق الإمداد أو المرافئ، وارتفاع أسعار الاستيراد، وتراجع جديد في قيمة المداخيل، وتضرر الإنتاج الزراعي، فقد يصبح الأمن الغذائي أكثر هشاشة بكثير مما هو عليه الآن.

لكنّ المجاعة الحديثة لن تبدأ بمشهد آلاف الجثث في الطرق. ستبدأ داخل البيوت بصورة أقل وضوحاً. تتوقف الأسرة أولاً عن شراء بعض أنواع الطعام، ثم تخفّض استهلاك اللحوم والحليب والفواكه، ثم تقلّل عدد الوجبات. بعد ذلك تبدأ باستنزاف المُدّخرات، ثم بيع الذهب أو الأثاث أو الأرض، والاستدانة من الأقارب، وربما إرسال أحد أفرادها إلى الخارج بحثاً عن العمل. وما يبدو في البداية تدبيراً مؤقّتاً يمكن أن يتحوّل، إذا طال أمد الأزمة، إلى نمط حياة دائم.

هذا تحديداً ما يجعل المجاعة أكثر من مجرد نقص في الطعام. إنها عملية تفكيك بطيئة لقدرة المجتمع على الصمود. فالأسرة التي تبيع أصولها كي تأكل اليوم تصبح أضعف في مواجهة أزمة الغد. والمزارع الذي يهجر أرضه يفقد المجتمع جزءاً من قدرته على إنتاج غذائه. والهجرة التي تنقذ فرداً قد تفرغ القرى من القوى العاملة. ومع تراكم هذه التحوّلات يصبح المجتمع بأكمله أكثر هشاشة أمام أي صدمة جديدة.
والخطر لا يقتصر على الغذاء. فقد أظهرت المجاعة القديمة أن سوء التغذية والنزوح وسوء السكن ونقص الدواء، فتح كلُّ ذلك أبواباً أمام الأمراض والأوبئة. كما أظهر ذلك أن الكارثة الطويلة تستنزف التعاطف نفسه. في البداية يتضامن الناس مع المُحتاج، ثم تزداد أعداد المُحتاجين، ويصبح الفقر مشهداً يومياً، ويبدأ المجتمع بالتكيّف نفسياً مع ما كان يعتبره غير مقبول.

مع ذلك، ليست المجاعة قدراً محتوماً. يستطيع لبنان تقليل احتمالاتها إذا تعامل مع الغذاء باعتباره جزءاً من الأمن الوطني: بناء مخزون استراتيجي للحبوب، تنويع مصادر الاستيراد، حماية المرافئ وطرق النقل، دعم المزارعين، حماية الأراضي الزراعية والمياه، وتشجيع إنتاج السلع الأساسية بدلاً من ترك البلاد رهينة كاملة للأسواق الخارجية. ولا يقلّ عن ذلك أهمية وجود شبكة حماية اجتماعية تصل إلى الأسرة قبل أن تضطر إلى بيع ما تملكه كي تأكل.

الدرس الأهم من المجاعة الكبرى أن الكارثة لا تبدأ عندما يموت أول إنسان جوعاً. تبدأ عندما يصبح تقليل الطعام أمراً عادياً، وبيع المُمتلكات وسيلة طبيعية للبقاء، والنزوح مشهداً مألوفاً، ثم يعتاد المجتمع على معاناة أضعف أفراده. لذلك قد لا تتكرر مجاعة 1914 بالشكل نفسه، لكنّ الظروف القادرة على إنتاج مجاعة لبنانية جديدة يمكن أن تتشكّل إذا تراكبت الصدمات الاقتصادية والعسكرية والغذائية من دون مواجهة جدّية. والمستقبل سيتحدد بقدرة لبنان على منع الهشاشة من التحوّل إلى كارثة.

الكلمات المفتاحية
مشاركة