خاص العهد
عند كل استحقاق سياسي أو حدث ميداني في لبنان، تعود استطلاعات الرأي إلى الواجهة. وتتصدرها قراءات تزعم تراجع شعبية المقاومة وحضورها الشعبي.
في مقابل ذلك، تبرز نتائج مغايرة تستحق التوقف عندها. فقد أظهرت بيانات استطلاع لمعهد واشنطن أن النظرة الإيجابية إلى حزب الله بين المشاركين الشيعة بلغت 93% عام 2023. كما أظهرت دراسة لمركز البحوث الدولي (IRCCT)، وفق المتوسط الحسابي لتسعة مؤشرات إيجابية تتعلق بحزب الله والمقاومة، نسبة تقارب 92% عام 2026.
ولا تنفصل هذه المواقف عن واقع لبنان وجنوبه، حيث ما تزال أجزاء من الأرض محتلة، وتتواصل الاعتداءات، فيما تتعاظم مخاوف السكان على أمنهم ومستقبلهم في ظل عجز الدولة عن توفير الحماية الكافية. وفي هذا السياق، يرى مؤيدو المقاومة في سلاحها جزءاً من معادلة الردع، وفي دورها عاملاً أساسياً في مواجهة احتلال العدو "الإسرائيلي" واعتداءاته.
واللافت أن نتائج دراسة عام 2026، سبقت إعلان حزب الله برنامج الإيواء. وهذا معطى يستحق التوقف عنده في قراءة أسباب التأييد؛ إذ أن اختزال العلاقة بين جمهور المقاومة والحزب في التقديمات الاجتماعية يتجاهل عوامل سياسية ووطنية وأمنية أعمق، فضلًا عن أن المساعدات، على أهميتها في أوقات النزوح والأزمات، لا تكفي وحدها لتفسير المواقف الشعبية.
وفي هذا السياق، أكد المدير العام لمركز البحوث الدولي (IRCCT)، الدكتور محمد موسى علوش، في حديث إلى موقع "العهد" الإخباري، أن جمهور المقاومة بات أكثر تمسّكاً بها وبسلاحها، خلافاً لمحاولات تصوير شعبيتها على أنها في تراجع. واستند علوش في قراءته السوسيولوجية إلى نتائج دراسة أجراها المركز بعنوان "مواقف الشيعة في لبنان ما بعد حرب 2026"، والتي عكست استمرار هذا التوجّه في أوساط الجمهور المعني.
أولاً: تأييد المقاومة بعد الحرب
رأى علوش أنّ نتائج الدراسة كشفت عن ظاهرة اجتماعية تستحق التوقف عندها، وهي استمرار التأييد الواسع للمقاومة لدى المشاركين الشيعة رغم التحولات التي أحدثتها الحرب وما رافقها من خسائر بشرية ومادية واجتماعية. فقد أظهرت النتائج أن 95.7% يؤيدون ضرورة المقاومة المسلحة، فيما أفاد 75.2% بأن تأييدهم لدورها العسكري ازداد بعد الحرب، مقارنةً بمواقفهم السابقة كما يتذكرونها.
ومن منظور سوسيولوجي، وفق علوش، يمكن تفسير هذه النتائج بأن الموقف من المقاومة لا يتشكّل انطلاقاً من حسابات الربح والخسارة العسكرية المباشرة وحدها، بل يتصل أيضاً بالذاكرة الجماعية والتجربة التاريخية مع الاحتلال والاعتداءات، وبالمعاني التي اكتسبتها المقاومة في الوعي الاجتماعي بوصفها أداة للدفاع والحماية.
وهنا ينبغي التمييز بين الخسارة المادية وتغيّر القناعة؛ إذ ليس بالضرورة أن تؤدي الأولى إلى الثانية. بل قد تسهم تجربة التهديد، في بعض الظروف، في تعزيز التمسك بما تعتقد الجماعة أنه يوفر لها الحماية. ولذلك، فإن ارتفاع التأييد بعد الحرب، كما أفاد المشاركون، يشير إلى أن التجربة لم تُنتج بالضرورة مراجعة سلبية لدور المقاومة، وإنما أعادت تأكيد ضرورتها لدى شريحة واسعة من العينة.
ثانياً: التمسك ببقاء سلاح المقاومة
وفي السياق ذاته، أضاف علوش أن أبرز ما تكشفه الدراسة في مسألة السلاح هو أن تأييده لدى المشاركين يرتبط بوظيفته الدفاعية أكثر من ارتباطه بالسلاح بوصفه غاية مستقلة. فقد أيد 95% بقاء سلاح المقاومة ما دامت الدولة عاجزة عن توفير الحماية، فيما اعتبر 87.5% أن نزعه قبل زوال التهديد ينطوي على خطر.
هاتان النسبتان، بحسب علوش، تتيحان لنا قراءة المسألة من زاوية العلاقة بين الأمن والشرعية؛ فحين يشعر الأفراد بأن الخطر الخارجي لا يزال قائماً، وأن مؤسسات الدولة لا تمتلك القدرة الكافية على مواجهته، يصبح تمسكهم بالسلاح مرتبطاً بالحاجة إلى الحماية وبالخوف من فقدانها.
ولفت علوش إلى أن 88.6% وافقوا على تنظيم علاقة المقاومة بالجيش ضمن استراتيجية دفاعية وطنية، وهو ما يشير إلى أن تأييد بقاء السلاح لا يتعارض بالضرورة، في تصورات المشاركين، مع الرغبة في قيام دولة قوية ومؤسسات دفاعية فاعلة.
وعليه، فإن المسألة في الوعي الاجتماعي الذي تعكسه الدراسة ليست مجرد اختيار بين الدولة والمقاومة، بل تتصل بالسؤال عن الجهة القادرة فعلياً على توفير الحماية في ظل استمرار التهديد.

ثالثاً: عجز الدولة عن توفير الحماية
بالموازاة، أشار علوش إلى أنّّ نتائج الدراسة أظهرت فجوة واضحة بين الدور الدفاعي المنتظر من الدولة والثقة بقدراتها الحالية على أدائه. فقد رفض 95.9% من المشاركين القول إن الدولة تمتلك حالياً القدرة الكافية لمواجهة اعتداء إسرائيلي واسع، ولم يوافق 91.6% على كفاية قدرة الجيش الحالية على حماية الحدود. كذلك، لم يقتنع 95.9% بكفاية الدبلوماسية والمؤسسات الدولية وحدها لتوفير الحماية، واعتبر 94.6% أن الضمانات الدولية غير كافية.
وأوضح علوش أنّه لا ينبغي تفسير هذه النتائج باعتبارها رفضاً للدولة أو للجيش، وإنما بوصفها تقييماً اجتماعياً لحدود الإمكانات الدفاعية المتاحة. فمن الناحية السوسيولوجية، لا تستمد الدولة ثقة المواطنين من شرعيتها القانونية والمؤسسية فحسب، بل أيضاً من قدرتها الفعلية على أداء وظائفها الأساسية، وفي مقدمتها حماية السكان والأرض.
وبيّن علوش أنّه عندما تتسع المسافة بين هذه الوظيفة والقدرة على تحقيقها، تتراجع الثقة بكفاية الحماية المؤسسية، ويزداد الاعتماد على بدائل دفاعية يعتقد الأفراد أنها أكثر قدرة على مواجهة الخطر.
وهذا ما يساعد على فهم العلاقة بين ارتفاع التأييد للمقاومة وانخفاض الثقة بكفاية قدرات الدولة الحالية، من دون أن يعني ذلك أن المشاركين لا يرغبون في تعزيز قدرات الدولة والجيش.
رابعاً: ضرورة دور المقاومة رغم الخسائر وما مرّ به المجتمع
لعلّ النتائج المتعلقة بالخسائر والنزوح من أكثر نتائج الدراسة أهمية من الناحية السوسيولوجية؛ وفق علوش، لأنها تتيح اختبار العلاقة بين المعاناة المباشرة والموقف من المقاومة. فقد اعتبر 93.3% من المشاركين أن دور المقاومة لا يزال ضرورياً رغم الخسائر.
والأكثر دلالة أن 69.3% ممن تعرضت منازلهم أو ممتلكات أسرهم لأضرار كبيرة أفادوا بازدياد تأييدهم للدور العسكري للمقاومة، وبلغت النسبة 75.9% بين المتضررين بأضرار محدودة.
أما على مستوى النزوح، فقد أعلن 79.6% ممن نزحوا لفترة قصيرة، و77.7% ممن نزحوا لفترة طويلة، و63.5% ممن ظلوا نازحين وقت المشاركة، ازدياد تأييدهم، أكد علوش.
وتكشف هذه النتائج أن المعاناة لا تؤدي بالضرورة إلى الانفصال عن الموقف السياسي أو الدفاعي السابق، بل يمكن أن تتعايش معه، وأن تعزز أحياناً الشعور بالحاجة إلى الحماية.
ومن منظور علم النفس الاجتماعي، قال علوش إنّ خسارة الأفراد قد تدفع إلى البحث عن مصادر الأمان واستعادة القدرة على التحكم بمصيرهم، بدلاً من التخلي عن الأدوات التي يعتقدون أنها قادرة على حمايتهم.
وهكذا، تُظهر النتائج بوضوح أن التعرض للضرر والنزوح لم يترافق بالضرورة مع تراجع التأييد لدى المشاركين المتضررين.
خامساً: الثقة بقدرة المقاومة على الردع وتحرير الأرض
هذا؛ وأشار المدير العام لمركز البحوث الدولي (IRCCT) إلى أن استمرار التأييد للمقاومة لا يمكن فهمه بصورة مكتملة من دون النظر إلى مستوى الثقة بقدراتها المستقبلية. فقد أظهرت الدراسة أن 93.8% من المشاركين يعتقدون أن المقاومة ساهمت في ردع اعتداءات إسرائيلية أوسع، فيما أكد 92.2% استمرار ثقتهم بدورها الأمني والدفاعي المقبل، ورأى 91.6% أنها لا تزال قادرة على المساهمة في تحرير الأراضي المحتلة، وأعرب 89.9% عن اعتقادهم بقدرتها على إعادة بناء قوتها.
وأوضح علوش أنّ هذه النتائج تكتسب أهميتها لأنها تميّز بين تقييم الخسائر التي وقعت وبين التقدير الاجتماعي لاستمرار القدرة على الفعل. فالمشاركون، وفق هذه المؤشرات، لا ينظرون إلى الخسائر بوصفها دليلاً حاسماً على انتهاء القدرة الدفاعية، وإنما يحتفظون بدرجة مرتفعة من الثقة بإمكان استعادتها وتطويرها.
ويمكن تفسير ذلك بمفهوم الفاعلية الجماعية، أي اعتقاد أفراد الجماعة بقدرتها على مواجهة التحديات وتحقيق أهداف مشتركة رغم الصعوبات.
سادسًا: تقاطع نتائج الدراسة مع استطلاعات معهد واشنطن
وفي المقارنة التاريخية، أشار علوش إلى استمرار ارتفاع النظرة الإيجابية إلى حزب الله لدى المشاركين الشيعة، وفق استطلاعات معهد واشنطن، إذ بلغت 88% عام 2017، و90% عام 2019، و89% عام 2020، و93% عام 2023، مقابل نحو 92% في دراسة مركز البحوث الدولي (IRCCT) عام 2026، وفق المتوسط الحسابي لتسعة مؤشرات إيجابية تتعلق بحزب الله والمقاومة.
ومن منظور سوسيولوجي، وفق علوش، يشير هذا التقارب رغم اختلاف أدوات القياس، إلى استمرارية تاريخية في الاتجاهات الإيجابية تجاه حزب الله والمقاومة، بما يتعارض مع التعميمات المتداولة عن تراجع تأييد الشيعة للمقاومة بعد الحرب.
ويختم علوش بالقول إنّ دلالة هذه النتائج تبرز في استمرار ارتفاع مؤشرات التأييد والثقة رغم الخسائر البشرية والمادية، ما يعكس تجذّر هذه المواقف في الذاكرة الجماعية والتجربة التاريخية وإدراك التهديد والحاجة إلى الحماية. فالمواقف الاجتماعية الراسخة لا تتحدد بحصيلة المواجهات العسكرية وحدها، بل تتصل أيضاً بالهوية الجماعية والوظيفة الدفاعية التي ينسبها الأفراد إلى المقاومة.
