ترجمات
رأى الباحث والمحلل السياسي الأميركي ومؤسس معهد "كوينسي" لفن الحكم المسؤول، تريتا بارسي، والسفير الأميركي السابق لدى الأمم المتحدة توم بيكرينغ، أن الصين قد تكون الطرف الأقدر على الدفع نحو تسوية للنزاع بين إيران والولايات المتحدة، في ظل التداعيات المتزايدة للحرب وخطر انتقالها إلى مستويات أكثر خطورة، مشيرين إلى أن بكين أبدت استعدادها للانخراط في جهود الوساطة رغم حرصها عادةً على تجنب التورط في نزاعات الدول الأخرى.
وفي مقال نشره موقع "Responsible Statecraft"، اعتبر الكاتبان أن لدى الصين والولايات المتحدة مصلحة مشتركة في احتواء الأزمة ومنع تفاقمها، ولا سيما أن استمرار الحرب يهدد استقرار إمدادات النفط من الخليج والبحر الأحمر والاقتصاد العالمي عمومًا، ما يجعل التعاون بين واشنطن وبكين في هذا الملف ذا أهمية متزايدة.
وأشار بارسي وبيكرينغ إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب اكتفى حتى الآن بإدارة الحرب ولم ينفذ تهديداته بتكثيفها، مرجحين أن يكون إدراكه لحجم الكارثة التي قد تنتج عن رد إيراني قوي أحد أسباب ذلك. لكنهما تحدثا عن مؤشرات على احتمال تغير حساباته بعد انتخابات التجديد النصفي، معتبرين أن ترامب قد يكون مستعدًا لتصعيد سريع وكبير إذا تحرر من القيود السياسية المرتبطة بالانتخابات، في محاولة لتحويل ما وصفاه بالفشل إلى انتصار ينهي أزمته مع إيران.
وحذرا في المقابل من أن التصعيد قد يؤدي إلى تفاقم المشكلات التي يواجهها ترامب، إذ سترد إيران، بحسب تقديرهما، بقوة كبيرة، فيما لا تزال أمام إيران وحلفائها، وفق الكاتبين، خيارات متعددة للتصعيد، وهو ما أشارا إلى أنه ظهر أيضًا في التطورات الميدانية التي حققها أنصار الله في اليمن.
النفط ومضيق هرمز
وأوضح الكاتبان أن الصين قد تجد نفسها مضطرة إلى التدخل بصورة أكبر إذا قرر ترامب التصعيد بعد الانتخابات النصفية، خصوصًا إذا تجاوزت تداعيات الحرب قدرة بكين على احتواء تكاليفها. واعتبرا أن قرار الصين خفض طلبها على النفط أسهم بصورة أساسية في منع ارتفاع سعر الخام إلى أكثر من 150 دولارًا للبرميل.
وبحسب بارسي وبيكرينغ، تمكنت الصين من الحفاظ على هذا التوازن ما دامت الحرب تؤدي إلى نقص في إمدادات النفط عبر مضيق هرمز، من دون أن تمتد إلى تدمير قدرات إنتاج الطاقة في المنطقة. أما في حال تعرض منشآت الإنتاج للتدمير أو انهارت أنظمة حكم في دول المنطقة، فلن تتمكن الصين، رغم بقائها مستهلكًا متأرجحًا في سوق النفط، من منع الأسعار من تجاوز 150 دولارًا للبرميل أو الحيلولة دون انزلاق الاقتصاد العالمي إلى أزمة أعمق.
وربط الكاتبان ذلك بتلميح الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى استعداد بلاده للقيام بدور دبلوماسي خلال قمة بريكس الأخيرة، مشيرين إلى أن دبلوماسيين صينيين أبلغوهما بأن بكين مستعدة للتدخل إذا طلبت الأطراف المعنية ذلك.
نافذة للتسوية
واعتبر بارسي وبيكرينغ أن امتلاك الصين نفوذًا لدى كل من طهران وواشنطن يمنحها قدرة على الدفع باتجاه تسوية دائمة قد يعجز عنها الوسطاء الحاليون، لكن التحدي الأول أمام بكين يتمثل في إيجاد نافذة دبلوماسية مناسبة.
وأشار الكاتبان إلى أن إدارة ترامب تراهن على أن استمرار الحصار على إيران، بالتزامن مع عودة تدفق النفط عبر مضيق هرمز، يمكن أن يقلب المعادلة لمصلحة واشنطن إذا مُنحت العملية الوقت الكافي. وأضافا أن ترامب أبلغ أطرافًا إقليمية بأنه لن يرفع الحصار حتى في حال وافقت طهران على فتح المضيق بالكامل، معتبرين أن الهدف من الحصار يتجاوز ملف المضيق إلى محاولة تحقيق مكاسب في الملف النووي الإيراني.
وحذرا من ثغرتين أساسيتين في هذه الاستراتيجية: الأولى تجاهل حجم الضرر الذي يلحقه الوضع القائم بالحلفاء الإقليميين للولايات المتحدة والاقتصاد العالمي، والثانية افتراض قدرة ترامب على ضمان استقرار الخليج وأسواق النفط. ولفتا إلى أن إغلاق أنصار الله مضيق باب المندب أمام السفن السعودية واستهداف خط أنابيب شرق - غرب السعودي يطرحان، بحسب رأيهما، شكوكًا جدية بشأن هذه الفرضية، فضلًا عن أن تكلفة العمليات الأميركية لمرافقة السفن قد لا تكون قابلة للاستدامة.
واقترح الكاتبان أن تطرح الصين مسودة اتفاق تعالج المخاوف الأساسية لدى الطرفين، مع تقديم ضمانات لترامب بشأن إجراء مفاوضات سريعة، وضمانات لإيران بشأن التزام الولايات المتحدة بتطبيق الاتفاق. واعتبرا أن أي طرح من هذا النوع ينبغي أن يستند إلى مذكرة إسلام آباد والاتفاق النووي المبرم عام 2015.
ويشمل المقترح، وفق الكاتبين، وقف إطلاق نار دائم في المنطقة، بما في ذلك لبنان واليمن، واعتماد مسار شامل لخفض التصعيد، إلى جانب فتح مضيق هرمز بصورة دائمة، مع تقاسم دول الخليج الساحلية رسوم الخدمات البيئية المخصصة لترميم البيئة البحرية.
كما يتضمن المقترح إعادة الإعمار وتلبية الاحتياجات الإنسانية الناتجة عن الحرب، ورفع الحصار الأميركي على إيران، وتشكيل مجموعات عمل للتفاوض على اتفاق نهائي بشأن الأنشطة النووية الإيرانية خلال ستة أشهر، على أن تضطلع الصين بدور الضامن لهذه البنود.
الملف النووي ومخزون اليورانيوم
وشدد بارسي وبيكرينغ على أن جوهر أي اتفاق يجب أن يكون ضمان استمرار برنامج نووي إيراني مدني يخضع لتفتيش مكثف من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مع منح الوكالة حق الوصول الكامل إلى المواقع النووية الإيرانية، وكذلك المواقع "غير المعلنة" إذا ظهرت أدلة موثوقة على استخدامها لأغراض نووية.
كما رأيا أن الصين تستطيع أداء دور مهم في تسوية الخلاف بشأن مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%. وقالا إن الولايات المتحدة تريد نقل كامل المخزون إلى خارج إيران، بينما وافقت طهران، بحسب قولهما، على إخراج 98% منه، لكن الخلاف بقي حول الدولة التي سيُنقل إليها.
واعتبر الكاتبان أن عدم حماسة واشنطن لنقل المخزون إلى الصين قد يتغير إذا أُدرجت هذه الخطوة ضمن اتفاق أوسع مع بكين.
إدارة مضيق هرمز
واقترح الكاتبان إنشاء وكالة جديدة تابعة للأمم المتحدة تتولى إدارة شؤون مضيق هرمز، بحيث تجمع الدول المصدرة، ومن بينها إيران، الرسوم المترتبة على الخدمات وتحولها مباشرة إلى الوكالة الأممية.
كما طرحا إنشاء كونسورتيوم إقليمي يضم إيران والسعودية، يتولى التخطيط المشترك وإنتاج وقود المفاعلات النووية وغيرها من الأنشطة الحساسة في مجال الطاقة النووية، على أن يقدم تقاريره إلى المجتمع الدولي.
وبحسب المقترح، تصدر الوكالة الدولية للطاقة الذرية والوكالة الأممية الجديدة المعنية بالمضائق تقارير دورية إلى مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، فيما تحظى الاتفاقات التي يجري التوصل إليها بشأن الأزمة بموافقة مجلس الأمن، بما يوفر، وفق الكاتبين، إطارًا دوليًا لضمان تنفيذها.